Define your generation here. Generation What
حوار| عن عدالة التطوير في مثلث ماسبيرو ومستقبل «الأسمرات» (1-2)
 
 
المهندس خالد صديق، المدير التنفيذي لصندوق تطوير المناطق العشوائية - المصدر: صندوق تطوير العشوائيات
 

مضت سنتان منذ أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في يونيو 2016، أن الدولة بصدد «القضاء على مشكلة العشوائيات خلال عامين». تزامن الإعلان السابق مع افتتاح مدينة الأسمرات في المقطم، والتي تضم نحو 18 ألف وحدة سكنية، ويقطنها الآن نحو 10 آلاف أسرة.

وخلال السنتين الماضيتين، عملت الأجهزة التنفيذية للدولة في محافظات عديدة بشكل متسارع على ملف «العشوائيات»، تنفيذًا لما جاء على لسان رئيس الجمهورية. واحتلت قضيتا «تطوير مثلث ماسبيرو»، ونقل سكان المناطق غير الآمنة لمدينة الأسمرات اهتمامًا يفوق غيرهما من المشروعات الشبيهة.

فمدينة الأسمرات هي المشروع الإسكاني الأكبر الذي أنشأته الدولة لاستيعاب سكان المناطق التي أُخليت. بينما يحتل مثلث ماسبيرو موقعًا متميزًا في قلب القاهرة، استعصى لسنوات على الإخلاء، بأكثر من  نحو 4500 أسرة تقطنه، قبل أن تتمكن الدولة من ذلك في شهر أبريل الماضي.

الجهة المسؤولة عن المشروعين السابقين، وغيرها من المشاريع، هي صندوق تطوير المناطق العشوائية، الذي أُنشئ سنة 2008 بقرار رئاسي، ليصبح هو المسؤول حصرًا عن ملف تطوير المناطق العشوائية.

ويعمل الصندوق من خلال مجلس إدارة مشكّل من وزراء الإسكان والتخطيط والإدارة المحلية والمالية والكهرباء والتعاون الدولي، وثلاثة خبراء، وثلاثة ممثلين عن المجتمع المدني وقطاع الأعمال يختارهم رئيس الوزراء. ويرأس الصندوق، في الوقت الحالي، وزير الإسكان، ويُعين له، بواسطة رئيس الوزراء، مدير تنفيذي لمباشرة أعماله وتمثيله القانوني.

أجرى «مدى مصر» حوارًا مع المهندس خالد صديق، المدير التنفيذي لصندوق تطوير المناطق العشوائية، ننشره على جزئين. سيناقش الجزء الثاني نطاق عمل الصندوق خلال الفترة الماضية، ومهامه المستقبلية وكيفية تحديد أولويات العمل لديه.

أما الجزء اﻷول فيتعرض بتفصيل أكثر لقضيتي مثلث ماسبيرو ومدينة الأسمرات. عبر مناقشة عدد من شكاوى سكان مدينة الأسمرات كما جاءت في تغطية سابقة لنا. فضلًا عن الحديث بخصوص عدالة البدائل التي تمّ عرضها على أهالي المثلث، ومستقبل المنطقة بعد الانتهاء من أعمال هدم المنازل التي أُخليت.

كان أحمد درويش، نائب وزير الإسكان لشؤون تطوير العشوائيات سابقًا، قد عرض على أهالي مثلث ماسبيرو في مارس 2017 ثلاثة بدائل رئيسية كتعويض عن ترك وحداتهم السكنية في المنطقة. وهي  الحصول على تعويض نقدي بقيمة 60 ألف جنيه عن الغرفة الواحدة، بالإضافة إلى 40 ألف جنيه كتعويض عن ترك المسكن بشكل عام، أو الحصول على وحدة سكنية بديلة في مدينة الأسمرات، أو الحصول على وحدة سكنية في مثلث ماسبيرو عقب الانتهاء من تطويره، بعد 3 سنوات.

«مدى مصر»: بالنسبة لمثلث ماسبيرو، ألم يكن ممكنًا إعداد البدائل المعروضة على السكان بشكل مختلف يراعي البعد الاقتصادي والاجتماعي للأهالي مما يجعل من بقاء أغلبية الأُسر بعد تطويره أمرًا ممكنًا؟

خالد صديق: دعنا نعترف بالحقائق، عدد الأُسر المسجلة لدينا في الحصر 4531 أسرة. لكن مَن كان يعيش بشكل فعلي بشكل دائم داخل المنطقة يبلغ حوالي 50% من تعداد الأُسر. باقي الأُسر أثبتت أنها تعيش في المنطقة لكنهم متواجدون فقط بشكل مؤقت وغير دائم أو مستقر.

