Define your generation here. Generation What

لماذا لا يحبون بوبي فيرمينو؟

لا جديد هنا، نفس المتوالية المملة المعتادة؛ «لاعب بأدوار مركبة، جماهير تتحرك وفقًا لسرعة أبطأ أعضاء المجموعة، أبطأ أعضاء المجموعة لا يهتمون سوى بإحصائيات التهديف، أبطأ أعضاء المجموعة هم أكثر أعضاء المجموعة، إعلام لا يهتم سوى بأكثر أعضاء المجموعة، إعلام لا يهتم إلا بإحصائيات التهديف، إعلام لا يهتم باللاعبين ذوي الأدوار المركبة».

حرب المنطق ضد الأعداد خاسرة من قبل أن تبدأ، والمشكلة ليست في الأعداد بحد ذاتها لأنها لعبة شعبوية أصلًا ومن الخبل مطالبة الجميع -أو حتى الأكثرية- بالتخصص في مجال ترفيهي بالأساس، ولكن تبدأ المشكلة عندما تقرر الأعداد ما هو جيد وما هو سيئ، ما هو صحيح وما هو خاطئ، عندما تعتقد الأعداد أن الأعداد هي الحقيقة الوحيدة.

في رثاء بوبي

لسبب ما لم يعاني بوبي من هذه المتوالية في الموسم الماضي، وعند وقت معين حظي فيرمينو بلحظته في الأضواء فعلًا. الجميع تقريبًا تحدث عن أدواره المهمة في منظومة ليفربول الأشمل، لا منظومة الهجوم وحسب. تييري هنري اعتبره أكمل مهاجمي البريميرليج، في وجود كين وأجويرو ولوكاكو، وكتب تشارلي إكليشير لـ «التليجراف»: «في الثناء على روبرتو فيرمينو.. عبقري ليفربول الذي أصبح من المستحيل تجاهله».

الطريف أن الإعلام الرياضي العالمي يصبح أكثر تقليدية وقابلية للتوقع مع الوقت، لدرجة أنه صار بإمكانك تأريخ لحظة تسليط الضوء على أي لاعب بوضوح، ومع فيرمينو، كان هذا في منتصف فبراير الماضي تحديدًا. بدأ الأمر عندما أُجريت قرعة دور الـ 16 من دوري الأبطال فخرج فيرمينو ليَعِد جماهير الأنفيلد بتحويل بورتو إلى كفتة، في تصريح يخالف طبيعته الهادئة الصموتة المعتادة، ثم توهج بشدة أمام ساوثامبتون في السينت ماري بتسجيله هدفًا وصناعته آخر بالكعب لصلاح.

عقب تلك المباراة أطلق هنري تحليله الرائع وكتب إيكليشير مقاله، وبعدها بشهر طالب كلوب بتجديد عقده، ثم استمرت الحالة حتى نهاية الموسم مرورًا بتحليل هاري إدواردز في «سكاوكا» عن «الرقم تسعة الكامل في صفوف ليفربول كلوب»، ووصلت لذروتها مع مقال بارني روني في الجارديان، والذي تعجب من خلو فريق الموسم من اسمه. قبل هذا التاريخ -منتصف فبراير الماضي- لن تجد الكثير في ما يخص فيرمينو على الإنترنت، ربما باستثناء إشادات من مواقع مشجعي الكوب وبضع مقالات تعريفية بـ «مهاجم ليفربول الجديد» في 2015.

السبب؟ أن هدف السينت ماري كان علامة في مسيرة فيرمينو التهديفية لأنه كان الثاني عشر في الدوري فقط، بعد عامين سابقين سجل فيهم 12 و11 هدف على الترتيب في كامل الموسم بكل البطولات.

السبب أن فيرمينو الذي كان يشارك في هدف مع الريدز كل 150 دقيقة في أول موسمين، صار يفعلها كل 95 دقيقة في الموسم الثالث.

السبب أن أرقام بوبي التهديفية عند تلك اللحظة كانت كافية للفت انتباه أبطأ أعضاء المجموعة، ورغم أن كلوب وهنري وإدواردز وإيكليشير لا ينتمون لهذه المجموعة من الأصل، إلا أنهم، في كثير من الأحيان، يحتاجون لموافقة مجلس الإدارة لحماية أنفسهم من غضب الجماهير والنبذ والسخرية والكثير من الـ «ههه شوف الحمار ده بيقول إيه».

كيميا

بوبي كان يحتاج لهذا الانفجار حتى يتم تقدير باقي أدواره، لأن قاعدة السوشيال ميديا التي نادرًا ما تسقط هي أن عليك التسجيل كصلاح وميسي وكين ورونالدو أو أن تقعد في حتة ناشفة حتى تفعل.

