Define your generation here. Generation What

مقتل الأنبا أبيفانيوس: فهم الكنيسة انطلاقًا من الأسطورة

ربما بطلت المعجزات في زمننا هذا، لكن الأساطير لا تزال على حالها، تُنتَج ويعاد إنتاجها يومًا بعد آخر. وعلى غير ما يبدو، فالأسطورة لا تحتاج الكثير لتكتسب خلودها وسطوتها. كل ما يحتاجه الأمر هو تكرارها مرة وراء الأخرى، حتى يصدقها الجميع. لكن أيضًا لكل أسطورة غرض أو أكثر، وأدوارًا تؤديها، ورغبات تستهدف إشباعها.

بمجرد الإعلان عن خبر وفاة الأنبا أبيفانيوس في ديره، وفي ملابسات غامضة تُرجّح إمكانية الجريمة الجنائية، قفزت وسائل الإعلام لمحاولة حل اللغز. فحادثة قتل في دير صحراوي، تبدو غامضة بما يكفي لإثارة الخيال، وحواس المحقق الخاص في الروايات البوليسية. وليس من المدهش أن تشير بعض المقالات التي تناولت الحادثة إلى رواية إمبرتو إيكو «اسم الوردة»، فبجانب انطلاق الرواية من جريمة قتل في دير، كما هو الحال في حادثة دير الأنبا أبو مقار، فإن أجواء الغرائبية التي تغلّف أحداثها، تتناسب تمامًا مع تصور غامض وضبابي يحيط بالكنيسة ومؤسساتها، لدى أغلبية المصريين. وكما في الرواية، فقد تصور البعض أن جريمة القتل في حادثتنا ليست مجرد جريمة قتل، وإنما هناك صراع أوسع يقف وراءها حول المعنى والحقيقة.

قفز عدد من وسائل الإعلام على حقيقة أن الجريمة وقعت في الدير الذي كان مقرًا للأب متى المسكين في الماضي، لتربط الحادثة بأسطورة الرجل. ويومًا بعد آخر، تتابعت المقالات والتقارير عن تاريخ الصراع اللاهوتي والشخصي بين المسكين والبابا شنودة، مع النبش في التفاصيل الدقيقة لهذا الصراع.

بدت أسطورة المسكين أكثر من كافية لإضافة طبقة أخرى من الدراما إلى الحادث. فالرجل الذي بدأ اسمه في التسرب إلى الصحف، على نطاق واسع، في السنوات الأخيرة لحكم السادات، كان قد نال حظوة خاصة لدى وسائل الإعلام بشكل عام، ولدى المثقفين تحديدًا.

أسبغت عليه قصة صدامه مع البابا شنودة هالة من النضالية، وبالأخص حين تعلق الأمر بدور الكنيسة في المجال العام، ولطالما نُسب له رفض توريط البابا شنودة للكنيسة في أدوار سياسية. وجاء ترسيخ تلك الرواية في كتاب محمد حسنين هيكل الشهير «خريف الغضب»، والذي روّج لكون كل من شنودة ومتى المسكين، يمثلان مدرستين متناقضتين ومتنافستين لفهم دور الكنيسة ولاهوتها؛ الأول يرى في الكنيسة مؤسسة متكاملة تخدم حاجات المؤمن الروحية والجسدية والاجتماعية وغيرها، فيما يحصر الثاني، وهو المسكين، دورها في التنشئة الروحية. كان تصور المسكين عن دور الكنيسة يناسب مزاجًا علمانيًا لدى النخب الثقافية.

وكان حوار المسكين مع جابر عصفور ونصر حامد أبو زيد وهدى وصفي، والمنشور تحت عنوان «الله، المسيح والزمن»، أحد تجليات الإعجاب النخبوي بالمسكين، وما قد يمثله. ولا يبدو مدهشًا، أن ينشر موقع اليوم السابع، تلك المحاورة الفلسفية، مع تعليق منفصل عليها، في إطار تغطيته لجريمة الدير الأخيرة.  

