Define your generation here. Generation What
حوار | الناس والحكومة وأصحاب الأموال.. من يضع الموازنة ومن يستفيد منها؟
 
 
مبنى وزارة المالية التاريخي في سوق سعد زغلول - المصدر: حازم عبد الحميد - صورة:
 

في سوق سعد زغلول -وسط القاهرة- المزدحم بالموظفين بعد انتهاء الدوام الحكومي، يقف محمد، الشاب العشريني، يقشر ويبيع التين الشوكي، ويشكو من ارتفاع الأسعار والأحوال التي أصبحت صعبة.

يَعول محمد أمه ويساعد أخواته المتزوجات، ولا يظن أنه سوف يستطيع الزواج بسبب ضعف إمكانياته. «أنا ببيع دي بـ 2 جنيه. فيه تيناية بـ 2 جنيه؟» يتعجب محمد ممسكًا بالثمرة. سألنا محمد عن رأيه في إنفاق الدولة وما إذا كان لديه اقتراح لتوزيع الموارد العامة بشكل مختلف يخفف من أعبائه، ولكن السؤال يثير حيرة محمد الذي يجيب بما يعرفه فقط: «لو بس الغلا يقل، عشان ده اللي تاعب الناس». يجد محمد صعوبة في الربط بين غلاء الأسعار وقرارات الموازنة.

كانت وزارة المالية في شهر أكتوبر من عام 2014؛ بعد بضعة أشهر من بدء رفع أسعار الوقود الذي كان  شعلة البداية لبرنامج مالي تقشفي، أعادت إطلاق ما سمته «موازنة المواطن»، وذلك بعد غياب أربع سنوات عن أول إصدار لها. وما تسميه الحكومة «موازنة المواطن» هو نسخة مبسطة من الموازنة العامة للدولة تعتمد على تلخيص أهم بنود الإنفاق والإيرادات من خلال عرض جذاب بصريًا. وأعلن هاني قدري، وزير المالية وقتها، أنه سوف يتم توزيع موازنة المواطن في الجامعات والمدارس والنوادي الاجتماعية لضمان وصولها إلى الناس وتحسين مستوى الشفافية.

كان إصدار «موازنة المواطن» أحد أسباب تحسن مركز مصر في  مؤشر شفافية الموازنة، والذي يقيس مدى ما تتيحه الدولة من معلومات لمواطنيها حول تفاصيل الموازنة العامة، إلا أن مركزها لا يزال دون مستوى مثيله في العديد من البلدان النامية وبعض البلاد العربية.

أمام مبنى وزارة المالية التاريخي في سوق سعد زغلول، حيث يتفاعل الفاعلين في الاقتصاد، تقف هدى*، مديرة إدارة بوزارة التعليم، لشراء بعض من احتياجاتها. وعلى خلاف محمد، كانت لديها دراية أكبر بشؤون الموازنة، حيث قالت إنها تسمع أحاديث عن أن ميزانية التعليم هي الأكبر مقارنة ببنود الإنفاق الأخرى، لكنها تستغرب غياب أثر هذا الأمر، حيث ترى أن التعليم لا يتم الاهتمام به بشكل كافٍ. وتضيف هدى أنها لا تتابع الميزانية بنفسها إلا أنها تسمع تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي التي يحدد فيها مثلاً المبالغ التي يتم تخصيصها لتطوير السكة الحديد والمترو وغيرها من المشروعات. لـ هدى رأي في تصرف الدولة في مواردها على وجه العموم: «الدولة مركزة في المشاريع الكبيرة من غير تفكير في الناس».

«في الدنيا كلها الموازنة تعني أن يتم نقاش ما سوف تأخذه الحكومة من جيبي خلال السنة، وأيضًا ما سوف تقدمه في المقابل من خدمات، وبالتالي يكون الموضوع مهم جدًا وملتهب جدًا»، تقول سلمى حسين، الباحث الأول في وحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في حوار مع «مدى مصر» عن الشفافية في الموازنة العامة للدولة وعلاقتها بالناس.

