Define your generation here. Generation What
عالم ألبير قصيري مرسومًا: جولو يقدّم الشحاذين النبلاء
كسول وساخر وفيلسوف
 
 
 
من الرواية المصورة «شحاذون ونبلاء»
 

ربما تحويل نص روائي إلى رواية مصورة ليس بالأمر السهل، خاصة مع عمل روائي مثل «شحاذون نبلاء» (1955) لألبير قصيري. هذا ما فعله الفنان الفرنسي جولو، الذي صدرت الترجمة العربية لـ «شحاذون ونبلاء» المصورة في يونيو الماضي، تزامنًا مع ذكرى الرحيل العاشرة، للكاتب المصري الذي قال عنه هنري ميلر بأنه يكتب عن أعماق لليأس والانحدار لم يصل إليها لا دوستويفسكي ولا جوركي.

التزم جولو بالرواية الأصلية بحذافيرها، التي تبدأ كما في نسخته المصورة بمشهد معبر عن العبث والفناء اللذين يتخللان العمل، حيث يخيل لـ «جوهر»، البطل الرئيسي للقصة أن طوفانًا يغمر القاهرة، قبل أن يكتشف أنه يحلم وأن ما يغمر شقته ما هو إلا مياه يستخدمها جيرانه في غسل جثة عجوزة قد تسرب من تحت عقب الباب. ذكرتني البداية بالمشهد الافتتاحي للرواية المصورة « Watchmen» لألان مور وديف جيبونس، التي تبدأ بدفع رجل من النافذة، وكلاهما يعبر عن هشاشة الإنسان وعبثية الموت، إضافة إلى أنهما يجذبان انتباه القارئ منذ البداية، الذي يريد أن يعرف كيف ستؤثر حادثة الموت على باقي الرواية. وفيما تعالج «watchmen» فكرة الأبطال الخارقين الخارجين عن طوع المجتمع، يطرح قصيري وجولو فكرة أبطال خارقين من ناحية فلسفية، فهم برفضهم التأقلم في المجتمع والالتزام بشروطه، يتخطون حواجز الفقر والمهانة، وهكذا يخرجون عن طوع الحكومات القامعة هم الآخرون.

الرواية المصورة أو الجرافيك نوفيل بدأت تزدهر في آخر السبعينيات والثمانينيات، خاصة في أمريكا، بأعمال أرت شبيجيلمان وفرانك ميلر وألان مور، وهي تعد امتدادًا للكوميك، وما يميزها عنه أنها تخاطب قراءً بالغين، وتستند في سردها على تقنيات الرواية الكلاسيكية. يعتبرها النقاد الأمريكيون والأوربيون نوع شقيق للرواية الأدبية، وكما في الأدب توجد مدارس سرد مختلفة. فبينما سادت في الثمانينيات مدرسة تستند إلى الخيال، مثل «ماوس» (1980) وv for vendetta (1989)، بدأ مؤلفون كثيرون يحاكون الواقع مثلما في أعمال«برسبوليس» (2000) و«أستورويس بوليب» (2009). وهناك رسامون مثل جولو، الذين بجانب تأليف الأعمال بأنفسهم أو بالتعاون مع مؤلفين مثل ألان مور، يقتبسون الروايات الأدبية. وقد صدرت مؤخرًا عدة روايات مصورة مبنية على روايات كلاسيكية مثل «دون كيشوت» (2012) و«المحاكمة» (2013) و«موبي ديك» (2015).

وقد سبقهم جولو الذي نشر« شحاذون نبلاء» في 2011، وتقع أحداثها أيام الحرب العالمية الثانية، الوقت التي أعلنت فيه أمريكا عن عملها على تطوير قنبلة نووية. تتناسب الفكرة مع الفلسفة العدمية لبطل القصة جوهر، أستاذ جامعي سابق كان يدرس الفلسفة لمدة عشرين عام، قبل أن يكتشف أنه كان يروج لأكاذيب، ولذلك يقرر العيش مجردًا من الماديات في حي الأزهر، زاهدًا بلا عمل أو وظيفة أو مال. فقط الحشيش هو ما يُبقي حواسه يقظة. ويوفره له يكن، تلميذه العاطل القبيح الذي لا يرى النعيم إلا في النوم.

تشهد رسومات جولو بمعرفته العميقة لشوارع وحواري حي الأزهر حيث تقع أحداث الرواية. تقول الرسامة رانيا أمين، محررة مجموعة القصص القصيرة المصورة «خارج السيطرة» (2011):

«في شحاذون نبلاء باين قد إيه جولو كان على دراية بوشوش المصريين. ومصر عامة. الوشوش مصرية قوي. هو أكتر واحد جاب الروح المصرية في رأيي. التفاصيل الصغيرة. زي العيال اللي بتلعب في الشارع والمحلات.»