الناس التي حصلت على تعويض مادي لم يتمّ إكراههم على الخروج، بل رأوا أن التعويض النقدي هو الاختيار الأفضل لهم، لأنهم لو أرادوا البقاء في المثلث لاختاروا الحصول على شقة بديلة بالإيجار، خاصة أننا خفضنا القيم الإيجارية.

ومَن اختاروا الإيجار، هم أشخاص يريدون الستر فحسب، ولذلك قمنا بتخفيض قيم الإيجار لهم. أما مَن اختاروا التمليك فهم أشخاص يريدون الاستثمار، ولذلك لم نقم بتخفيض أقساط التمليك لهم.

«مدى»: سأستعير رد أحد المواطنين من مثلث ماسبيرو للتعليق على ما أثرته: «أنا لا أريد أن أستثمر، أريد فقط أن أضمن مستقبل أولادي».

خالد: هو كان ساكن في إيه؟ عمران فقير آيل للسقوط في أي لحظة، والعمر الافتراضي للمنطقة منتهي. وأغلب المستأجرين فيها كانوا من الجيل الثالث، وبالتالي عليهم قضايا من المُلاَّك لطردهم من منازلهم. أين الأمان في العيش في مبنى آيل للسقوط وفي شقة يوجد دعوى قضائية لطرده منها.

خلال 10 سنوات كانت منطقة مثلث ماسبيرو ستنتهي بفعل التقادم. ما أقدمه له [الساكن] هو بناية جديدة يمكنها أن تعيش 200 سنة وعقد إيجار يُورث مرة واحدة بعد المستأجر الأصلي بحسب قانون الإيجارات.

الدولة لم تقم ببيع المثلث للمستثمرين كما يُقال، بل حفظت حق الأهالي ومستقبلهم. ومن البداية، أرض المثلث ملك المستثمرين.

«مدى»: لا يملك المستثمرون كل أراضي المثلث.

خالد: أغلبية الأرض تملكها شركات استثمارية، وما يملكه السكان نحو 22% فقط من الأرض. والمنازل موجودة على كل أراضي المثلث بما فيها الأراضي المملوكة لمستثمرين، وليست نسبة الـ 22% فقط. لم تقم الدولة ببيع الأراضي لتلك الشركات، بل السكان أنفسهم مَن قاموا بالبيع في الفترات السابقة.

«مدى»: ما حدث أن أرض المثلث كانت وقفًا لأحد الأسر. وبعد انتهاء الفترة القانونية للوقف، باع الورثة معظم هذه الأرض للشركات الاستثمارية، وليس السكان أنفسهم مَن قاموا بالبيع.

خالد: من حكم في ماله ما ظلم. هل تملك الدولة أن تمنع شخصًا من بيع أملاكه الخاصة؟ والخلاصة أن الدولة لم تكن هي مَن باعت الأرض للمستثمرين.

«مدى»: ما أريد قوله هنا، أن البدائل المطروحة ربما دفعت الناس لمغادرة مثلث ماسبيرو بدليل أن نحو 3500 أسرة من 4500 أسرة اختارت الحصول على تعويض نقدي أو شقة بديلة في الأسمرات بدلًا من الحصول على وحدة سكنية في المثلث بعد تطويره. ألا يمكن تفسير ذلك بأن القيم الإيجارية وأقساط التمليك والإيجار التمليكي كانت تفوق القدرات المادية للسكان؟

خالد: الدولة طرحت 5 بدائل مختلفة، من بينها 3 بدائل للبقاء في المثلث بقيم مالية مختلفة حتى تسهل على الناس. الدولة لم تختر للناس عدم البقاء في المثلث على الإطلاق.

أقصى إيجار طرحناه على الأهالي في مثلث ماسبيرو بعد تطويره كان 1000 جنيه. أنت تعيش  في مكان مهدد بالسقوط بعد سنة أو اثنين، ومعرض للطرد منه بحكم محكمة بسبب القضايا المرفوعة ضد المستأجرين هناك. في المقابل، عرضنا على الأهالي مساكن جيدة ويمكن أن تستمر لسنوات دون قلق من سقوطها أو الطرد منها بقيمة لا تتجاوز 1000 جنيه، وتمّ تخفيضها لاحقًا إلى 600 جنيه، وبعقد إيجار قديم، غير مؤقت (يُورث لمرة واحدة). هذه قيمة عادلة جدًا للسكن في هذه المنطقة من القاهرة.