أعدت سلمى حسين تقريرًا عن وضع وأهمية الشفافية في الموازنة العامة في مصر، والذي نُشر عام 2016  تحت عنوان «الشفافية في الموازنة: مكسب للجميع بدون خسائر». وأوصت في تقريرها الذي بُني على نقاش «مجموعة تخصص ضمت ممثلين لمختلف أصحاب المصلحة في تحسين مستوى شفافية الموازنة، وهم: ممثل عن وزارة المالية، ممثل عن وزارة التخطيط، ممثل عن البنك الدولي، ممثلين عن المجتمع المدني معنيين بالشفافية وبالموازنة العامة وبتطوير المحليات». وأوصى النقاش والتقرير بضرورة زيادة إتاحة البيانات ومشاركة الفئات المختلفة في المجتمع على المستوى القومي والمحليات والوحدات الخدمية.

وتؤكد سلمى أنه حتى الآن «الموازنة معناها بالنسبة لنا أن الحكومة قدمت بضعة أرقام للبرلمان وسوف تنفذ الذي قالته [في الموازنة]، أي الذي طبخته [الحكومة] سوف تنفذه بدون أي نقاش عام وبدون اهتمام حقيقي من المجتمع».

موازنة المستثمر

شمل ما سمته وزارة المالية بـ «موازنة المواطن» رسومات جذابة بصريًا، إلا أنها لم تصل للمواطنين بجوار مبناها العتيق في قلب القاهرة. ومع ذلك، لم يكن عدم الوصول هذا هو وجه القصور الوحيد في عملية اتخاذ القرار بشأن إنفاق الدولة على المواطنين وأخذ ضرائب منهم.

يضمن مفهوم الشفافية في الموازنة نشر بيانات الموازنة العامة بانتظام، بشكل واضح له دلالة مفهومة وأيضًا ضرورة أن يكون خاضع لنقاش عام حولها، بحسب سلمى التي رأت أن تلك الأمور «غائبة عن الموازنة العامة».

لكن أيضًا تؤكد سلمى على دور وتأثير الأطراف التي تشارك في مرحلة الإعداد على أولويات الحكومة والانحيازات التي تنتهي الموازنة العامة بالتعبير عنها.

«الموازنة يمكن اعتبارها سرة فلوس فوق الطاولة. ويوجد أفراد جالسين حول الطاولة يتناقشون كيف يتم توزيع هذه السرة على الجميع…الجالسين حول الطاولة هم المجتمع يعني الحكومة والقطاع العام والقطاع الخاص والمواطنين في المقام الأول وهكذا … كل ما هذه الأصوات تكون موجودة حول الطاولة كل ما يمكن أن يتم توزيع الموازنة أي الفلوس القليلة المتواجدة  فوق الطاولة بأكثر شكل عاقل، وعادل».

لكن سلمى تقول إن ما يحدث في مصر فعليًا هو أن «الحكومة وقطاع الأعمال الخاص يكونون أكثر اثنين حاضرين في المناقشات، فيما يتعلق بتوزيع الموازنة العامة، وبالتالي النتيجة هي أن طرفين فقط لديهم مصالح خاصة جدًا هما الجالسين حول الطاولة، تتوه كثير من المصالح العامة وتغيب تمامًا عن ترتيب الأولويات».

وترى سلمى أن جزءًا مما يحدث خلال إعداد الموازنة العامة للدولة هو توزيع للموارد، وهو الأمر الذي تؤكد على أنه ليس تقنيًا وفنيًا إنما «مسألة سياسية وفيها صراع قوى قوي جدًا لأن هناك مليارات تدخل جيوب ناس كل سنة لا يريدون أن يفقدوها». وتستدل سلمى بغياب بيانات توزيع حِمل خفض دعم الطاقة في الموازنة العامة، حيث لا يتم نشر أي الجهات والأطراف التي تستفيد من الدعم.

«إذًا مثلًا دعم الطاقة الذي يذهب للمصانع أو للشركات الكبيرة في شكل كهرباء أو في شكل سولار أو في شكل غاز طبيعي، يتكلف حوالي 100 مليار في السنة، وهو تقريبًا ما يحتاجه التعليم حتى يوفي احتياجاته، أقل قدر من احتياجاته، بحسب الدستور. إذن مَن سوف يقنع المصانع التي وضعت ميزانيتها وتوقعات أرباحها وعندها مساهمين و.. و.. و.. أنه سيتم سحب 100 مليار جنيه منها ويطلب منها تحمل الصدمة حتى يتم تخصيصها للتعليم؟ هو ليس قرار سهل، ويحتاج كثير من التفاوض وكثير من الضغط».

ولا يقتصر تأثير غياب مشاركين أكثر على طاولة إعداد الموازنة على كيفية توزيع الموارد، لكن أيضًا يطال قرار من يتحمل الأعباء.

