Define your generation here. Generation What
جماليات العنف: خالد جرار «جيد في القنص.. سيئ في الرسم»
عن المعرض الأخير للفنان الفلسطيني
 
 
 

أحيانًا لا يمكن التخلص من ذاكرة مؤلمة إلا بإخراجها إبداعيًا؛ كتابة أو رسمًا أو موسيقى، حين تكون هي ذاتها مصدرًا للإلهام يعيه الفنان أو لا يعيه.

ذاكرة الفنان الفلسطيني خالد جرار يبدو أنها مليئة بأزيز الرصاص التي أراد بعد سنوات طويلة، إخراجها على شكل عمل فني، ولم يرغب في الاحتفاظ بنتاج هذه الذاكرة له وحده، بل أن يشاركه صنع العمل بضع عشرات آخرين، في عملية يمكن وصفها بأنها ليست إلا ضربًا من المشاركة في «عنف» طوعي من أجل تشكيل هذا العمل الفني ولكن ما الذي فعله جرار ليتخلص من ذاكرته ويشارك بها الجمهور؟

الفن كحقل رماية

ذهب خالد جرار إلى صحراء أريزونا، ليلحق به جمهور مكون من 50 شخصًا، تقلهم حافلة، بتنظيم ورعاية متحف «Moca-tucson»، ويحمل كلًا منهم كرسيًا بلاستيكيًا سهل الطي، وتبدو عليهم علامات الحيرة، فقليلة هي المرات التي يتم فيها نقلهم، لحضور «عرض/عمل فني» في الصحراء.

ترجّلوا من الحافلة ليجدوا الفنان جرار وقد جلس وسط هذه الصحراء، خلف مكتب موضوع عليه البندقية الأمريكية «AR15» وبجانبه عدة رموز تلخّص «أمريكا»، وتعادل العولمة والهيمنة والحرب: فنجان قهوة أمريكية، وكعك الدونتس.

ثم وبسهولة؛ يبدأ في إطلاق الرصاص على مجموعة عبوات زجاجية مليئة بالألوان التي بمجرد أن تصيبها الرصاصة تنطلق ألوانها بسرعة فائقة توازي سرعة الرصاصات الصغيرة، فتطبع مختلف الألوان على «الكانفاس» الهرمي ليمتص أكبر قدر ممكن من هذه الألوان. الجمهور مذهولاً، وكأنه يقول «ماذا يفعل هذا المجنون؟».

بالطبع الجميع أرتدى سدادات الأذن، فمن غير المعقول أن يكونوا بهذا القرب من إطلاق الرصاص الحي، ولا تتم حمايتهم من  الصوت المرتفع، لكن هذا لا يعني على الإطلاق أنهم غير مشاركين في تمثيل «ذاكرة العنف»، وربما الصورة أكبر من ذلك، إنهم يتفرجون على سياسات حكومتهم في الشرق الأوسط دون أن يفعلوا شيئًا.

يتبنى جرار أداءً به الكثير من التخايل والغرور، يعكس صورة الأمريكي الهوليودي أو الأمريكي العسكري أو الأمريكي «الترامبي»، لكن هذه المرة هويته فنان شرق أوسطي، ما يجعل المتلقي يرى بيئته وذاته بشكل معاكس، ويعيد النظر بالصور النمطية لنفسه وللشرق الأوسط.

جرار الذي عمل ضمن فريق الحرس الشخصي للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لمدة ثماني سنوات في فلسطين، وعمل كمرافق للرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس لمدة أربع سنوات قبل أن يتفرغ للفن، يعرف الكثير عن السلاح، وعاصر العديد من مآسي فلسطين، وهو هذه المرة يستعيد كل ما أراد نسيانه عبر إطلاق النار لكن كي يصنع بالألوان اللوحات التي يريدها.

يقول جرار لـ «مدى مصر»: «إن البحث والوعي بحيثيات العمل مهم جدًا بالنسبة لي، ولكن أيضًا، التلقائية النابعة من اللاوعي هي شيء لابد منه ولا يمكن تجاهلها. حين أطلقت الرصاص، كنت أطلق الرصاص بدون عد، ولكنني أعرف بأنني سأتوقف عندما أقتنع بالنتيجة النهائية، فجمالية اللوحات شيء هام، وهي نابعة بدورها من جمالية العنف».

ويبدو أن المتلقي لا يشارك فقط بالفُرجة والصمت على إطلاق الرصاص بل بتجربة «الخسارة» أو «الفقْد» أيضًا. فقد مر جرار حاملًا مقصًا كبيرًا ممسكًا ملابس الحاضرين، قائلًا «إذا سمحتم لي بقص قطعة من ملابسكم، فستحصلون على قطعة من فني».

وبالفعل قام جرار بقص قِطع من ملابس الحاضرين رجالًا ونساءً، تحديدًا تلك الأجزاء التي تغطي المعدة باعتبارها المنطقة الأضعف والمساحة الأكثر عرضة للإصابة بالرصاص، ثم لصقها على اللوحات مع أسماء أصحابها، وبذلك يجعل لوحاته ذات ارتباط بشري، للدلالة على الحَيَوات التي تضيع كل يوم جراء هذا الرصاص الأمريكي. أيضًا. يحمل قص الملابس إشارات إلى هيمنة الاستعمار والمجتمع الأبوي على «الجسد» والمرأة والذوق العام والعلامات التجارية.

الأجزاء التي قصت ولصقت على اللوحات، تتعرّض بدورها لإطلاق النار، وتتلطخ بالألوان المتفجرة، وبالطبع تكتسب قيمة فنية بعد أن خسرت قيمتها الوظيفية الأولى كملابس. إنها مجموعة من الثيمات التي يعيها جرار جيدًا، ويخلص لها فنيًا لأقصى درجة، فتكتمل رمزية التسلُّط الكولونيالي بجميع تفاصيله.

