Define your generation here. Generation What
من الرقابة للنقابة.. رحلة الإنتاج الموسيقي وتنظيم الحفلات في مصر
«لجنة الوزارات التسع» تغلق الباب أمام المهرجانات بـ«الضبة والمفتاح»
 
 
 

بعد أن أصبحت معظم الأنشطة الفنية تحت سيطرة الأجهزة الرقابية التقليدية في مصر، فوجئ العاملون في مجال الموسيقى والمهرجانات بقرار جديد صادر عن مجلس الوزراء بإنشاء ما يسمى بـ«اللجنة الدائمة لتنظيم إقامة المهرجانات والاحتفالات»، بصلاحيات عامة وغير محددة، مهمتها باختصار «منع» أي احتفالية ومهرجان بدون موافقتها.

أيضًا يعطي هذا القرار للجنة الحق في اقتحام أي حفل وإلغائه. وهي برئاسة وزيرة الثقافة، و مكونة من ممثلين عن ثمان وزارات أخرى: «المالية، والداخلية، والخارجية، والطيران المدني، والشباب والرياضة، والتنمية المحلية، والسياحة، والآثار».

لغط كبير أُثير حول ذلك القرار المفاجئ، لأنه لم يوضّح أسباب وجود ممثلي كل هذه الوزارات، ولا سبب إنشاء اللجنة من الأساس، ولاحتوائه بنودًا عامة وغير محددة، كالحق في منع أي نشاط جماهيري لا ينمي الإبداع ويحافظ على الهوية، وكاشتراط تقديم طلب إقامة المهرجانات في يونيو كل عام،  بدون تحديد مدة زمنية لرد اللجنة على الطلبات، بالإضافة إلى أنه في حال كانت الجهة المنظمة شركة ألا يقل رأسمالها عن نصف مليون جنيه.

توضيحات وزارة الثقافة بخصوص اللجنة لم تكن كافية لطمأنة الوسط الموسيقي، بسبب تضاربها فيما بينها، فبينما قال المتحدث الإعلامي باسم وزارة الثقافة، محمد منير، لـ «مدى مصر» إن القرار يهدف لتنظيم المهرجانات التي تدعمها الدولة سواء كان دعمًا ماديًا أو لوجيستيًا، وهو الكلام الذي يتطابق مع تصريحات سابقة لوزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم، نجده يتضارب بدوره مع تصريحات أخرى للوزيرة، جاءت بحوار معها بجريدة الشروق، في 14 يوليو، قالت فيه إن القرار الجديد ليس معنيًا بالمهرجانات التي تنظمها الوزارة، وعندما سُئلت في الحوار نفسه:«هل يعنى هذا أن القرار يهمّ المهرجانات الخاصة فقط؟» أجابت بـ «هذا صحيح لأن هناك مهرجانات كثيرة تُقام ولا تخضع لأي إشراف، نحن نريد من خلال هذا القرار الجديد أن نطمئن أن محتوى هذه المهرجانات وانتشارها يخدم المواطن المصرى والصالح العام للدولة».

وعلى أرض الواقع، فأوضاع سوق الحفلات والغناء في مصر لم تكن بحاجة إلى لجنة لتقويض ما تبقى لها من مساحة ضيقة للحركة والبقاء وسط هجمات متتالية من الجهات التقليدية، كالجهات الأمنية وجهاز الرقابة على المصنفات على الموسيقيين عامةً، وهو ما أكده مصدر داخل مجلس نقابة المهن الموسيقية  لـ«مدى مصر»، حيث قال إن قرار لجنة تنظيم المهرجانات غير مفهوم حتى الآن، لأن الحفلات في النهاية لا تنظم إلا بموافقة الجهات الأمنية والنقابة وجهاز الرقابة على المصنفات الفنية بالفعل، التي تمتلك حق الضبطية القضائية، ويمكنها منع أي موسيقي حتى لو كان حفله «مرخصًا» له، مثلما حدث مع مشروع ليلى. كاشفًا أن «المهن الموسيقية» تراقب وتنسق مع الجهات المعنية في مثل هذه الأمور.

القلق الذي أصاب الوسط الموسيقي، يأتي في ظل تزايد وقائع منع وإلغاء الحفلات الفنية مؤخرًا، بدون إبداء أي أسباب، والتي كان آخرها، إلغاء حفلات فريقي «كايروكي» و«شارموفرز» في مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية، وفي ظل الصعوبات الكبيرة التي يواجهونها بالفعل لإقامة حفلات حتى قبل صدور هذا القرار.

