Define your generation here. Generation What
بعد مقتل اﻷنبا ابيفانيوس.. الكنيسة تعيد النظر في ملف الرهبان
 
 
الأنبا ابيفانيوس - المصدر: صفحة المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على فيسبوك
 

بصفته الرئيس الأعلى للأديرة القبطية الارثوذكسية، صدّق البابا تواضروس الثاني، أمس، اﻷربعاء، على قرارات لجنة الرهبنة وشئون الأديرة بالمجمع المقدس، التي أصدرتها في جلسة خاصة عقدتها لمناقشة انضباط الحياة الرهبانية والديرية، على خلفية مقتل الأنبا ابيفانيوس، أسقف ورئيس دير القديس أبو مقار بوادى النطرون.

من بين تلك القرارت كان إعطاء الرهبان فرصة لمدة شهر «لغلق أي صفحات أو حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، والتخلي الطوعي عن هذه السلوكيات والتصرفات التي لا تليق بالحياة الرهبانية وقبل اتخاذ الإجراءات الكنسية معهم»، والإنذار بالمساءلة والتجريد من الرهبنة والكهنوت ﻷي راهب يقوم بـ «الظهور الإعلامي بأي صورة ولأى سبب وبأي وسيلة، أو التورط في أي تعاملات مالية أو مشروعات لم يكلفه بها ديره، أو التواجد خارج الدير بدون مبرر والخروج والزيارات بدون إذن مسبق من رئيس الدير». وهي القرارات التي أتت استكمالًا وانعكاسًا لما قاله البابا في عظته خلال صلاة الجنازة على اﻷنبا ابيفانيوس،يوم الثلاثاء الماضي.

وألقى مقتل الأنبا ابيفانيوس الضوء على حالة انقسام فكري تاريخية بين رهبان دير اﻷنبا مقار، لم تكن متداولة بشكل واضح في العلن، غير أن أغلب المتابعين للشأن القبطي كانوا على علم بتفاصيلها وجذورها.

وعُثر على الأنبا ابيفانيوس مقتولًا داخل دير أبو مقار صباح اﻷحد الماضي، 29 يوليو، بعد تعرضه لاعتداء بآلة حادة، دون أن تتمكن جهات التحقيق حتى اﻵن من تحديد هوية القاتل، فيما يظل احتمال أن يكون المعتدي على اﻷنبا الراحل هو أحد قاطني الدير قائمًا، نظرًا للمنطقة المنعزلة التي يتواجد فيها الدير، وكونه محاط بأسوار عالية، فضلًا عن مكان الاعتداء الذي يشير إلى معرفة القاتل بتفاصيل الدير، وأماكن تواجد كاميرات المراقبة به، وخط سير اﻷنبا ابيفانيوس.

كان عدد من رهبان دير أبو مقار قد أدلوا بتصريحات صحفية تعليقًا على حادث مقتل رئيس الدير، كان من بينها ترجيح أحدهم أن «الحادث ليس بدافع السرقة والراهب ليس معه شيئًا يُسرق»، وهو المعنى نفسه الذي كرره البابا تواضروس خلال صلاة الجنازة حين قال: «كان الأنبا ابيفانيوس معروفًا ببساطته في كل شيء، بسيطًا في حياته، وقلايته تشهد على ذلك وملبسه يشهد على ذلك وطعامه يشهد على ذلك، ولكنه رحل بعيدًا عن أطماع وهموم الأرض، ﻷنك يا إنسان ماذا ستجني، ومهما تفتق ذهنك عن أفكار وشهوات ماذا ستجني لن يكون في النهاية سوى تراب الأرض».

وفي عظته خلال صلاة الجنازة، يوم الثلاثاء الماضي، وجه البابا تواضروس حديثه لرهبان الدير قائلًا: «نحن ننتظر نتائج التحقيقات.. وكما أشار الأنبا دانيال أننا لم نصل ﻷي شيء، لذلك ابتعدوا عن أي شائعات تقال هنا أو هناك»، قبل أن يتابع، بنبرة غاضبة: «ليس من حق الأباء الرهبان أبدًا الظهور الإعلامي بأي صورة من الصور؛ فقد انقطعتم عن العالم وصرتم في هذه البرية المقدسة من أجل أبديتكم وخلاصكم».