«مدى»: هل الحالة الاقتصادية لسكان مثلث ماسبيرو كانت تسمح بدفع مثل هذه القيم الشهرية، سواء للإيجار أو التمليك أو الإيجار التمليكي؟

خالد: سأخبرك بمفاجأة، أهالي مثلث ماسبيرو الذين طلبوا البقاء في المنطقة بعد تطويرها اختاروا الحصول على الشقة الأكبر بمساحة 102 متر، ومعظمهم اختار الإيجار التمليكي أو التمليك، وليس الإيجار.

«مدى»: هؤلاء يشكلون نحو 900 أسرة فقط من قاطني المثلث، لكن هناك 3500 أسرة خرجت من المثلث بتعويضات مادية أو وحدة سكنية بديلة في الأسمرات.

خالد: هؤلاء رأوا أن التعويض النقدي أفضل لهم. ومن كانت ظروفه لا تسمح بمغادرة ماسبيرو طلب الحصول على شقة بإيجار يتراوح بين 325 و600 جنيه، وهي قيمة قليلة جدًا للعيش في هذه المنطقة.

«مدى»: لكن حصول أغلبية الأُسر على تعويضات مادية قد يعيد إنتاج العمران الفقير في مناطق أُخرى.

خالد: مَن غادر مثلث ماسبيرو لديه بالفعل بديل قائم في مكان آخر، وإلا ما كان طلب الحصول على تعويض نقدي، خاصة أن بعضهم كانوا ورثة المستأجر الأصلي، وهم لديهم أماكن أُخرى يعيشون بها.

ويمكن لمَن حصلوا على التعويض المالي أن يتقدموا للحصول على إحدى وحدات الإسكان الاجتماعي التي أنشأتها الدولة وقيمتها بالكامل حوالي 220 ألف جنيه، وهي قيمة التعويض التي يحصل عليها الساكن في مقابل تركه 3 غرف في مثلث ماسبيرو. أي أن الدولة عوّضت أغلبية السكان بمبالغ أعلى من قيمة وحدات الإسكان الاجتماعي التي تبنيها.

الخلاصة أننا كنا مطمئنين أن التعويضات التي ندفعها لن تصنع مجتمعًا عشوائيًا جديدًا.

«مدى»: بعد الانتهاء من إخلاء مثلث ماسبيرو وهدم المنازل القائمة عليه، ما الخطوة التالية؟

خالد: وقعنا عقودًا مع كل الشركات المالكة لأراضي مثلث ماسبيرو بحيث تستقطع الدولة 40% من أصل أملاك الشركات لتوسيع الشوارع وإعادة بناء وحدات سكنية جديدة للأُسر التي ستعود للمثلث.

المستثمرون كان لديهم أحكام طرد للسكان وإزالة لمنازلهم، وكان من الممكن أن ننفذ الأحكام. لكننا فضلنا ألا يتمّ تشريد الأهالي. بدلًا من ذلك، اتفقنا مع المستثمرين أن نُخلي الأرض التي يملكونها، في مقابل أن تستقطع الدولة 40% من الأرض لاستخدامها في توسيع الشوارع، وبناء مساكن جديدة للأهالي الذين اختاروا العودة لمثلث ماسبيرو بعد تطويره. أي أننا حافظنا على مصالح المواطنين في النهاية.

الآن، بعد إخلاء الأرض، يمكن لكل مستثمر أن يقوم بالمشروع الخاص به على الأرض التي يملكها كما يشاء، سواء عن طريق الاستثمار بنفسه أو عن طريق مستثمر آخر، أو حتى بأن يطلب شراكة أو معاونة الدولة في استثمار أرضه.

«مدى»: لنذهب الآن للأسمرات. حصل سكان مثلث ماسبيرو على عقود تمليك لوحداتهم في الأسمرات، بينما يحصل باقي الأهالي التي يتمّ نقلهم من مناطق أُخرى على عقود حق انتفاع يتمّ توريثها مرة واحدة فقط، لماذا اختلفت المعاملة؟

خالد: سكان مثلث ماسبيرو الذين تمّ نقلهم للأسمرات لم يتقاضوا تعويضًا ماديًا مباشرًا عن تركهم أملاكهم الخاصة، وتمّ اعتبار ذلك التعويض الذي لم يحصلوا عليه مقدمًا لامتلاك هذه الوحدات السكنية الجديدة في الأسمرات. أما الأخرون فوضعهم مختلف، فهم يحصلون على وحدة سكنية، دون أن يدفعوا مقدمًا لها، ودون أن يكونوا مستحقين لتعويض مادي. وبالتالي يحصلون على هذه الوحدات بعقود حق انتفاع تُورث لمرة واحدة.