إذا حضرت مهرجان موسيقي  فلتعلم أنه مرّ بالصعوبات التالية:

بنظرة على إجراءات وشروط تنظيم أي حفلة في مصر، بحسب ما ذكره دليل من مؤسسة حرية الفكر والتعبير، فإن المُنظِّم مطالَب بالحصول على موافقة نقابة المهن الموسيقية أولًا، والتي بدورها تُحصِّل رسومًا عن الحفل وعن الموسيقيين، وتعطي موافقتها بعد إجراءات طويلة لترخيص الحفل، وتمرّ الموافقة بعدها على عدة جهات أولها وزارة الداخلية والتي لها الكلمة العليا في مصير الترخيص، ومن بعدها الرقابة على المصنفات الفنية التي تراقب كلمات الأغاني ومضمونها، ولا ينتهي الأمر هنا، بل ما زال أمامك مصلحة الضرائب ووزارة القوى العاملة، والسياحة أحيانًا.

فصعوبة إقامة حفلات موسيقية لا تنتهي بمجرد حصولك على الترخيص، ولكنها تواجه مشاقًا أُخرى، وعقبات أكبر؛ لأن الترخيص لن يحميك من مواجهة  التضييق المستمر من قِبل نقابة الموسيقيين التي تحوّلت في عهد النقيب هاني شاكر إلى مصدر خوف وتهديد. فعلى مدار أربع سنوات، منذ توليه لمنصب النقيب، وجهت «المهن الموسيقية» الكثير من التهديدات والإنذارات، فضلًا عن إصدارها قرارات بالمنع من الغناء والإيقاف وتحويل للتحقيق ضد عدد كبير من الموسيقيين، مثل: أحمد سعد، شيرين عبد الوهاب، دينا الوديدي، هيفاء وهبي، إيمان البحر درويش، وحمزة نمرة، ومحمد الريفي، وأوكا، وأورتيجا، مصطفى حجاج، شيما،. هذا بالإضافة لفرضها غرامات لإجراءات روتينية وإدارية، خلافًا لإبلاغها الشرطة عن عدة موسيقيين لأسباب «أخلاقية». هذا بخلاف فرضها زيادات مستمرة في شروط ورسوم العضوية للأجانب مما سبب أزمة للبعض مثل ما حدث مؤخرًا مع سامو زين، وهو الاتجاه الذي تنشط فيه النقابة لزيادة مواردها بالتزمُّت في تحصيل نِسب وغرامات عن الحفلات والأجور والأنشطة الموسيقية المختلفة، وفوق كل ذلك لم تقم الرقابة بدورها الأساسي بحماية مصالح أعضاءها مثل عدم تدخلها في قرار منع إذاعة أغاني المطربة أنغام على التلفزيون المصري كعقوبة على اعتذارها عن حفل تابع له.

الغناء تحت رحمة نقابة المهن الموسيقية

ولا تفرِّق النقابة بين أعضاء الفرَق المستقلة وبين مطربي البوب والمشاهير في قراراتها التأديبية والرقابية، فعلى سبيل المثال، كان أول قرار لهاني شاكر في النقابة خاص بالرقابة على ملابس المطربات محددًا مواصفات للملابس ومهددًا بمنع كل مَن تخالف هذا القرار. وبالفعل دخلت النقابة حربًا ضد عدة مطربات وعلى رأسهن هيفاء وهبي التي مُنعت بشكل غير رسمي من الغناء في مصر بعد ارتدائها ملابس مخالفة «شورت» في إحدى حفلاتها، ووجه إليها إنذارًا، قبل أن يلغى لها حفلًا آخر بعد هذه الواقعة. كما اعتبرت في واقعة أُخرى أن ملابس دوللي شاهين في إحدى الحفلات غير لائقة.وكذلك أوقفت النقابة ست مطربات غير معروفات بحجة ممارستهن الرقص مع الغناء.

فيما قامت مباحث الآداب، مؤخرًا، بمراجعة محتويات الأغاني المتاحة/ المنشورة على «يوتيوب» بأثر رجعي، ونتج عن ذلك القبض على عدد من المغنين والمغنيات بتهم خدش الحياء العام مثل شيما صاحبة كليب «عندي ظروف»، وعدد من فرق المهرجانات مثل مغنيي المهرجان الشهير «دلع تكاتك».

أما في مشهد الموسيقى المستقلة؛ فساهمت نقابة المهن الموسيقية بالحد من رحلة انتشاره وتواجده على الساحة مبكرًا، بسبب تشديداتها المالية والأخلاقية، كإبلاغها الشرطة مثلاً عن حفل لموسيقى الميتال، ومنع فرَقتي «مشروع ليلى» و«بن عربي» من الغناء لأسباب «أخلاقية» تخص الأولى، وإدارية بالنسبة للثانية، وإلغاء سلسلة حفلات لفرقة «كايروكي» بعد منع ألبومهم الأخير، والتحقيق مع المطربة دينا الوديدي بسبب تصريحها الذي تضمن اعتراضًا على قرار منح أعضاء مجلس إدارة النقابة حق الضبطية القضائية، وكذلك فرض رسوم باهظة على حفلات المطربين الأجانب، والتزمُّت في تحصيل نِسب عن الحفلات والأجور والأنشطة الموسيقية المختلفة.

