Define your generation here. Generation What

تدوينة: هل تضمّد العذراء جراح ضحايا «رابعة»؟

أمس، ذهب صديقنا إلى كنيسة العذراء مريم بجوار بيته لحضور العشية، أي الصلاة المخصصة لمريم، والدة الإله وفق العقيدة المسيحية.

ذهب مصطحبًا معه أولاده وزوجته، ليرنّموا مع سائر الحضور في الكنيسة: «السلام لك يا مريم يا ذات البتولية.. السلام لك يا مريم يا رجاء المسيحية.. السلام لك يا مريم يا زرع طاهر مبرور.. السلام لك يا مريم يا سالمة من الشرور».

لنترك صديقنا وأسرته يصلون، لكتابة بعض السطور عن سياق وخلفية تلك العشية، ثم نعود إليهم بعد قليل.

مسلمة تصوم مع العذراء

الأمس هو الإثنين، الموافق الثالث عشر من أغسطس للعام 2018. وكما هو معتاد في هذه الفترة من كل عام، ما بين السابع إلى الحادي والعشرين من هذا الشهر، يصوم أقباط مصر، كما يصوم مسيحيون كثيرون في العالم.

يتبع المسيحيون في هذا الصيام آبائهم، رسل وتلاميذ السيد المسيح، الذين صاموا كي يظهر لهم جسد العذراء وهو صاعد الى السماء، بعد أن ظهر لأحدهم من قبل. فمنذ العصور المسيحية الأولى، يُؤْمِن المسيحيون أن العذراء لم تُدفن، وإنما ارتفعت الى السماء. ويؤمنون أن صومهم هذا سيقرّبهم منها، لا بالجسد كما حدث مع الرسل، ولكن بالروح.

منذ صغري، كنت أعرف أن هناك أيضًا الكثير من المسلمين ممن يحبون هذا الصيام. أذكر جارتي المسلمة التي كانت تبدأ الصيام مبكرًا من بداية الشهر لتكون مدة الصيام ثلاثة أسابيع كاملة، لا أسبوعين.

كانت جارتي تصوم هذه الأيام صيامها في رمضان، تنقطع عن الطعام حتى المغرب، ثم تأكل حتى الفجر. كانت جارتي أيضًا حريصة على زيارة مولد العذراء الذي يقام في توقيت الصيام، في العديد من المدن والمحافظات المصرية، كأسيوط والمنيا والقاهرة.

مولد وصاحبه غائب

تُطلق كلمة «مولد» على احتفالات كبيرة تمتد لأيام وأحيانًا لأسابيع، وهي احتفالات منها ما يخص المسيحيين ومنها ما للمسلمين، تقام لأشخاص غائبين غير موجودين، قديسين وقديسات، لهم ولهن كرامات وشفاعة عند الله.

من زحام الموالد استمد المصريون المثل الشهير «مولد وصاحبه غائب».

من زار مولد العذراء أو يزوره حاليًا، يعرف جيدًا أن البعض لا يذهب إلى المولد ليصلي فحسب، وربما ليس في الأساس حتى. مثلًا، يُطلق على مولد العذراء بقرية دير جبل الطير في المنيا «مصيف الغلابة»، لكونه نزهة لأهل الصعيد غير القادرين على زيارة سواحل مصر، والتي عادة ما تكون باهظة التكلفة وبعيدة المسافة.

يعلم الجميع أن وجود الموالد لا يرتبط فقط بالصلاة، ولكن أيضًا بالألعاب الترفيهية، بالإضافة إلى عربات الطعام والحلوى، كما هو الحال مع من يرسمون الوشوم على أذرع من يرتادون المولد أو أرجلهم.

كما أن غياب هؤلاء القديسين والقديسات عن الموالد هو ما يعطي للاحتفال تواجدًا في حياتنا. والغياب هنا لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يؤخذ بمفهومه السلبي، وإنما بآخر إيجابي، فلولاه لما كان لهؤلاء القديسين والقديسات موالد ومواسم صوم نحيي فيها ذكراهم.

لذلك، فأيًا كان سبب زيارة الشخص إلى المولد، تبقى العذراء هي السبب الأهم فيما يحدث.

قديسون غائبون.. قديسون حاضرون

نعود إلى صديقنا الذي زار الكنيسة مع أسرته ليصلي عشية العذراء مريم.

ليست العذراء هي الغائبة الوحيدة المذكورة في الصلوات. فصديقنا أيضًا يصلي من أجل أمور غائبة عن حدود وسيطرة قاعة الصلاة الصغيرة التي تحتضن أسرته. مثلًا، نجده يصلي «من أجل سلام العالم، ومن أجل مدينتنا هذه»، كما تقول أوشية (أي صلوات) السلام في العديد من الكتب القبطية. كما يصلي من أجل وحدة الكنائس وعدم تفرقها، ومن أجل أشخاص لا يزالون على قيد الحياة، ولكنهم غائبون عن الكنيسة التي تجاور منزله، مثل رئيس الجمهورية، والبطريرك والآباء الأساقفة وسائر الشعب المسيحي في أنحاء العالم.

يصلي صديقنا أيضًا من أجل «الخطاة» طالبًا من الله ردهم إليه وإلى كنيسته.

على سبيل المثال، فقبل أيام قليلة من بدء صوم العذراء، قام أحد رهبان دير أبو مقار بقتل أسقف الدير، الأنبا أبيفانيوس.

