Define your generation here. Generation What

تدوينة| كيف شرح لي ألبير قصيري تفاصيل عالمي

ذهبتُ لمشاهدة مباراة مصر وروسيا في مدينتي شبين الكوم، بمكان يطلّ على ترعة مُتفرعة عن النهر. إنها لعبة، قلتُ في نفسي، عليّ مشاهدتها مع أصدقائي، حتى تحلو المشاهدة.
وأنا في طريقي إلى «نادي التجارة»، فكرت في ألبير قصيري، الروائي المصري الذي يكتب بالفرنسية. احتفل المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة مؤخرًا بذكراه العاشرة، وهو من أشد الكتاب جاذبية لي، هذا الرجل الذي يرى العالم غارقًا في القبح والعنف وألّا سبيل لمواجهته سوى بالسخرية والضحك.

كيف سأكتب عنه؟ وماذا سأكتب؟

تذكرتُ أن قصيري يحب المرح والاستمتاع بالحياة، هذا الاستمتاع الذي يجلبه اليأس الكلي، في ما يجعلك أكثر تمسكًا ببقائك وباللحظة الآنية، غير مسجون في حلم سيتحقق مستقبلًا، أو مجد قديم تريد استعادته وفرضه على الحاضر.

في حوار عن الجيل الذي عايشه في باريس أيام شبابه، يقول قصيري: «كنّا أكثر فقرًا ولكن كنّا نلهو ونعيش».

هذا ما صممتُ عليه: سأستمتع بوقتي.

جدية اللعبة

نسيتُ قصيري في أجواء المباراة الساخنة والمُتقلّبة، وأنا بين أصدقاء شبابي، من ممثلي مسرح وشعراء ومخرجين سابقون، تركوا هواياتهم وانخرطوا في الوظائف الحكومية والتدريس أو سافروا للخليج ورجعوا في إجازات قصيرة.

كنت أراقب الصرخات الجماعية فور ضياع أي فرصة، تلك المشاعر التي تذكرنا بمصريتنا؛ لا شك أنّ السيسي رئيس الجمهورية وعلاء عبد الفتاح المعارض المحبوس من 2013، على قلب رجل واحد الآن.

ساحرة هذه اللعبة وساخرة. كنتُ أجلس على حافة ممشى يتوسط شجر النادي وصفوف المؤخرات المتلاصقة في المقاعد.

راعني النظر إلى وجوه الناس بدلًا من الشاشة، وجوه شائهة وخائفة، وشفاه مرتعشة، ما كل هذا التوتر وهذه الجدية؟ إنها لعبة.

تذكرتُ ألبير قصيري الذي يشكل اللهو والمرح جوهر رؤيته. إذا كانوا جادّون وهم يشاهدون المباريات، فكيف إذن جديتهم في الحياة؟

بعد المباراة، أخذ صديقي «الثوري السابق»، وبكلمات نافذة متبصّرة تنمّ عن متابعة دقيقة ومزمنة للكرة، يؤكّد، بطريقة جادّة وجافّة، على أنّها لعبة وأننا هنا لنستمتع بها ونمتع أرواحنا، كان يتكلم عن المتعة بطريقة تفتقر للمتعة.

بعد جلسة طويلة جمعتني وأصدقائي بـ«الثوري السابق»، وأحاديث وتحليلات هادئة ورزينة ومُعَمّقة لخسارة منتخبنا الوطني. سألتُه مستحضرًا روح ألبير قصيري، وأنا أعرف أنه، مثله مثل الكثير من أصدقائي من نشطاء ثورة يناير السابقين، يرفض الآن الحديث في الشؤون السياسية أو الحياتية الجادة: «ما رأيك يا صديقي أن نلعب، أن نعتبر حياتنا لعبة جميلة ومبهجة، تمامًا مثل كرة القدم، ونعتبر السياسة لعبة مبهجة وعابثة لا جد فيها، تمامًا مثل كرة القدم؟ وهيا بنا نتحدث في السياسة».

«لا!»، صرخ صديقي الثوري السابق بجدية قبيحة، «مافيش كلام في السياسة أو أي حاجة جد».

أذكياء بلا طموح

أصرّ صديقي على تعريفي بصديقه بائع الكتب.