أيضًا تفاقم دور النقابة الرقابي ليصل إلى الرقابة على تصريحات الفنانين، كما حدث مؤخرًا مع المطربة شيرين عبدالوهاب فيما عرفت بـ «أزمة البلهارسيا» أو «إهانة مياة النيل»، ومنعت المطربة الشهيرة من الغناء شهرين رغم عدم مخالفتها للقوانين واللوائح، بل وصل الأمر إلى مهاجمتها على الفضائيات ومواجهتها عقوبة الحبس، وإيقاف حفلاتها في مصر منذ نهاية العام الماضي وحتى  هذه اللحظة.  تكررت الرقابة على التصريحات أيضًا مع مايا دياب.

ركود في مصر وانتعاش في الدول العربية

تتزامن تضييقات الأجهزة الأمنية ونقابة المهن الموسيقية، مع معاناة سوق الحفلات في مصر من أزمات مادية، فضلًا عن الاحتكار، وقلة المسارح، وهو ما نتج عنه اختفاء فئة المطربين الشباب والفرق المستقلة، خاصة الأجانب، وذلك بسبب صعوبة التراخيص والرسوم والتي تصل مثلًا إلى نسبة 20% تحصل عليها النقابة على كل موسيقي أجنبي وعن كل عمل له، ونسبة تصل إلى 10% للأعضاء غير المنتسبين، بالإضافة إلى طلب ترخيص العمل الذي تتراوح قيمته بين 10 إلى 20 ألف جنيه.

عن الأزمة المالية التي يواجهها السوق الموسيقي، تحدث الفنان زكريا إبراهيم، مؤسس مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية ومؤسس مهرجان «ونس» (مهرجان القاهرة الدولي لموسيقى الشعوب) لـ «مدى مصر» عن الصعوبات التي يواجهها في تنظيم الحفلات وفي مهرجان «ونس» المنطلق منذ عام 2014، وأُقيمت منه ثلاث دورات، وقال إنهم يواجهون أزمة في الميزانية والتكلفة لإقامة حفلات والتي تبدأ بتأجير مكان ومسرح لإقامة الحفل وبعدها تكلفة تجهيزات الصوت والإضاءة وأجور الفرق والعازفين وغيرها وبعدها عملية دفع الضرائب عن تذاكر الحفل والتي وصفها بـ «حدوتة كبيرة»، لذلك يصبح أمر تنظيم حفلة مخاطرة، وتحتاج لحضور جماهيري كبير حتى تعوض التكاليف وهذا غير مضمون في ظل الأجواء الحالية. وكشف مؤسس مهرجان «ونس» عن توقف المهرجان وعدم تنظيمه مرة أُخرى بسبب هذه الصعوبات والخسائر المادية.

وبسبب منع الجهات الأمنية معظم الحفلات الجماهيرية في العاصمة بحجج الدواعي الأمنية، وقانون التظاهر، أصبحت القاهرة منذ ما يقارب خمس سنوات بدون حفلات جماهيرية رسميًا، باستثناء حفلات دار الأوبرا وحفلات الفنادق، وهذا ما انعكس بدوره على أسعار تذاكر الحفلات، وأدّى إلى ركود للحفلات الصغيرة والمتوسطة وشبه اختفاء لحفلات المسارح المستقلة، والاتجاه إلى حفلات الفنادق الكبرى والمنتجعات السياحية، لتضع هذه الأوضاع المطربين الشباب والجمهور معًا في موقف تعجيزي، مثلما عبّر المطرب عزيز مرقة، منذ أيام، عن عدم استطاعته تنظيم حفل بمدينة الإسكندرية، وذلك بسبب وصول المبلغ المطلوب للحصول على ترخيص لفرقته إلى 160 ألف جنيه وهو ما يعني خسارته.

هذه الأزمة ليست مقتصرة فقط على مجال الموسيقى المستقلة، ولكن الحال نفسه مع المطربين الكبار، الذين يواجهون صعوبة من نوع آخر باقتصار نشاطهم على المنتجعات والشواطئ والفنادق، والتي بدورها تحتكرها تقريبًا شركة واحدة لمنظم الحفلات وليد منصور، الذي واجه هو الآخر قرارًا بوقف التعامل معه من نقابة الموسيقيين لخلافات مادية.