فيما أضاف البابا في عظته أن الأنبا ابيفانيوس تمتع بالحكمة والوداعة وغزارة العلم، ما جعله يعتمد عليه في اتخاذ الكثير من القرارات الهامة، «في خمس سنوات وعدة أشهر مدة رئاسته للدير كلفته بأكثر من 20 مؤتمرًا على مستوى العالم، مؤتمرات يمثل فيها وجه الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية.. كنيسة مصر»، مذكرًا بأن: «الأنبا أبيفانيوس حصل على أعلى الأصوات وكان الدير فرحًا به جدًا، وربما يتذكر الجميع كيف كان يوم تجليسه يوم فرح».

وتولى الأنبا ابيفانيوس رئاسة دير أبو مقار في فبراير 2013، بعد انسحاب منافسه، في حين امتنع عدد من الرهبان عن التصويت. ووقتها، طالبه البابا تواضروس بلمّ شمل الدير، الذي كان مركزًا ﻷزمة امتدت لسنوات بعدما بدأت بخلاف بين البابا شنودة الثالث واﻷب متى المسكين.

بدأت الخلافات الفكرية بين اﻷب متى واﻷنبا شنودة قبل جلوس اﻷخير على كرسي الباباوية، والذي ترشح له الأب متى أمامه، قبل أن يجلس البابا شنودة على الكرسي في 1971، غير أن الخلاف وصل ذروته في 1981 عندما حدد الرئيس أنور السادات إقامة البابا شنودة في دير اﻷنبا بيشوي، ضمن ما عُرف باعتقالات سبتمبر، والتقى السادات وقتها باﻷب متى، وكلفه بإدارة أمور الكنيسة، وكان الأخير وقتها بمثابة اﻷب الروحي لدير اﻷنبا مقار.

لم يكن الصراع بين البابا شنودة وأتباعه والأب متى المسكين وتلامذته سرًا خفيًا، ﻷن البابا شنودة أعلنه في أكثر من مناسبة، في عام 1991 عندما سُئل البابا شنودة عن سبب الخلاف بينه وبين رهبان ورئيس دير الأنبا مقار قال: «رهبان دير الأنبا مقار يتمسكون بأب من الأباء أكثر من الكنيسة كلها، يعني يطيعون هذا الأب أكثر مما يطيعون البابا والمجمع المقدس والأساقفة، فـ إحنا سايبنهم على راحتهم هنعمل ايه؟». كما قام البابا شنودة بنشر عشرات الكتب للرد على كتب الأب متى مسكين، والتي أصدر قرارًا بمنع تداولها في مكتبات الكنيسة.

وفي عام 2012، قام وفد من رهبان الدير بزيارة الأنبا باخوميوس، القائم مقام البابا، وطلبوا منه عدم السماح بتولي أحد أبناء البابا شنودة رئاسة الدير وإلا تفجّرت أزمة حقيقية. بعدها، وفي عام 2013، قرر البابا تواضروس تعيين أساقفة جدد، وبعد عدة جلسات مع رهبان دير الأنبا مقار ليختار رئيسًا له، وسط انقسامات بين الفريقين، ترشح للدير ثلاثة آباء ليحصل اﻷنبا ابيفانيوس، تلميذ اﻷب متى، على أغلبية اﻷصوات، وسط امتناع عدد من الرهبان عن التصويت، ويصبح رئيسًا للدير.

في 25 يوليو الماضي، وقبل أسبوع من مقتل اﻷنبا ابيفانيوس كرمت الكنيسة القبطية اﻷرثوذكسية اﻷب متى المسكين في احتفالية كبرى بمئوية مدارس اﻷحد، والذي اعتبرته الكنيسة أحد روادها، وهو التكريم الذي أثار استياءً في بعض اﻷوساط القبطية، لتشن بعض الصفحات المسيحية هجومًا على هذا التكريم، متهمة اﻷب متى بأنه كان ضد مدارس اﻷحد، وأن أفكاره تمثّل خطورة على الكنيسة، وهو ما رد عليه عدد من الشخصيات المسيحية المعروفة بكتابات مطولة ترصد دور اﻷب متى المسكين، مثل المفكر القبطي كمال زاخر في منشور بعنوان «الأب متى المسكين والخدمة الكنسية»، وقام فؤاد نجيب يوسف أحد الباحثين والمهتمين بالتاريخ الكنسي.