نعم، ثبتت التهمة على الراهب، وأصبحت عملية إعدامه لا شك فيها. ولكن، ورغم وجود الراهب في السجن، ورغم كسره العديد من الوصايا، ليس فقط كمسيحي، ولكن أيضًا كشخص زاهد، ذي قيمة روحية عالية، يصر صديقنا على الصلاة من أجله، حتى يقدم توبة قبل إعدامه، كي يلحق بالقديسين والقديسات إلى الحياة الآخرة، والغائبة هي أيضًا عن واقعنا المادي المنظور.

أشباح نطاردهم ويطاردوننا

كان الأمس هو الثالث عشر من أغسطس، الذي لا يوافق وحسب ليلة منتصف صيام العذراء مريم، ولكنه ليلة حادث قُتل فيه العديد من مصريين، حين فُض اعتصام رابعة الذي ضمَّ مؤيدي ومناصري حكم الرئيس السابق محمد مرسي.

يذكر صديقنا هذا اليوم جيدًا. فقد شارك في مظاهرات 30 يونيو 2013، التي أعقبها عزل مرسي وحكم الإخوان المسلمين. كان صديقنا يشعر بالضيق إبان هذا الحكم، وكان يحاول إقناع زوجته ألا مكان لهم في مصر، وأن عليهم ترك البلاد.

مثل العديد من الأقباط، شعر صديقنا أن حكم الإخوان يهمّش وجوده، ويضعه في مكانه متدنية في المجتمع المصري. لذا، لم يكن من الغريب أن يفرح بانتهاء حكمهم.

يذكر صديقنا أيضًا حوادث الاعتداء على عشرات الكنائس في مصر، عقب فض الاعتصام مباشرة، فصديقنا كان لديه معارف في المنيا، أخبروه أنه في خلال ساعات من الفض، حُرقت كنائس عديدة في الكثير من القرى، بالإضافة إلى بيوت سكنية ومحلات عمل يمتلكها أقباط.

ومع كل هذا، يذكر صديقنا أيضًا الآية التي تعلمها وهو صغير في مدارس الأحد: «أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم، ويطردونكم».

يعرف صديقنا هذه الآية جيدًا، ولكنه يصطدم بمخاوف مَن حوله مِن قبول هذا العدو، يصطدم بإعلام يريد منه الفرح بموت عدوه، والشماتة في أي مكروه يصيبه. يصطدم بمن علّموه هذه الآية في الكنيسة، وهم يكتبون على صفحاتهم الإلكترونية، حتى بعد مرور خمس سنوات على الفض، أن يد الله قد تدخلت لتخلصهم من الإخوان.

يتعجب صاحبنا: كيف لله، الذي ذكر في الإنجيل مثال السامري الصالح الذي ضمد جراح عدوه اليهودي، بعدما اعتُدي على الأخير من قبل قطاع طرق، أن يأمرنا بالفرح لموت أي شخص، بمن فيه الأعداء؟

بينما يصلي، يتعجب من ازدواجية المعايير. يعرف أن الصلاة أساسها الاتصال بمن لا نراهم ولا نسمعهم بأجسادنا المادية، بما فيهم الله والعذراء وباقي من هم في السماء، أو حتى من هم على الأرض، خارج أسوار الكنيسة.

ولكن صديقنا ينزعج ويرتبك، عندما يدرك أن الأعداء أيضًا غائبون لا نراهم، فلو قابلناهم لقتلونا أو لقتلنهم. يعلم جيدًا أن الأعداء كالأشباح، نحاصرهم ويحاصروننا، بتعبير محمود درويش في قصيدة «لا شيء يعجبني»، قاصدًا، كما أفهم، الجندي الذي يشكو من هواجس مستمرة تقنعه بوجود شخص يريد التخلص منه، رغم أنه لا يراه ولا يعرفه.

وسواء كان شبح من مات في رابعة «شهيدًا» أو «إرهابيًا»، حمل سلاحًا أو لم يحمل، قُتل أم لم يُقتل، يبقى الشبح شبحًا يطارد صديقنا في صلاته، يسأله إن كان له مكان في طلباته وتضرعاته التي يرفعها في صوم العذراء.

هل كانت سعيدة؟

حتى لو كان من مات في رابعة «عدوًا للوطن»، ولو كان أعوانه وأنصاره من الأحياء لا يزالون يصرون على تفجير كنيسة أو الاعتداء على رجال دين أقباط، وحتى لو كان عدوًا شخصيًا له، يريد قتل صديقنا نفسه مع أسرته، يظل الشبح شبحًا.

يظل الشبح شبحًا يسأله إن كانت العذراء زارت ميدان رابعة، أثناء فض الاعتصام وبعد تناثر الدماء في كل مكان، كما يتمنى أن تزور صديقنا بجسدها أو روحها، بعد انتهاء فترة الصيام.

يسأله الشبح إن كانت العذراء سعيدة بما حدث في أغسطس 2013، وهي التي دائمًا ما تريد سلام ومحبة العالم أجمع، كما يُؤْمِن صديقنا المسيحي المحب للجميع، أو الذي كان هكذا، فقد أدرك جيدًا أن ليس بمقدوره تطبيق تعاليم دينه بشكل كامل.

تنتهي الصلاة، ويعود صديقنا مع أسرته إلى البيت. يسأله ابنه الأكبر عما حدث في رابعة، بعد أن تابع بعضًا من ذكرياتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتشتت تفكيره بين آراء مختلفة ومتضاربة.

في 2013، كان ابنه يبلغ من العمر أربع سنوات، وقد أكمل الآن ربيعه التاسع. يفكر صديقنا طويلًا فيما سيقول، فلا يجد حلًا إلا أن يطلب من العذراء مساعدته في مواجهة أشباح أعدائه، والتي ستبقى تطارده في أولاده، وفِي كل يوم يعلمهم فيه الصلاة.

اعلان
 
 
مينا إبراهيم