أحبّ بائعي الكتب في الأقاليم؛ شخصيات تتخذ نمطًا مصريًا مقاومًا، أناس أذكياء ونابهون، لديهم طموحات وتطلعات ثقافية وإنسانية عالية، يكشفون بوعيهم وحسهم الإنساني قبح الواقع وعنفه، فيتركون الحياة العملية، يدمنون القراءة ومشاهدة الأفلام، يبنون لأنفسهم ماتريكس موازيًا يخلقه خيال نيتشه وأمل دنقل وألبير كامو، ثم يقرّرون العمل في بيع الكتب، يثقفون الناس ويبيعون لهم، وكأنهم يروّجون لواقعهم الموازي، ينصبون لك فخاخًا لتترك الواقع وتشاركهم عالمهم، شخصيات تشبه كثيرًا شخصية جوهر، أستاذ الفلسفة الجامعي السابق في رواية «شحاذون ونبلاء»، وهيكل، الصحفي والمثقف في «العنف والسخرية»، وكرم الله في «ألوان العار»، يشبهونهم في زهدهم، وفي فهمهم للعبة السياسية والاجتماعية القذرة، والتي إما أن تخلق موظفين أو أبطالًا، كما قال قصيري في «العنف والسخرية»، فقط يفتقد بائعو الكتب هؤلاء الروح الساخرة في مقاربة شؤون الحياة، والاستمتاع بتفاصيلها، وإنما يلجأون إلى الهروب متمثلًا في الهوس بالشؤون الثقافية.

هل صاحب قصيري، أثناء إقامته بمصر، أشخاصًا كهؤلاء بالضبط، أم صاحب أشخاصًا قريبين منهم قبل أن يعدّل ويضيف نزعة السخرية وحب الحياة والزهد في الأحلام والطموحات، ليناسبوا رؤيته؟

يحكي لي صديق محب للفلسفة عن فيلم «كونشرتو درب سعادة» للمخرجة أسماء البكري والمأخوذ عن رواية «العنف والسخرية»، الذي عُرض في 2003، ثم لم يُعرض ولم يره أحد بعدها. فأحدّثه عن ألبير قصيري وكيف أثّر فيّ. يحكي عن صديق له يرتاد مقاهي وسط البلد، يسمي نفسه «جوهر»، ويصاحب شخصيات شبيهة بشلة جوهر، بطل رواية «شحاذون نبلاء»، ويقول إن عالم قصيري ألهمَ كثيرًا من جيلنا فلسفة ونمط حياة، ونستغرب معًا الاحتفاء الفرنسي الذي قابله تجاهل من المثقفين والإعلام في مصر.

حدثتُه عن رواية «العنف والسخرية»، وكيف انتقد فيها قصيري النخبة السياسية المعارضة الجادة، معتبرًا أن الجدية في معارضة النظام، هي إحدى رغبات النظام.

في بدايات حياتي الجامعية، كانت نماذج بائعي الكتب تثير دهشتي، وأتساءل: كيف لا يسعى أشخاص بمثل هذا الذكاء والعمق والإبداع للشهرة والنجاح والمال؟ ثم أرد على نفسي: عليك أن تكون ذكيًا، أنا أريد الاثنين؛ العمق والنجاح، الإبداع والشهرة.

عدنا معًا من مشاهدة المباراة ولا يزال نفس الكابوس يخطر على بالي: أناس يشاهدون لعبة جميلة بجدية قبيحة.. ألهذه الدرجة مُسِخت روح المرح؟! كيف سيتعاملون إذن مع شؤون الحياة التي يصفونها بـ«الجادة»؛ الدين والسياسة والعلاقات الجنسية؟ تذكرت كيف كان ألبير قصيري يربط بين كلمتي الجدية والقبح، الفقراء والنبل، الأغنياء والعهر.

يرى قصيري أن الأغنياء اخترعوا المفاهيم المجردة مثل «الشرف» و«الكرامة» وفرضوها على الفقراء، وبالتالي فليس من المحرم سرقة هؤلاء الأغنياء. في مجموعته «بشر نسيهم الله»، كتب قصة عن خلاف بين شيخ الشحاذين ومعلمهم، وبين مثقف فاشل أراد تغيير شكل التسول وطريقته؛ الأول يريد الإبقاء على التقليد القديم بإفزاع الأغنياء بالتشوهات الخلقية، ومظاهر البؤس المرعب، بينما يريد الآخر إيهام الغني أن الطفلة الشحاذة ابنته أو أخته بملابسها وأدائها «المحترم» الذي يُدرّبون عليه، تلبس وتؤدي بأسلوب قريب من أطفال طبقته، ليتعاطف معها أكثر ويعطيها المال.

