Define your generation here. Generation What

الغضب العراقي يتفاقم: من الاحتجاجات على سوء الخدمات لحرق صور الخميني

بعد سقوط نظام البعث ظن العراقيون أن أيام الاستبداد والفساد ولت بلا رجعة، ولكنهم اكتشفوا أن شيئًا لم يتغير باستثناء الشكل والاسم، سقط البعث وبالمقابل وُلدت عشرات الأحزاب على نفس شاكلته.

بينما كان الساسة العراقيون مشغولين في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، وسط خلافات مستمرة بين الكتل السياسية دفعت البلاد لمرحلة الفراغ الدستوري بعد انتهاء فترة عمل البرلمان، وتقلص صلاحيات حكومة العبادي لتصريف الأعمال، أتت انتفاضة الجنوب العراقي لتعمق أوجاع بلاد الرافدين وأزماتها السياسية.

وكانت مدينة البصرة قد شهدت اندلاع مظاهرات غاضبة احتجاجًا على انقطاع الكهرباء وتردي مستوى الخدمات بالمحافظة التي تنتج أكثر من 95% من نفط العراق.

وجاءت المظاهرات التي عمت جنوب العراق خلال الأيام الماضية لتعبر عن حجم الضيق واليأس الذي أصاب الشعب العراقي من فشل الحكومات المتعاقبة في رفع المعاناة وتحسين مستوى الخدمات.

بداية الأزمة

وفق مصادر من قلب البصرة لـ«مدى مصر» فقد دفع ارتفاع درجة الحرارة، إلى نحو الـ 50 درجة مئوية، بالجنوب العراقي، بالتزامن مع الانقطاع المستمر للكهرباء، والملوحة الشديدة بالمياه، آلاف الشباب إلى الشارع.

وتأزم الموقف بعد التعامل الأمني مع التظاهرات، وسقوط أول متظاهر جراء المواجهات بين الأمن والمحتجين.

وفي 13 يوليو، تصاعدت التظاهرات، حيث أغلق المحتجون الطريق المؤدي إلى ميناء أم قصر جنوب العراق، وتظاهر آخرون أمام حقل القرنة النفطي شمال البصرة، كما تحولت شعارات الانتفاضة ومطالبها من توفير الكهرباء والماء الصالح للشرب، وبقية الخدمات، لتأخذ منحنى جديدًا، فتبدأ الدعوة إلى الثورة وإسقاط النظام، ثم الصدام المباشر مع أجهزة الدولة، واقتحام مقار للحكومة وللشركات الأجنبية العاملة في حقول البصرة.

دعم المرجعية

كان يوم الجمعة 13 يوليو يومًا حاسمًا في مسار الانتفاضة العراقية بعدما أعلنت المرجعية الشيعية العليا في العراق عن تأييدها للمظاهرات الشعبية بمحافظة البصرة.

في خطبة الجمعة هذه، وبمدينة كربلاء، قال الشيخ عبدالمهدي الكربلائي، ممثل المرجع الأعلى للشيعة في العراق آية الله علي السيستاني: «لا يسعنا إلا التضامن مع المواطنين في مطالبهم الحقة مستشعرين معاناتهم الكبيرة ومقدرين أوضاعهم المعيشية الصعبة»، معتبرًا أنه ليس من الإنصاف ولا من المقبول أن تكون هذه المحافظة المعطاءة من أكثر مناطق العراق بؤسًا وحرمانًا وأن يعاني كثير من أهلها شظف العيش وقلة الخدمات العامة وانتشار الأمراض والأوبئة ولا يجد معظم الشباب فيها فرصًا للعمل بما يناسب إمكاناتهم ومؤهلاتهم.

وشن ممثل السيستاني هجومًا على ساسة بلاده معتبرًا أن سوء إدارة الدولة وعدم الوقوف بوجه الفساد هو ما أوصل الأوضاع لهذه الحالة المتردية.