في الأسطورة المُروَّجة عنه، مثّل المسكين بديلًا لدى الناقمين على شنودة، والرافضين لتسييس الكنيسة. وكذا لعب فيها المسكين، دون إرادته، دور المنبوذ، وضحية السلطة البابوية الواجب التعاطف معها. وغير هذا كله، فإن فكرة الصراع داخل الكنيسة، على خطوط اللاهوت والسياسة والتاريخ الشخصي، كانت ولا تزال مثيرة للخيال الإعلامي، وصالحة للتوظيف في مواقع عدة، ولتفسير أحداث كثيرة، بل وحتى تصلح لتنفيس غضب عموم الأقباط ممن لا تعجبهم طريقة إدارة الكنيسة.

ورغم أن تلك الأسطورة، كغيرها من الأساطير، تقوم على قليل من الحقائق التي جرى تضخيمها، مع كثير من الخيال، فإن ما يعنينا هنا ليس مدى صحتها، وإنما كونها لا تزال راسخة، حتى أنها، وبعد وفاة كل من بطليها، تقفز أمامنا، ويعاد تكرارها بكل تفاصيلها، لتفسير حادث قتل وقع قبل أيام.

جاءت عظة البابا تواضروس، يوم الأربعاء الماضي، والتي تناول فيها واقعة القتل، لتشير أن القضية ربما كانت لها دوافع فردية. ثم أعلن الإعلامي والبرلماني المقرب من الدولة، مصطفي بكري، عن كون الراهب «أشعياء المقاري»، الذي جردته الكنيسة يوم الأحد الماضي، هو الجاني، قبل اعتراف أشعياء نفسه بارتكابه جريمة القتل. ورغم عدم القدرة على الجزم بتفاصيل القضية الآن، في ظل عدم وجود بيانات رسمية مفصلة، فإن ما يتوفر من معلومات ودلائل لا يرجّح سوى الدوافع الفردية، والخصومة الشخصية التي تقف وراء الجريمة. وتبدو الشبهات المثارة حول الخلافات اللاهوتية والتاريخية، واستحضار متى المسكين إلى القضية، غير مؤسسة على أي حقائق.

لكن إلى ماذا يقودنا هذا كله؟ أي، لماذا رفض الكثير من وسائل الإعلام الحل الأقرب والأوقع؛ أن يكون وراء الجريمة دافع فردي؟ ولماذا بدت دوافع، تدخل في نطاق الأساطير، مقنعة، وانهمك الجميع في تفاصيلها؟ أي: لماذا لا تكون واقعة قتل في دير مجرد جريمة جنائية كغيرها؟  

ربما لا يوجد سبب واحد، لكن بلا شك، فإن ما تؤكده أي محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة هو ما نعرفه بالفعل. فالكنيسة ومؤسساتها يجري تصويرها كمكان غامض ومليء بالأسرار، ويعج بالخلافات والمؤامرات. وصحيح أنه من غير الممكن تبرئة الكنيسة ذاتها من مسؤوليتها عن تلك الصورة، ولكن في نفس الوقت لا يمكننا التغاضي عن الخطاب الطائفي الذي لطالما صور الكنائس والأديرة كأماكن مرهوبة، تخفي داخلها الكثير من الشرور والموبقات.  

من ناحيتها، تصرفت الكنسية بالشكل اللائق، والذي حتمته الظروف، حيث أعلنت أن الأمر قيد التحقيق الجنائي. ولاحقًا، تعرض البابا تواضروس في عظته الأسبوعية للأمر، معترفًا بأن الأديرة ككل مكان آخر، وأن الرهبان بشر كغيرهم، منهم الخطائون والمجرمون والضعفاء. لكنه لم يتوقف هنا، وإنما تابع الحديث عن النظام الكنسي للتعامل مع التجاوزات، وضبط السلوك داخل الأديرة، وغيرها من المؤسسات الروحية، وأشار للجان التحقيق والتأديب الداخلية، التي لطالما حسمت الأمور في هدوء. ثم عاد ودعا رعية الكنيسة للالتزام بالقواعد، ومساعدة الرهبان على الالتزام بها، وحضَّهم على التوقف عن الزيارات الشخصية للرهبان، والمكالمات الخاصة معهم والتبرعات الفردية المباشرة.