لماذا سيطرت روح ألبير قصيري على عقلي وكياني هذه الأيام، ألعلّني أريد كتابة المقال ولا أضيّع وقتًا، فقرر عقلي مواصلة التفكير في المقال حتى وأنا أشاهد المباراة.

ارتعبت من هذا الخاطر: هل أنا بهذه الجدية القبيحة؟

كما ارتعبت لارتعابي، كم أنا جاد.

أكتب المقال وأسمع أغنية، ثم أترك المقال لأستمتع بوقتي، ثم أترك الأغنية للمقال عندما يأذن قلبي بذلك.

هل الجدية هي السبب؟

رغم كل اختلافاتنا، أحب صحبة صديقي «الثوري السابق». أتذكر كريم في رواية «العنف والسخرية» وكيف كان يهرب من صديقته في بداية الرواية، لأنه «يريد أن يجرب طعم الوحدة، أو يكون في صحبة زملاء يمكن أن يفهمهم».

الوحدة، وهذا النوع من الصحبة، يمثلان النشاطين الوحيدين اللذين يحملان المعنى والمتعة في حياتي.

يُحدّثني صديقي هذا عن زيادة الأسعار. يقول إنه لا يحلم إلا بزيادة ألف جنيه في المرتب ليدخل جمعية ويتسلّمها العام القادم، ثم يتزوج؛ لقد تأخر سنّه كثيرًا. تذكرتُ نقاشاته السابقة في 2011 عن الثورة والأحلام والحريات: كيف حدث هذا التحوّل الحادّ من عشق السياسة وتأمّل الحياة الاجتماعية إلى كراهيتهما وعشق الكرة، والغرق في المشاكل الشخصية؟

بالنسبة لألبير قصيري، هم لم يتحوّلوا، الجديّة قبيحة، والنظام نفسه يريد معارضة جادّة، والطموح يمسخ الروح، سواء كنت تحلم بزيادة مرتب، أو بالسفر حول العالم وممارسة الحميمية في كل زيارة. لا شيء يجلب البهجة والثورة والحرية سوى إدراك الواقع بشكل مباشر، والاحتفاظ بروح السخرية، والمزاج التأملي. نحن نعيش في عالم عنيف، ولا تمكن مقاومته سوى بالسخرية.

في «العنف والسخرية»، يصف هيكل السياسيين المعارضين الجادين بأنهم «يثيرون الملل، هدفهم هو تغيير الحكومة بأخرى، هذا ما قيل بالضبط، كان أغلبهم يحلم بأن يصبح وزيرًا، هل يمكنك أن تتخيّل طموحًا أكثر قذارة، أرجوك لا تكلّمني عن هؤلاء الناس.»

تعجبني في ألبير قصيري الرؤية المتماسكة؛ يربط بين الملل والجدية، القبح والأحلام المهنية، والطموحات والغباء، كلها أمور سلبية مترابطة، بينما يربط بين اللهو وحب الحياة والسخرية والثورة والمنطق والتأمل.

رأيت هذا الرابط في اللحظة التي اكتشفت فيها كيف يفتقد صديقي المنطق والتناسق في كثير من الأمور، يرفض الحديث في السياسة والواقع رغم أن الواقع يضغط عليه، ويغرق في تحليلات جادة حول لعبة مسلية، يترك العمل السياسي، ويستغرق في الوظيفة، يحلم بالترقية، ويطمح لتكوين بيت وأسرة وفقًا للعادات والتقاليد، وليس للظروف والإمكانيات.

ينتقد هيكل من يحلمون بتغيير العالم عبر الالتزام السياسي الجاد، فيقول: «أمران متأكدٌ منهما؛ العالم الذي نعيش فيه تحكمه عُصبة نبيلة من الأنذال التي لطّخت الأرض، الثاني لا يجب أن نأخذ الأمر على محمل الجدّ، لأنّ هذا ما يرغبون فيه».