تتشابه حياة قصيري وجولو بدرجة كبيرة، فالفنانان متأثران بالثقافتين الفرنسية والمصرية سواء. لكن على نقيض قصيري الذي فضَّل الحياة في فرنسا، يعيش جولو في مصر منذ السبعينات، إلى أن غادر منذ حوالي ثلاث سنوات إلى عاصمة الكوميكس العالمية، أنغولم في فرنسا. وقد صدرت له عدة روايات مصورة تدور أحداثها في مصر. منهم «مدونات القاهرة» (2004و 2006). و«ألف ليلة وليلة في القاهرة» (2009, 2010، و«ألوان النذالة» (2003) وهي مأخوذة عن رواية أخرى لقصيري نشرت 1999.

قد تدفع ترجمة جولو  القراء المصريين لإعادة اكتشاف قصيري. فهو لم يأخذ حقه في بلده الأصل، رغم ما يحتله من مكانة عالية في الأدب العالمي. وقد كرمه مؤخرًا المخرج الفرنسي جان-لوك جودار في فيلمه الأخير« كتاب الصورة» الذي يقرأ فيه من رواية قصيري «طموح في الصحراء» (1984).

ولد قصيري في حي الفجالة في مصر لأبوين شاميين، وعاش في القاهرة حتى 1945، قبل أن يهاجر إلى باريس التي عاش فيها حتى مماته. هناك كان يتسكع مع عمالقة الأدب الفرنسي مثل جون بول سارتر وجان جينيه وألبير كامو. وقد جمعت الأخير صداقة خاصة بقصيري، وقد عرَّفه كامو على ناشره أيدموند شارلوت الذي نشر لقصيري روايته الأولى«بشر نسيهم الرب» (1941). رغم أنه كان يكتب بل ويفضل الحديث بالفرنسية بدلًا من العربية، حتى مع معارفه المصريين، إلا أن المصري قصيري رفض طوال ما حيا أن يحصل على الجنسية الفرنسية. وكانت كل رواياته تدور عن مصر أو العالم العربي، مثلما تدور روايات رفيق شامي، الكاتب السوري المقيم في ألمانيا، بالألمانية عن سوريا.

أما جولو فقد جاء إلى مصر وهو في العشرينات من عمره. حينها كان ينشر في مجلة «شارلي». وقد وقع في الحال في غرام القاهرة، ثم ما لبث أن تملَّك بيتًا في القرنة، قرب الأقصر، وهو ما ألهمه لتأليف روايته المصورة Chroniques de la nécropo «قصص من مدن الموتى» (2011). وهو عمل مشترك بينه وبين زوجته ديبو التي أضافت إلى سيرتهما الذاتية في القرنة صورًا فوتوغرافية لتضفي جانبًا واقعيًا على رسومات زوجها.

ويقوم جولو حاليًا بتحويل بيته بمساندة المركز الثقافي الفرنسي إلى residency»، أي ملتقى لرسامين كوميك دوليين سيقيمون فيه ويعقدون ورشات العمل مع رسامين مصريين وعرب نهاية العام.

أثناء حياته في مصر اعتاد جولو نشر رسوماته في مجلة «صباح الخير» و«الأهرام هيبدو»، وأقام عدة معارض، منها ورشة للكوميكس عام 2002، يعتبرها مجدي الشافعي، صاحب أول رواية مصورة مصرية «مترو» (2008)، والتي تمت مصادرتها ومحاكمة مؤلفها وناشرها لخدش الحياء العام، وضعت الحجر الأساسي لتطور الكوميكس في مصر. يتذكر محمد صلاح، رسام قصص مصورة وكاتب بمجلة الكوميكس «توك توك»، الورشة وأهميتها في حثه على التعامل مع الصور والكوميك بطريقة حرافية وجدية. وقد أثر فيه جولو بدوره كرسام.

«لما تتفرج على شغل جولو، على الرسومات المصرية والشعبية، بتلاحظ قد إيه بذل مجهود في استطلاع التفاصيل فيها بشكل فردي، بشكل احنا ما كناش بنشوفه، عشان بالنسبة لنا التفاصيل دي بديهية، وممكن تفوت علينا عشان احنا شايفينها كتير».