طبعًا هناك حل آخر هو أن تقرر الجماهير تحويلك لترِند للأسباب الخطأ، أو بلا أسباب على الإطلاق، مثل أن تمتلك ابتسامة كابتسامة كانتي، ثم تضع بجانبها خجل كانتي الطفولي، ثم تضيف لكل ذلك عائلة كانتي التي تبدو وكأنها أتت إلى الشانزليزيه في مركب نيلي من أسوان، ومن ثم تؤهلك الصورة الذهنية للحشر في واحد من القوالب الجاهزة المحببة للجماهير، في حالة كانتي مثلًا هو قالب الإفريقي الغلبان المجتهد اللي على نياته اللي أتته الدنيا مرغمة.

حل آخر كذلك هو أن يبالغ أحد المشاهير في ذمك وينال تأييدًا واسعًا، فتنال أنت قدرًا كبيرًا من التعاطف في عملية أشبه بالتفاعل الكيميائي الذي لا يد لك فيه، مجرد رد فعل حيواني تمامًا يتم بلا تفكير ولمجرد التمرد على السائد لأنه سائد. طبعًا سيكون ذلك مؤقتًا حتى يتحول التعاطف معك إلى ترند بدوره، فيعود الترند المضاد للظهور في سلسلة لا نهائية من التفاعلات.

المهم أنه بنهاية الموسم كان فيرمينو يستعد لتحقيق حلمه بالذهاب إلى كأس العالم، مدفوعًا بجماهير الكوب التي تقف في ظهره وتحاول تحليل خطة تيتي لتجد مكانًا له في التشكيلة الأساسية.

عند تلك اللحظة وقعت واحدة من أسخف المغالطات التكتيكية واشترك فيها كل الأطراف تقريبًا؛ بدأت المعركة حول جدارة بوبي بموقع بين الأساسيين على حساب جيسوس، ثم استمر الجميع في التظاهر أن الثنائي يلعب في نفس المركز لأسباب واضحة؛ جمهور ليفربول قرر وضع بوبي في مواجهة جيسوس لأن أدواره الأصلية محجوزة لنيمار وكوتينيو، والدخول في معركة مع الثنائي لن يكون في صالحه أبدًا، أما جمهور السيليساو نفسه فمشكلته مع فيرمينو كانت غريبة نوعًا ما، فالتفاصيل التكتيكية لم تكن تعنيه هو الآخر، بل ببساطة كانوا يرون أن جو، مهاجم مانشستر سيتي السابق الذي قاد كورينثيانز للقب الدوري منذ شهور، أجدر منه بالاستدعاء لقائمة المونديال.

تيم ستيلمان المدون المهتم بالكرة البرازيلية يفسر سبب تفضيل جيسوس على فيرمينو بأن الأخير لم ينسجم مع نيمار وكان يتحرك في نفس المساحات التي يتحرك فيها نجم باريس.

معلشّ

لا بأس، جو فشل نسبيًا في البريميرليج ولكنه أعاد إحياء مسيرته في البرازيل قبل أن ينطلق للصين، وبوبي نفسه لا يجد حرجًا في أن يحظى مهاجم السيتي السابق بتفضيل أهل بلاده، ولكن الأمر لم يتوقف عند جو فقط، لأن هناك أسماءً أخرى طُرحت لاستبداله في مكتب تيتي بريو دي جانيرو؛ أسماء من طراز دييجو سوزا وتارديلّي، وإن لم تكن قد سمعت عنهم من قبل فهذه مشكلتك.

شخصيًا، كنت أحد هؤلاء الذين تفهموا قرار تيتي بالاعتماد على جيسوس. هناك فوارق واضحة وجذرية بين أسلوب الثنائي وأدوارهم، أوضحها على الإطلاق أن أحدهم يؤدي كأفضل ما يمكن عندما يلعب خلف الكرة، والآخر، على العكس، أمامها. لذا إن كنت تحتاج لمهاجم حقيقي يمكنه حجز واحد أو إثنين من مدافعي الخصم لتوفير مزيد من الحرية لنيمار وكوتينيو في مناطق التحضير، فإن فيرمينو ليس رجلك المنشود بالقطع، بل على الأغلب سينضم لهم في نفس المساحات محررًا دفاع المنافسين لملاحقتهم في أرجاء الملعب.

نحن نتحدث عن رجل لعب كمدافع حتى السابعة عشر من عمره، ثم انتقل للوسط ومنه لمركزه الحالي كمهاجم ثاني أو وهمي أو افتراضي أو أيًا كان إسمه. لاعب هو المحرك الرئيسي للتحولات في منظومة كلوب، يستخلص الكرة 65 مرة في الموسم، وفي جدول التدخلات الناجحة يتجاور اسمه مع أسماء من نوعية لويس كوك وإيريك بيترز ونيمانيا ماتيتش، ومتجاوزًا أسماء مثل فيرتونخين وماجواير وجاك كورك، لأنه، وكما قال ماني، يلعب كمدافع حقيقي عندما لا تكون الكرة في حيازته.