مثل دعم المرجعية قوة دفع كبيرة للتظاهرات التي امتدت من البصرة إلى محافظات أخرى في جنوب ووسط العراق، بينها واسط وميسان والنجف وبابل، احتجاجًا على انعدام الخدمات وانقطاع الكهرباء وعدم توفر فرص العمل.

ومع اتساع المظاهرات ووقوع اشتباكات مسلحة، ومحاولة بعض المحتجين  اقتحام مقار حزبية وحكومية، خاصة في النجف وميسان وبابل وكربلاء، فرضت السلطات العراقية، مساء السبت الموافق 14 يوليو، حظر تجوال في محافظات البصرة والنجف وكربلاء.

وفي جمعة 27 يوليو، كررت المرجعية دعمها للمتظاهرين، حيث دعا ممثل السيستاني إلى تشكيل حكومة في أسرع وقت والعمل على تنفيذ مطالب المتظاهرين، محذرًا من الندم حال عدم الاستجابة للمطالب الشعبية.

خونة ومندسون!

لدى التعامل مع الاحتجاجات، تبنت الحكومة العراقية سياسة العصا والجزرة، فقد أخذت حكومة تسيير الأعمال، والتي ليس بمقدورها  تنفيذ إجراءات ملموسة تغير حياة المحافظات الثائرة، تطلق الوعود لتهدئة المتظاهرين.

وزار رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، محافظة البصرة التي انطلقت منها الشرارة الأولى للاحتجاج، واعدًا بتوفير عشرة آلاف فرصة عمل للعاطلين، وتخصيص مبالغ مالية للخدمات، كذلك استقبل وفودًا في بغداد من محافظتي الناصرية والمثنى، ووعد بتلبية مطالب المحتجين، وبتعزيز صندوق الإسكان بمبلغ 800 مليار دينار لمنح القروض للمواطنين، على أمل امتصاص النقمة الشعبية وتوفير فرص عمل.

وبالتزامن مع هذه الوعود الوردية، لجأت الحكومة للمسار المعتاد بمحاولة تشويه المتظاهرين، عن طريق الحديث عن ضبط مندسين داخل الحركة الاحتجاجية، مع إطلاق يد الأمن لمواجهة المتظاهرين، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى ومئات الإصابات بين صفوف المتظاهرين.

كما اتهم الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية، سعد الحديثي، مجموعات مرتبطة بما أسماه «مافيا الفساد»، باستغلال موجة الاحتجاجات التي تشهدها محافظات جنوبية لإشعال المواجهات بين المحتجين والقوات الأمنية.

وكشف الحديثي في تصريحات صحفية عن معلومات استخباراتية وتقارير صادرة عن جهات أمنية، تؤكد وجود أفراد يعملون على شكل مجموعات صغيرة، ويستغلون أجواء المظاهرات في محاولة لإشعال المواجهات بين المحتجين والقوات الأمنية.

أقاليم جديدة بالعراق

سيف العبادي وذهبه لم يوهنا عزيمة المتظاهرين، الذين قابلوا التهديد الحكومي بالتهديد بعسكرة المظاهرات والصدام المسلح مع قوات الأمن، فقد حذر الشيخ علي منصور، شيخ عشيرة الزهيرية في الناصرية، الحكومة أنه حال لم تنفذ مطالب المتظاهرين  فإن المظاهرات ستخرج عن السلمية، وقد تُستخدم فيها السيوف، على حد قوله.

كما بدأت تحركات داخل محافظة البصرة من أجل إعلانها إقليمًا مستقلًا يتولى إدارة شؤونه بعيدًا عن حكومة بغداد، وأسوة بإقليم كردستان شمال العراق.

وجمع أعضاء مجلس محافظة البصرة 15 توقيعًا ستُرفع للحكومة من أجل الموافقة على تحويل البصرة إلى إقليم مستقل.