أيضًا تشهد هذه الفترة إحجام أي كيانات جديدة، تستطيع تنظيم حفلات ضخمة وبأجور مضمونة للمغنين والمغنيات، عن الدخول للسوق، وأقرب مثال على تدهور هذا السوق هو تراجع مستوى حفلات دار أوبرا جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، التي كان لها بداية قوية بتنظيم سلسلة حفلات لأصحاب الجماهيرية والأجور المرتفعة كأنغام وأحلام وأصالة ومحمد منير وغيرهم.

لكل هذه الأسباب، يشهد سوق الحفلات في مصر ركودًا لم يعهده من قبل، فلا مهرجانات غنائية سوى مهرجانات دار الأوبرا التي تحتفظ بنفس قائمة مطربيها وبرامجها كل عام، ولا حفلات جماهيرية ومفتوحة لنجوم «موسيقى البوب». ومن المرات النادرة التي تغيب الحفلات الكبيرة في موسم مهم كبداية الصيف، وعيد الفطر مثلًا، مقابل الطفرة التي حدثت في كثافتها في دول كالسعودية والمغرب وتونس والأردن ولبنان على عكس المعتاد.

رحلة إنتاج أغنية جديدة: هل أصبح الغناء في مصر مهنة غير مربحة؟

تمر هذه الرحلة بالعديد من المراحل الشاقة، تخضع لرقابة مركزية سابقة، ولاحقة أيضًا من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، للحصول على التصريح، ومنذ سنوات كان الأمر يتمّ بتقديم الشعراء لتنازل عن حقوق الأغنية في مكاتب الشهر العقاري لصالح المطربين وشركات الإنتاج، والذين بدورهم يقدمون جميع التنازلات إلى جهاز الرقابة للحصول على ترخيص بطرح الأغنية أو الألبوم، وتغيّرت الإجراءات في السنوات الأخيرة أكثر من مرة، فازدادت تعقيدًا إلى أن وصلت لإلغاء التنازلات بالشهر العقاري مثلًا، واشتراط حضور الشاعر بنفسه إلى مقر جهاز الرقابة بالقاهرة فقط للحصول على تنازل منه لحقوق الأغنية. هذا قبل مراجعتها من الموظف المختص، والذي له الحق في تعديل الكلمات أو رفضها، وأحيانًا يشترط حضور المطرب أو جهة الإنتاج برفقة الشاعر لإتمام إجراءات التنازل والحصول على الترخيص.

تعني تلك الإجراءات الروتينية المعقدة حضور صُنّاع الأغنية إلى مكان واحد في مصر للحصول على ترخيص العمل، حتى أن بعض الشعراء فشلوا في العمل مع مطربين خارج مصر بسبب اشتراط حضور صنّاع الأغنية إلى مقر الرقابة. وتسببت صعوبة هذه الإجراءات أيضًا في فشل مطربين كبار في طرح أغانيهم في الأسواق بسبب صعوبة الإجراءات وتغيّرها باستمرار خاصة إذا كان أحد أطراف الأغنية يتواجد بالخارج، مثل سميرة سعيد التي نفذت أغنية بالمغرب، ولم تستطع طرحها في مصر بعدما عطلتها إجراءات التنازل بوزارة الخارجية من طرحها مما جعلها تفضل حذفها من الألبوم الأخير لها.

كل هذا فضلًا عن ارتفاع تكلفة إنتاج الأغنية، والتي لا تقل حاليًا عن 250 ألف جنيه للأغنية التجارية، موزعة على أجور صُنّاعها من كاتب وملحن، وتكلفة توزيعها وتسجيلها في الاستديو، وهذا بدون توسع في استخدام العازفين والآلات الموسيقية، في وقت تعمل به ما يقارب خمس شركات فقط في الإنتاج الموسيقي بمصر، ويعمل معظم المطربين بإنتاج ذاتي، هذا بالإضافة لضَعف فرص الربح من بيع الأسطوانات والبيع الإلكتروني وتحصيل الأداء العلني. وكلها أسباب تُسرِّع من توقف النشاط الموسيقي من المنبع في مصر، وتجعل من مهنة الغناء خاسرة، وغير مطلوبة، فضلًا عن تهديد صاحبها بالحبس.

مما سبق نعرف أن أوضاع المشتغلين بالسوق الموسيقي في مصر، كانت بالفعل في أقل منحنياتها، حتى قبل صدور قرار إنشاء «اللجنة العليا الدائمة للمهرجانات والحفلات»، الذي جاء فقط ليكون بمثابة «الضبة والمفتاح» للسوق الذي كان يحتضر بالفعل، وليكون بمثابة غطاء تشريعي فضفاض يطلق يد الدولة، ويحكم سيطرتها على ما تبقى من هذا السوق.

اعلان
 
 
محمد الأسواني