لماذا هذا ما يرغبون فيه يا هيكل؟ هذا ما لم يسأله عنه طاهر المثقف اليساري، المؤمن بالعنف المسلح بهدف تغيير النظام؛ فراغات يتركها قصيري في رواياته، لعلّه يدفعنا إلى تأمل الواقع لاستنباط الإجابة بدلًا من تقديم رؤية توهمنا بالكمال وتوقعنا في جاذبيتها، إلى الدرجة التي ننسى فيها الحد الفاصل بين الواقع الحيوي العصي على الاستيعاب، والنظرية الجميلة التي توهمنا بأنّها الواقع.

تذكرتُ صديقين لي سافرا من المنوفية إلى القاهرة للعمل في الصحافة، بدآ مناضلين ثوريين يحلمان، بجدية قبيحة، في تغيير النظام، وانتهى بهما الحال، ومن أجل استقرارهما المالي، إلى العمل في المؤسسات الموالية، لماذا؟

كل جيل يصبح أفراده مع العمر منكسرين منطويين أو منافقين مهللين ومسبحين بحمد النظام. أتُرى الجدية هي السبب، كوننا نأخذ الأمور على محمل الجد، لا نلهو ونلعب ونستمتع بتفاصيل الحياة؟

الفارق الكبير بين أصدقائي وشخصيات ألبير قصيري، رغم مصرية كليهما الشديدة، هو إيمان أبطال قصيري بأنّ الحياة ملهاة، وعدم افتقادهم إلى المزاج التأملي والحس الساخر الناقد للحياة، ولعل ذلك ما يدفعهم إلى الاستمتاع بما يجود به الحاضر.

في جلسة تجمعنا ببائع الكتب، يحدثني «الثوري السابق» ممتعضًا عن ظروفه الصعبة، خالطًا ذلك بسياسات السيسي.

أقاطعه: أنت مثقف يا صديقي، يجب أن تكون أذكى وأكثر مرحًا من أولئك المذعورين. المزاج التأملي ليس مجرد مزاج رائع، ولكنّه حالة معرفية، كلما انتشيت كلما اتسع إدراكك.

يصبّ عليّ جام غضبه، مطالبًا إياي بالإفاقة من غيبوبتي، والانتباه للواقع، ومشيرًا لأنّ كثيرًا من الناس لا يملكون إمكانيات الزواج، وأنهم على شفا ثورة جياع.

تخيلت نفسي كريم، الشحاذ الساخر اللاهي، وهو منهمك في تطيير طائرة من ورق في سماوات السطح، بينما يستمع لطاهر، السياسي المعارض الجاد في رواية «العنف والسخرية»، وهو يقنعه بالمشاركة في عملية تفجير لاغتيال المحافظ.

جلستُ أفكر من وجهة نظر ألبير قصيري، الذي رأى أن أحلام طاهر سجنته وعزلته عن الواقع؛ إذا كانت هناك ثورة محتملة في البلد فلن يكون روادها هؤلاء الموظفون، الذين وصفهم قصيري بأنهم «حزانى وخائفون»، أو الأبطال الطموحون، والمحبطون كذلك لأنهم لم يحكموا بلدًا، ولن يتولوا وزارة، ولكن هؤلاء المُتعطّلون، الذين يعيشون حياة التبطل، في وسط البلد والقاهرة الجديدة وفي منشية الإسكندرية، وغيرهم من سائقي التكاتك، وعابثي الدي جي في الأفراح الشعبية، هؤلاء الفقراء الذين يلهون ويعيشون.

أعد ألبير قصيري أخي الاكبر، كلما قمت بأمر غير هادف للمرح، كلما أُحبطت سياسيًا واجتماعيًا، وحتى عندما حزنتُ لموت صديقتي، رأيتُ صورته أمامي، ليذكرني به، فأضحك.

***
يخبرني بائع الكتب أنه لا يبيع كتب ألبير قصيري، واصفًا إياه بأنه رجل «مُستَغرِب»، يُمثّل الحياة الغربية. فأتذكر كلمة قالها قصيري متفاخرًا بمصريّته: «أنا سرياني أرثوذكسي كبرتُ في مصر ولا أطرح على نفسي هذا النوع من الأسئلة. إنه سؤال للأوروبيين، أنا مصري. الحياة بسيطة. وشخصيات رواياتي أيضًا بسيطة».

اعلان
 
 
أحمد شهاب الدين