كما أعلن الشيخ شعلان الكريم، عضو البرلمان السابق عن محافظة صلاح الدين، أن حكومة المالكي سبق وجمدت الخطوات التي قامت بها محافظة صلاح الدين، من أجل التحول لإقليم، ولكن مجلس المحافظة تقدم بطعن أمام المحكمة الإدارية التي أصدرت حكمًا نهائيًا لصالح المحافظة، ولم يتبق سوى الذهاب للاستفتاء من أجل إقامة إقليم صلاح الدين.

وينص الدستور العراقي على إمكانية إنشاء أقاليم فيدرالية داخل الدولة الاتحادية، بشرط أن يتقدم ثلث أعضاء المحافظة بطلب لإنشاء الإقليم، إلى مجلس الوزراء الذي يرفع بدوره الطلب إلى مفوضية الإنتخابات تمهيدًا لتحديد موعد للاستفتاء خلال ثلاثة أشهر.

عودة داعش

تأتي الحركة الاحتجاجية بالعراق في وقت تشهد فيه البلاد عودة تنظيم داعش للظهور مرة أخرى، من خلال عمليات خطف وترويع وقتل بمحافظات كركوك وديالى وصلاح الدين.

وتمثل عودة داعش جرحًا جديدًا يعمّق أزمات العراق المتوالية، خاصة بعد أن تسرعت الحكومة وأعلنت القضاء على التنظيم في نوفمبر من العام الماضي.

وكانت المحافظات الثلاثة قد شهدت في يونيو الماضي 83 حالة خطف وقتل، وقعت غالبيتها على طريق سريع يربط بغداد بمحافظة كركوك. وفي مايو بلغ عدد تلك الحوادث 30 حادثًا، بينما لم يتجاوز العدد في مارس السبعة حوادث.

ومثلت حالة الصراع السياسي والخلافات بين المكونات العراقية فرصة سانحة للتنظيم الإرهابي للظهور مرة أخرى، خاصة أن القضاء عليه ارتبط بتحالف بين الجيش العراقي وقوات البشمركة الكردية، وهو ما صار غير ممكن بعد الخلافات التي طالت العلاقة بين الطرفين عقب استفتاء إقليم كردستان في سبتمبر الماضي، بما تبعه من إجراءات عقابية فرضتها بغداد على الإقليم، وشملت طرد البشمركة من مناطق سيطروا عليها عقب خروج داعش، ما منح المجال للأخير للعودة من جديد.

وكشف علي نواف شيخ عشائر شمر ورئيس مجلس قضاء الدور أن هناك أكثر من 280 شهيدًا ومختطفًا من عشائر شمر، مشيرًا إلى أن يونيو الماضي شهد اقتحام المسلحين لقرية تسكنها عشائر شمر واختطافهم لـ 30 رجلًا من هناك، قبل أن يُعثر على ثماني جثث منهم في اليوم التالي.

وحذر نواف الحكومة العراقية من مبايعة العشائر لتنظيم داعش ورفعها لأعلامه مجددًا حال عدم جلب قوات لحفظ الأمن بالمدينة، أو دعمهم بسلاح لمواجهة التنظيم الذي وصفه بـ«القادر على إسقاط مدن عراقية والسيطرة عليها مرة أخرى».

إيران في قفص الإتهام

لا يمكن فصل أحداث العراق عن محيطها الإقليمي، كما لا يمكن الفصل بين المظاهرات ضد الأحزاب الحاكمة ببغداد والدور الإيراني بالعراق.

كان مشهد إحراق متظاهرين لصورة الخميني، مرشد الثورة الإيرانية الراحل، معبرًا عن حجم السخط الشعبي تجاه التدخل الإيراني بالعراق، فضلًا عن إلقاء البعض بالمسؤولية على إيران في أزمة الكهرباء، بعد تعليق الأخيرة اتفاقية لتزويد العراق بالكهرباء، نتيجة تخلف الجانب العراقي عن دفع المستحقات المالية لطهران.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقطع فيها إيران إمدادات الكهرباء عن العراق، فقد حدث هذا في أوائل 2017، بسبب تراكم ملياري دولار ديونًا مستحقة على العراق، كما حدث في 2016 حين قطعت إيران الكهرباء عن العراق لمدة شهرين  بسبب ديون متراكمة أيضًا.