«مدى»: سكان الأسمرات يشتكون بشكل أساسي أنهم تمّ انتزاعهم من السياق الاجتماعي الذي ينتجون سُبل معيشتهم من خلاله في مناطقهم الأصلية، دون أن تكون عندهم فرصة إعادة إنتاج هذه الحياة في الأسمرات.. كيف ترى ذلك؟

خالد: ما زالت الحياة الاقتصادية والوسائل والعلاقات التي يعتمد عليها السكان في العيش موجودة في مناطقهم الأصلية، وبالتالي يمكن لهم أن يستمروا في ممارسة عملهم الأساسي كما هو في مناطقهم بينما يعيشون في الأسمرات.

سائق التوكتوك يمكنه أن يذهب إلى منشأة ناصر ليقود التوكتوك هناك، ومَن كان يبيع بضائع في محل في مكان ما ويعيش الآن في الأسمرات، يمكنه أن يذهب لمكانه الأصلي ليبيع كل يوم ويعود لبيته الجديد.

ليس من الضروري أن يكون السكن والعمل في مكان واحد، وهذا أمر غير موجود في مجتمعات العالم المتقدم. شبكة المواصلات بين الأسمرات ومنشأة ناصر وماسبيرو وغيرها من المناطق متوفرة بكثافة، وهي مواصلات عامة بأسعار مخفضة. شبكة المواصلات العامة في الوقت الحالي مختلفة عن الثمانينيات بالتأكيد. كما يتوافر في شارع 9 في المقطم كل شيء يحتاجه الأهالي، وتتوفر به مواصلات لكل مكان في القاهرة.

«مدى»: عندما تحدثنا مع بعض الأهالي من منشأة ناصر وجدنا أن المحال التجارية الخاصة بهم هُدمت مع المنازل التي أُزيلت لأنها مبنية في مناطق خطرة أو على أملاك الدولة، وبالتالي فقدوا مكان عملهم.

خالد: عدا المنازل في منطقتي الشهبة ووادي فرعون بمنشأة ناصر، معظم الورش والمحلات لم تكن في نفس العمارات السكنية، بل في مناطق أُخرى وبالتالي فهي ما زالت قائمة ويمكن لهم العمل بها.

«مدى»: يوجد نحو 290 محل في مدينة الأسمرات، غير أنهم ما زلوا مغلقين وغير متاحين للاستخدام حتى الآن، لماذا؟

خالد: أخّرنا افتتاح هذه المحلات لأننا نقوم بـ «تنميط» واجهات هذه المحلات ولافتاتها بحيث تكون جميعها متشابهة أو منضبطة وفقًا للتصميم، لتتفق وصورة المجتمع النموذجي. ولن نترك فرصة للعشوائية لتعود مرة أُخرى. ولاحقًا، سيتمّ عرض هذه المحلات في مزادات علنية.

«مدى»: هل المزادات العلنية هي الطريقة الأنسب لأهالي هذه المناطق بالمقارنة بمتوسطات الدخل الخاصة بهم؟

خالد: الغرض الأساسي من هذه المحلات أن تصبح هناك حياة في الأسمرات، وأن يجد المواطنون احتياجاتهم.

«مدى»: وماذا عن خلق فرص عمل للأهالي؟

خالد: ستتاح فرص للعمل بهذه المحلات، سيعتمد مُلاَّك المحلات على الأهالي للعمل بها. كما أن رئيس الحي الآن يحاول توفير فرص عمل لسكان الأسمرات في الخدمات الخاصة في المدينة بقدر المتوفر لديه. كما أن هناك 26 فدان خارج المدينة ستنشئ الدولة بها منطقة خدمية لتوفير فرص عمل للمواطنين.

«مدى»: لماذا لا توجد لجنة يشارك فيها سكان الأسمرات لإدارة المدينة بشكل تشاركي مع الجهات التنفيذية؟

خالد: لا توجد لجنة مشتركة مع الأهالي، لكن هناك لجنة على أعلى مستوى لمتابعة مدينة الأسمرات، بها ممثلين عن وزارات الداخلية والتموين والصحة والتضامن والإسكان وصندوق تطوير العشوائيات ومحافظة القاهرة والحي والمجلس القومي للأمومة والطفولة والمجلس القومي للمرأة ورئاسة الجمهورية.

وأذهب من وقت لآخر للأسمرات حيث ألتقي رئيس الحي والسكان لمتابعة مشكلاتهم وطلباتهم ومحاولة حلها.

كما أن المحافظة ستنشئ شركة مسؤولة عن إدارة الأسمرات وتيسير الأعمال والحياة بها. هذا مجتمع منشأ حديثًا، ومن غير الممكن أن يكون مكتملًا بنسبة 100% منذ لحظة إنشائه. لننتظر لمدة 4 أو 5 سنوات ونرى كيف سيكون شكل ذلك المجتمع بعدها.

اعلان