يعيدنا حديث البابا، مع تفاصيل الجريمة، التي يرجح أن يكون مرتكبها راهبًا بالدير اعتاد مخالفة القواعد، إلى أسطورة متى المسكين. فالعامل المشترك في كل هذا هو فكرة الضبط المؤسسي، ومدى شفافيته، وإمكانية متابعته جماهيريًا وإعلاميًا، حيث نظام الضبط الكنسي الذي كان قائمًا في الماضي على خليط من السلطة الروحية المتوارثة من الآباء، والعلاقات الفردية بين الإكليروس ورعية الكنيسة، مع قواعد النظام الملِّي العثماني، كانت قد صدمته سلسلة من التحولات في نهاية القرن التاسع عشر.

لم تقتصر تلك الصدمات على الإرساليات البروتستانتية، وصعود طبقة وسطى متعلمة، وهجرة واسعة إلى الحضر، بل واكب هذا كله، توسع للكنيسة القبطية، لم يقتصر على دورها الروحي والمحلي فقط، بل تمدد لمئات المؤسسات والأنشطة في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي كافة قارات العالم.

كان السؤال الذي واجهته الكنيسة، ولا يزال، في مواجهة معضلات إدارة مؤسسة بهذه الضخامة، يزداد تعقيدها وتشعبها وأدوارها يومًا بعد يوم، هو كيفية ضبطها، وترشيد الخلافات داخلها. تلك المهمة تبدو أعقد، مع الأخذ في الاعتبار أن الكنيسة غير منفصلة عما حولها، حيث الخلاف بين متى المسكين والبابا شنودة لم يكن قضية داخلية، فالإعلام والمثقفون وكذلك الرئيس السادات وعموم الأقباط كانوا أطرافًا فاعلة فيه.

حتى اليوم تظل المنظومة الإدارية للكنيسة شديدة الهرمية، وتتركز سلطاتها الفعلية في يد دائرة ضيقة من الإكليروس، مع أدوار مساعدة للعلمانيين. كما تبقى الدولة هي الشريك الوحيد للإكليروس، وتُستحضر أحيانًا لحسم بعض النزاعات الخارجة عن السيطرة، أو لكي تفرض نفسها بحكم موقعها القانوني، أو بدوافع سياسية، ويظل عموم الأقباط بعيدين عن الأمر، فلا يصل إلي غالب المصريين في النهاية سوى صورة ضبابية ومقبضة، يكتنفها كثير من الغموض والأساطير، عن مؤسسة الكنيسة.

أنهى البابا تواضروس عظته يوم الأربعاء الماضي، باستشهاده بالرئيس السيسي، في قوله إنه قد جرى رصد 21 ألف شائعة في ثلاثة أشهر في مصر. وحذر البابا الحضور من الشائعات، لأنها ضد «البلد والاقتصاد والسياسة والكنيسة».

لا تبدو الخاتمة مبشرة بأي حال، فالتشكيك الضمني في الإعلام، وحض الأقباط على وضع ثقتهم في الكنيسة، دون مشاركة فعلية، لا في اتخاذ القرارات ولا مراقبة أداء مؤسسات الكنيسة، يتطابقان تمامًا مع خطاب السلطة الحاكمة. ويدفعنا هذا إلى افتراض أن فداحة الجريمة المقترفة داخل أسوار دير الأنبا مقار، لن تقود إلا لتكثيف عملية مَرْكزة السلطة الكنسية، وتضييق دائرتها، والقضاء على مساحات الحركة القليلة وهوامش الاستقلال النسبي التي كانت متاحة في بعض مؤسساتها، دون أي مشاركة من عامة الأقباط.

اعلان