وبحسب ما يشرح فقد كان كثير من المتلقين غير سعداء بهذه التجربة، وخاصة مع كشف بطونهم، في حين هناك من فضّلوا الاستمرار في المشاركة حتى النهاية، فهذا النوع من الفن التركيبي «Installition Art» يجعلهم يكتشفون أنفسهم من جديد، خاصة في علاقتهم بمجموعة من الرموز التي تمثل معادلًا موضوعيًا  للحياة والسياسة والتاريخ والاختلاف.

البحث الأكاديمي وراء العمل

يقول جرار لـ «مدى مصر»: «إنني أخلق وضعًا يبدو من الواضح أن الجميع يقبله». ويضيف «استخدمت وكالة المخابرات المركزية الفن كسلاح، وأنا استخدمه لخلق الفن».

وبوضح جرار أنه يرتكز في عمله على أساس معرفي يتلخص في البحث الأكاديمي  عن فكرة تاريخ «البروباجندا» السياسية مع الفن، حين روجت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA خلال حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي للأعمال التي تنتمي إلى مدرسة الفن التعبيري التجريدي «Abstract expressionism»، وذلك كأداة للدعاية عن الحرية المطلقة والتعبير عن الذات، والترويج لمفهوم الحرية الفردية، والنظر إليها كأعمال ثورية من منظور الزمن والتاريخ، إلا أن الحقيقة أنها لم تكن سوى أدوات دعاية قوية للرأسمالية.

واعتمد جرار على مقالة صحافية نشرتها المؤرخة والصحافية فرانسيس سوندرز في صحيفة الاندبندنت البريطانية بتاريخ 22 أكتوبر من عام 1995 تقول إن الترويج للفن الأمريكي الجديد تم بشكل سري بموجب سياسة تعرف باسم «السلسلة الطويلة»، وهي ترتيبات تشبه دعم وكالة المخابرات غير المباشر لبعض وسائل الإعلام كمجلة «Encounter» الأدبية، وكان قرار إدراج الثقافة والفن في ترسانة الحرب الباردة الأمريكية بمجرد تأسيس وكالة المخابرات المركزية في عام 1947.

وتوضح المقالة أن الحكومة الأمريكية دعمت عددًا من المعارض لفنانين عاطلين عن العمل، لينتشر هذا النوع من الفن ومعه فكرة أن أمريكا ديمقراطية متطورة وثقافية، لتغلب بذلك التفوق الثقافي لباريس في ثلاثينيات القرن الماضي، ويظهر واضحًا في المقابل أن الفن في الاتحاد السوفيتي كلاسيكًا تقليديًا مربوطًا إلى قيود الإيديولوجية الشيوعية، وأن الفنان غير حر حتى في تعبيره، بل تتحكم به السلطات، وهو ما حدث بالفعل، وبذلك فشل الاتحاد السوفيتي أمام المنافسة.

ويبدو هذا الكشف لتاريخ حركة فنية سرعان ما انتشرت في العالم، صادمًا ويظهر خطورة «البروباجندا» واستخدام السياسي للثقافة وقتما يريد، واستغل الفنان جرار هذا الكشف الصادم في عمله التركيبي حين جمع بين السلاح والفن في تمرد على خضوع الأخير إلى السياسة.يقول جرار لـ «مدى مصر»: «استخدمت السلاح أداة العنف، لإنتاج لوحات فنية تجريدية فيها عنف وفوضى انفجار الزجاجات المليئة بالألوان وذات توزيع جمالي».

ويضيف أنه حين نجح تقنيًا بعد عدة تجارب في أن يتنبأ بالشكل النهائي لتوزيع اللون على اللوحة بدأ يفتش في مفهوم العنف وصناعة الصورة، مستغلًا ذاكرته الشخصية وتجربته الخاصة في ذلك. ولكن هل من المقبول أن يذهب الفنان بالعمل التركيبي إلى هذا الحد من التطرف لإظهار فكرته؟ وأن يفرض على الجمهور قراره بالتخلص من أزيز الرصاص في ذاكرته عن طريق إطلاق النار على لوحاته؟ ربما لهذا السبب اختار جرار لمعرضه عنوان «جيد في القنص، سيئ في الرسم»، ساخرًا بشكل مسبق من هذا النوع من الأسئلة.

اعتمدت حيوية العمل بشكل رئيسي على صدمة الجمهور؛ في البداية حين تم نقلهم إلى الصحراء ووجدوا الفنان الشرق أوسطي المتنكر بسلوك الرجل الأمريكي الأبيض يجلس خلف مكتبه حاملًا سلاحًا آليًا، ثم صدمتهم حين طلب منهم قص قطع من ملابسهم، معايشين صعوبة اتخاذ القرار، ومنهم بالفعل من ندم أنه رفض قص ملابسه وأن يكون جزءًا من تخليد قطعة فنية، وربما يكون هناك من ندم أن ملابسه لم تعد صالحة بعد اليوم.

إن التجربة قد يكون فيها كثير من الصناعة من قبل الفنان بسبب الدوافع الأكاديمية من وراء العمل، لكن وجود الجمهور كمشاركين في العمل الفني ينقذه من حالة «التخطيط» ويجعله عرضًا حيًا، فتهز ردود فعل الجمهور في مراحله بقوة، وتتحداه ما يعيده إلى كينونته الأولى، كعرض تقوده الدهشة والمفاجأة والصدفة أحيانًا، فيتغير كل مرة مسار الخطة سواء حين يقنص عبوات الألوان ويوزعها على البياض أو حين يقص ملابس الجمهور كطريدة أخيرة وقعت في الفخ.

اعلان
 
 
أسماء الغول