إحصائيات إجمالي التدخلات في البريميرليج موسم 2017-2018

كل هذا قد يكون مقبولًا ومنطقيًا جدًا، ولكن شيء آخر كان يجري في البرازيل قبل المونديال؛ خرج وولتر كاساجراندي، المعلق البرازيلي الأشهر ولاعب فيورنتينا السابق وأحد أهم الوجوه المؤثرة في كرة القدم البرازيلية، بتصريح لا يوصف إلا بالعته، عن بوبي الذي يؤدي بشكل رائع مع ليفربول ولكنه لن يحظى بتأييد جماهير السيليساو أبدًا، ببساطة لأنه خرج من البرازيل في سن مبكرة ولم يقدم ما يشفع له في البطولة المحلية، وبالتالي هو لا يملك قاعدة جماهيرية في بلاده يمكنها حمله إلى موقع أساسي في التشكيل، وستظل الجماهير تفضل جيسوس أو سوزا أو تارديلّي أو جو عليه، ولو كان كريم نيدفيد قد لعب لعامين في البرازيل لكانت فرصه أفضل في الانضمام للتشكيل الأساسي من بوبي.

معلش ضخمة وقاسية للغاية لأنها تسلحت بقوة الأمر الواقع الساحقة، لم يكن ذلك رأي كاساجراندي وحده، بل غالبية البرازيل التي تحتل المركز الرابع عالميًا من حيث التواجد على منصات التواصل الاجتماعي. البرازيل التي أطلقت على فيرمينو لقب «أفونسو ألفيش الجديد» بمجرد استدعائه لقائمة دونجا في 2014، وطبعًا أفونسو ألفيش هو مهاجم بائس آخر ارتكب جريمة مغادرة البرازيل قبل أن يقدم القرابين الكافية في البطولة المحلية.

بنحبك يا بوبي

ليس هناك الكثير مما يمكن فعله في مواقف كتلك، لأن الأعداد قد فرضت كلمتها مرة أخرى وبأكثر الطرق وقاحة، ولكن كان هناك صوت استطاع شق طريقه وسط أكوام الهراء الشوفيني والنعرات القومية البائسة، ولحسن حظ فيرمينو أنه كان صوت توستاو، بطل مونديال 1970 وأهم كاتب في كرة القدم البرازيلية في الوقت الحالي، وقبل عرضه، علينا تحذيرك لأنه قد يسبب صداعًا مؤقتًا من فرط العظمة.

«إن كان كوتينيو ينال أكثر مما يستحق فإن فيرمينو ينال أقل مما يستحق، فقط جمهور الملخصات السريعة والمتبجحين هم من يطالبون باستدعاء جو وسوزا، بينما فيرمينو، وإلى جانب كونه هدافًا رائعًا، فإنه يجعل الحياة أسهل على زملائه في الملعب ويتحرك باستمرار. هو أحد هؤلاء المهاجمين الذين لا تقتصر أدوارهم على التهديف فقط، ولو لم يحظى جيسوس بمزيد من الدقائق للعب والتألق مع السيتي فيجب على تيتي أن يقحم فيرمينو مكانه».

بالطبع تفرض عليّ الأمانة أن أنبهك لكون توستاو قد ارتكب نفس المغالطة التكتيكية السخيفة، واعتبر فيرمينو مهاجمًا صريحًا يمكن مقارنته مع جو وسوزا وتارديلّي وجيسوس وحسام باولو، ويجب عليّ أن أقول كذلك إن قدرات فيرمينو التهديفية لم تتحرر إلا باكتمال الشراكة المرعبة مع صلاح وماني، وأن فرصه المهدرة في أول موسمين كانت كفيلة بإصابتك بصداع من نوع آخر، ولكنني لن أفعل لأنه من المبهج رؤية فيرمينو يفوز بأي مقارنة في هذا المقال الكئيب.

حرب المنطق ضد الأعداد خاسرة من قبل أن تبدأ، والمشكلة ليست في الأعداد بحد ذاتها بل في النمط الذي تفرضه، لأنه عندما يسود هذا المنطق فستصبح النتيجة الحتمية هي أن يُعاد إنتاج اللعبة كلها لإرضاء أبطأ أعضاء المجموعة.

تلك العملية بدأت منذ زمن، في الواقع هي لم تتوقف أبدًا. هناك خطين كاملين في كل تشكيلة لكل نادي في كل دوري لا يحصلان على قسط من الأضواء إلا عندما يسجلون أو يصنعون بما يكفي للمتبجحين وجمهور الملخصات، وهناك استثناءات تقف حائلًا بين الأعداد وإكمال التحول للنهاية، وفيرمينو هو أحد أهم هذه الاستثناءات، لهذا أحب فيرمينو، وليجلس المتبجحين والأعداد وجمهور الملخصات والبرازيل كلها -باستثناء توستاو- في حتة ناشفة.

اعلان