وهنا تلفت سلمى النظر إلى أن الأقل دخلًا في مصر يتحملون أعباء الموازنة العامة. «مِن مَن سوف يتم تحصيل الضرائب؟ هذا سؤال مهم جدًا».

وتوضح سلمى أن الحكومة على مدى السنوات العشرة الماضية على الأقل اختارت ألا تفرض ضرائب على الأغنياء، وبدلًا من ذلك تقترض منهم. وفي الوقت الذي أعطت فيه الحكومة إعفاءات عديدة للمستثمرين من أجل تشجيع الاستثمار، لجأت إلى الاقتراض لتغطية احتياجات الموازنة، وهو الدين الذي يتم سداده من خلال ضرائب الناس.

وبالتالي، نصبح «كأننا [الحكومة] تعيد توزيع [الدخول] من الفقراء ومحدودي الدخل لصالح الأغنياء، عن طريق الموازنة، وهذا وضع يحتاج أن يُقلَب، يحتاج الأغنياء أن يدفعوا نصيبهم العادل من الضرائب، وبالتالي كل الإعفاءات المهولة تُلغى، يعاد النظر فيها وتقلل حجم الفلوس التي يتم اقتراضها».

 وتستكمل سلمى قائلة إنه دائمًا ما يأتي «الخوف من الشفافية من أصحاب المصالح»، بمعنى أنه إذا كان يوجد عدد  قليل على الطاولة هو المستفيد من المليارات كل سنة، مئات وآلاف المليارات التي تصرف كل سنة من الموازنة العامة، يصبح من الصعب على هذا العدد أن يقبل بالتقسيم على عدد أكبر، وهو ما يفسر مقاومة نشر بيانات أكثر والعمل بشفافية أكبر، وهو الأمر الذي قد يسمح بضم آخرين إلى الطاولة.

الأولوية تقشف وليس نمو

ويُعد إشراك قطاع أكبر من الناس في نقاشات الموازنة العامة، هو أمر على المحك فيما يتعلق بالتوسع في شفافية الموازنة العامة ونشر بيانات تفصيلية أكثر بشكل مفهوم وأيضًا منضبط.

لكن على العكس، غياب النقاشات العامة يسمح لقطاع الأعمال الخاص بالاستفادة من دعم الطاقة وإقراض الحكومة وكبح زيادات الضرائب، ويسمح أيضًا للحكومة بإعلان تصريحات تخالف ما تستهدفه بالفعل مثل الاستمرار في برنامج تقشفي يتناقض مع تصريحاتها باستهداف نمو أكبر وخلق وظائف أكثر.

«الموازنة هي التعبير عن الحكومة خطتها ايه السنة دي؟ وبالتالي هي تكشف أولويات الحكومة. يعني ممكن أن تقول الحكومة إن أولويتها خلال السنة هي زيادة معدل النمو، وبالتالي خفض البطالة، لكن عندما ننظر إلى الأرقام نجد أنها [الحكومة] تتبع سياسة تقشفية حتى تقلل العجز»، توضح سلمى، مضيفة أن «تقليل العجز في الاقتصاد هو سياسة ضد النمو، ويعني إن أنا مستهدفة أقلل النمو لا أن أرفع النمو، وبالتالي الأرقام هي اللغة الحقيقية لخطط الحكومة».

شفافية أكبر؟

تحسن في عام 2017 وضع شفافية الموازنة في مصر في مؤشر الموازنة المفتوحة، والذي تصدره الشراكة الدولية للموازنة كل عامين لعدد من البلاد في العالم. وعلى الرغم من هذا التحسن، إلا أن مؤشر الشفافية يظل أضعف مقارنة بعام 2010 أي عام قبل ثورة يناير 2011.

ويُظهر مؤشر الموازنة المفتوحة أن الشفافية في الموازنة لا تزال محدودة وأن الفرص المتاحة للناس للمشاركة في عملية إعداد الموازنة قليلة.

وتفسر سلمى تحسن مؤشر الشفافية بأنه نتيجة وجود برلمان ونقاش الموازنة العامة به، وهو الأمر الذي كان تسبب غيابه في انخفاض المؤشر في المقام الأول، عندما ارتدت الحكومة عن عرض بيانات الموازنة الذي كان بدأ في 2005.