بالعودة لقرارات اﻷمس الصادرة عن لجنة الرهبنة وشئون الأديرة بالمجمع المقدس، يتضح أنها توحي باهتمام البابا تواضروس والكنيسة بإعادة النظر في ملف الرهبنة بوجه عام، فقد اشتملت على عدد من القرارات، مثل: «وقف رهبنة أو قبول أخوة جُدد في جميع الأديرة القبطية الأرثوذكسية داخل مصر لمدة عام يبدأ من أغسطس 2018، والأماكن التى لم توافق البطريركية على إنشائها كأديرة سيتمّ تجريد مَن قام بهذا العمل من الرهبنة والكهنوت والإعلان عن ذلك، مع عدم السماح بأي أديرة جديدة إلا التي تقوم على إعادة إحياء أديرة قديمة، ويتمّ ذلك من خلال رعاية دير معترف به (أي عامر بالرهبان)، وتحديد عدد الرهبان في كل دير بحسب ظروفه وإمكانياته وعدم تجاوز هذا العدد لضبط الحياة الرهبانية وتجويد العمل الرهباني، إيقاف سيامة الرهبان في الدرجات الكهنوتية (القسيسية والقمصية) لمدة ثلاث سنوات، والالتزام بعدم حضور علمانيين على الإطلاق في الرسامات الرهبانية لحفظ الوقار والأصول الرهبانية الأصيلة،وأن تستقبل الأديرة الزيارات والرحلات طوال العام باستثناء فترة صوم الميلاد والصوم الكبير فتكون أيام (الجمعة والسبت والأحد) فقط من كل أسبوع والتحذير من زيارة الأماكن غير المعترف بها وهى مسئولية الإيبارشيات والكنائس، والاهتمام والتدقيق بحياة الراهب والتزامه الرهباني داخل الدير واهتمامه بأبديته التي خرج من أجلها ودون الحياد عنها، وألا يجوز حضور الأكاليل والجنازات للرهبان إلا بتكليف وإذن رئيس الدير بحد أقصى راهبين، ومناشدة جموع الأقباط بعدم الدخول فى أى معاملات مادية أو مشروعات مع الرهبان أو الراهبات وعدم تقديم أى تبرعات عينية أو مادية إلا من خلال رئاسة الدير أو مَن ينوب عنهم، وتفعيل دليل الرهبنة وإدارة الحياة الديرية الذى صدر من المجمع المقدس فى يونيو 2013 وهى مسئولية رئيس الدير ومساعديه».

غير أن الرسالة اﻷقوى الموجهة للرهبان، وتحديدًا رهبان دير اﻷنبا مقار، فكانت تلك التي ختم البابا تواضروس بها عظته في صلاة الجنازة على الأنبا ابيفانيوس، حين قال: «فلنتب يا أخوتي، فلنتب بالحقيقة، ﻷن عندما نقف أمام الله لن نجد ما نقوله إلا بتوبتنا، أنتم رهبان الدير، أبناء الكبير الأنبا مقاريوس العظيم ولا تنتمون ﻷحد آخر، وعندما دخلتم إلى الدير وصار بينكم شيوخ لهم قامات روحية وصار توالي الأجيال فإن الجميع ينتمون لأب الرهبنة الكبير مكاريوس العظيم. احفظوا سلامكم واحفظوا رهبنتكم، وأخرجوا منكم أي انحراف بعيدًا عن هذه الرهبنة، الرهبنة أمانة في حياة كل منا، الرهبنة أمانة في حياة من يعيشون في الدير أو من خرجوا منه لتأدية بعض الخدمات، الرهبنة أمانة في أيديكم، فلتحفظوا السلام والمحبة بينكم».

*جرى تصحيح بعض المعلومات بعد النشر، وذلك لعدم دقتها.

اعلان
 
 
كارولين كامل