مظاهرات سنوية وفشل متكرر

يمكن الادعاء بأن التظاهرات بالعراق، وفي ظل تردي مستوى الخدمات والمرافق، أصبحت بمثابة عادة سنوية، تحب غالبًا وقت الصيف، حيث انقطاعات الكهرباء والمياه.

وعادة لا تحقق المظاهرات في العراق الأهداف التي خرجت من أجلها، إن لم تأت بنتائج عكسية بسبب طبيعة المجتمع العراقي المنقسم مذهبيًا وعرقيًا.

وشهدت 2011 تظاهرات سميت حينها بـ«الربيع العراقي»، اقتحم فيها المحتجون المقار الحكومية في الموصل والبصرة وواسط والرمادي، وسيطروا على المجلس البلدي في الحويجة وحاصروا مقارًا ودوائر أخرى.

ونجح المتظاهرون وقتها في قطع الطريق أمام المنطقة الخضراء، حيث توجد المقار الحكومية والسفارتان الأميركية والبريطانية، ولم تتورع الأجهزة الأمنية عن إطلاق النيران على المتظاهرين، ما أدى وقتها لسقوط أكثر من 20 قتيلًا ومئات الجرحى.

وفي 25 ديسمبر 2012، نظم العراقيون مظاهرات حاشدة في ست محافظات مختلفة؛ الموصل وديالى وصلاح الدين وكركوك وبغداد، استمرت لأكثر من عام، احتجاجًا على ما وصفوه بتهميش هذه المحافظات من قبل الحكومة التي اتهمت المتظاهرين بدورها بالإرهاب. وهاجمت القوات العراقية الساحة التي يعتصم فيها المتظاهرون المناوئون للحكومة في مدينة الحويجة بمحافظة كركوك، ما أسفر عن سقوط أكثر من 50 قتيلًا.

سر الفشل

هذه الثورات والانتفاضات المتكررة من جانب العراقيين، مع استمرار تردي الخدمات وانتشار حالات الفساد الحكومي، تثير تساؤلات عن سبب فشل العراقيين في إسقاط نظام ما بعد صدام؛ هل النظام قوي أم الحركة الاحتجاجية هي الضعيفة؟

أحد أسباب أزمة العراق هو التقسيم الطائفي والمذهبي بالبلاد، فنادرًا ما نرى انتفاضة بمدينة سنية تتزامن مع أخرى بمدينة شيعية، والمظاهرات الحالية خير دليل على ذلك، فالمحافظات السنية لم تشارك حتى الآن في الحركة الاحتجاجية رغم تردي الأوضاع وسوء الخدمات بها، بما يزيد عن كثير من محافظات الجنوب الثائرة أيضًا.

وأشارت بعض المصادر لأن عدم مشاركة السنة يرجع لعدم تضامن أبناء الجنوب معهم عندما اعتصموا عامًا كاملًا بدأ من أواخر 2012، وإن لم ينكر قادة المجتمع وشيوخ العشائر بجنوب العراق وقتها مهاجمة الأمن للمعتصمين السنة والتنكيل بهم وقتل العشرات منهم.

وفي شمال العراق، اكتفى الأكراد في كردستان العراق بمتابعة الأحداث عن بعد، دون أن يشاركوا في الاحتجاج ضد النظام الذي حاصرهم وأجهض أحلامهم العام الماضي.

قد تشكل حالة الانقسام هذه بالشارع العراقي نقطة ضعف كبيرة تقلل من احتمالية نجاح الحركة الاحتجاجية ببلاد الرافدين، بل وقد تجعل المظاهرات مجرد حلقة جديدة من سيناريو لم يتوقف عرضه في أرض العراك المستمر.

اعلان
 
 
محسن عوض الله