وأتت حركة التوسع الأولى في الشفافية في الموازنة العامة عام 2005، بقيادة الحكومة من خلال وزارة المالية، كجزء من إجراءات فتح الأسواق والسعي لإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص وجمع أكبر قدر ممكن من الضرائب، بحسب سلمى.

وترى سلمى أن وجود البرلمان وإن حَسن من مؤشر الشفافية، إلا أنه لا تزال هناك حاجة إلى تحسين «جودة المناقشات، علنية المناقشات، مدى اتساع المناقشات، كلها أسباب سياسية أكثر منها فنية اقتصادية، ولن نتمكن من رفع مستوى الشفافية إلا عندما نعالج هذه الأمور، والتي لها علاقة بالمشاركة الحقيقية».

كما تحذر سلمى من أن «مستوى مؤشر الشفافية ما زال في منطقة حمراء، في منطقة سيئة، رغم التحسن الكبير الذي حصل … ونحتاج إلى العمل كثيرًا حتى نطور درجة الشفافية، بمعناها الواسع، المشاركة والوضوح».

لكن على الرغم من أن عودة البرلمان والذي فرض بدوره نشر بعض البيانات في الصحافة أيضًا أدى إلى تحسن الشفافية في اتجاه عودتها إلى نفس مستويات ما قبل عام 2011، إلا أن تلك المستويات لا تزال محدودة بما تسعى الحكومة لنشره في خدمة برنامجها.

وفيما ينص اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي على أن تتوسع الحكومة في إتاحة بيانات الموازنة العامة، وعلى الرغم من أن الصندوق هو الجهة الدولية المعنية بالإصلاح المالي وبشفافيات الموازنة، بحسب سلمى، إلا أنها ترى أن «دور صندوق النقد الدولي، سيئ للغاية في هذه القصة»، حيث لم تلتزم الحكومة بأي بند من بنود الشفافية والإفصاح المتعلقين بالمال العام والصندوق لم يوجه ولا ملحوظة واحدة في هذا الإطار.

موازنة شعبية

وترى سلمى أنه حتى الآن زيادة إتاحة المعلومات والتحسن في الشفافية كان في الأغلب من خلال جهات حكومية، حيث لا يوجد الطلب الجماعي الفعال الذي قد يؤدي إلى  المزيد من المعلومات الخاصة بالموازنة وتحليلاتها وبالتالي لمزيد من الشفافية.

«ما زالت شفافية الموازنة مسألة تأتي فضل وعدل من الحكومة وليس بسبب ضغط شعبي»، تقول سلمي.

وبحسب سلمى فإن أفضل نقطة بداية لتحديد الاحتياجات في الموازنة العامة هي من خلال المحليات، وهي الكيان الذي تم حله عام 2011، وينتظر انتخاب محليات جديدة إصدار قانون بشأنها.

وتستدل سلمى بـ «دليل أفضل الممارسات» للبنك الدولي، والذي يتطرق إلى كيفية تنظيم جلسات استماع مجتمعية في كل وحدة محلية حتى تناقش أولوياتها، وبالتالي من هذا المستوى تتجمع الموازنة وتطلع لمديريات التعليم وصولًا إلى المركز.

«لكن [في مصر] حياتنا كلها تبدأ من فوق لتحت ولهذا السبب هي [الموازنة] غير معبرة عن تطلعات الناس وأحيانًا حتى تؤدي إلى ما نسميه خطأ في الإنفاق»، لذلك تؤكد سلمى على أهمية المشاركة من أسفل.

 وعلى الرغم من أهمية المشاركة على مستوى الوحدات المحلية للناس، لا يزال الطلب على هذا المستوى غائب، وهو الأمر الذي تُعزيه سلمى إلى غياب دور «المجتمع المدني بالمعنى الواسع الأحزاب، حركات، جماعات المواطنين، الأهالي في المدارس، إلخ، لأن ليس عندهم بعد القنوات التي يقدروا يعبروا فيها عن مطالبهم أعتقد مثلًا وجود مجالس شعبية منتخبة هي مسألة ستؤدي إلى الاهتمام بالموازنة العامة».

وتضيف سلمى أن «الفكرة أنه كل ما يتم إشراك عدد أكبر من الناس كل ما سوف يؤثر هذا الأمر على الموازنة وانحيازاتها، وبالتالي أولوياتها، وبالتالي يقل الضرر الذي يقع على الفئات الأقل دخلًا من غير ما تؤذي النمو».

* تم تغيير اسم السيدة بناء على طلبها.

اعلان