أسفرت تلك الورشة عن عدة مشاريع هامة، منها «مترو» و«كايرو كوميكس» وربما أيضًا «الفن التاسع»، الدار التي نشرت ترجمة « شحاذون نبلاء» في نسخة تشبه لدرجة كبيرة النسخة الأصلية، ونجحت في التحدي الأكبر؛ عَكْس الحوارات إلى اليمين في العربية بدلًا من اليسار.

وقد أجاد الناشر طبع الألوان الأصلية بجدارة تظهر متعة جولو الظاهرة في رسم المباني، العمارات الفخمة الأوربية في تناقض مع المواطنين الفقراء والحواري الشعبية والمساجد والمباني المهدمة في حي الأزهر. وخاصة مقهى «المرايا»، وهو اسم مقهى «الفيشاوي» سابقًا، الذي كرَّس له جولو عدة صور عريضة. ومثل في الروايات المصورة الأمريكية أو الأوربية يدع جولو بعض الرسومات خاصة للشوارع والمباني دون حوار لتتحدث عن نفسها وليتمعنها القارئ دون إلهاء.

بجانب الحوارات المأخوذة من رواية قصيري، زوَّد جولو بعض مقاطع السرد من الرواية لتبين مونولجات الأبطال الداخلية. ويكمن الجانب الإبداعي لجولو في تخيله للشوارع والحواري التي يتحرك فيها الأبطال، خاصة في رسم المقاهي والمباني بتفاصيلها الصغيرة التي ينغمس القارئ في استكشافها، كما في أي لوحة متقنة. يذكرني جولو بالمتلصص، الذي يجرد البشر من خصوصيتهم، ويكشف برسوماته إقبالهم على الحياة بقبحها وأسرارها وحلاوتها.

تعكس رسوماته تفاصيل صغيرة مثل اليد المنغمسة في الدماء الملتصقة بالحوائط. ولمة الجالسين على المقاهي الشعبية يقرؤون الجرائد ويدخنون الشيشة. ومساحو الأحذية القابعين في ركن الصور. والمبخرين. ومجمِّعي السبارس وإلخ.

تتشابه «شحاذون نبلاء» مع « الجريمة والعقاب» (1866) لفيودور دوستويفيسكي، فيما يتعلق بالجريمة والمطاردة البوليسية والحوارات السيكولوجية بين القاتل والمحقق. إلا أن قصيري على نقيض دوستويفيسكي لم يكن مهتم بفكرة الذنب والتوبة حسب المفاهيم المسيحية. حادثة القتل عند قصيري تقع بطريقة عبثية دون أن تشعر القاتل بذنب، كما جريمة القتل في رواية « الغريب» (1942) لكامو. مما يراه البطل جوهر كدليل على أن المفاهيم الإنسانية الراسخة مثل العدالة والعقاب فقدت معانيها بسبب انحدار المجتمع والفساد السياسي.

تقول دكتورة حنان منيب، أستاذة الأدب الفرنسي، في الندوة التي تلت حفل توقيع الكتاب: «فيه بعض القراء جايز يلاقوا تشابه بين جوهر وقصيري اللي عاش بلا أي قيود ولا عمل منتظم. هو كان برضو شايف الحياة عبثية، ما تستحقش الجدية التي بنصرفها فيها. قصيري كان ضد كل الارتباطات الاجتماعية. ضد أن الإنسان لازم يشتغل كل يوم وضد الجواز. كان بيعشق حريته، عايش حياة متواضعة في باريس. أنا فاكرة لما كانوا عاوزين يكرموه في مصر قبل ما يموت، وهو كان مستغرب جدًا الفكرة. ليه يكرموني؟، سألني بالفرنساوي. أنا ما قدمتش حاجة تستاهل».

قدمت المخرجة الراحلة أسماء البكري (1941 – 2015) معالجة سينمائية للرواية نفسها عام 1991. فيلم من بطولة صلاح السعدني ومحمود الجندي. وقد التزمت بدرجة كبيرة بنص قصيري، خاصة الحوارات، وحتى بمثلية المحقق في جريمة القتل المحورية في الرواية، الذي قام بدوره عبد العزيز مخيون. إلا أنها أضافت وغيرت بعض المشاهد، خاصة في النهاية. مركزة على رمزية القنبلة النووية.

تذكر الدكتورة منيب لدى تكريم قصيري في 2004 في معهد العالم العربي القاهرة وحضوره حلقة نقاش في وجود المخرجة البكري، أنه عبر عن اعتراضه وسخطه للبكري، زاعمًا أنها أتلفت روايته. وقد صورت البكري رواية أخرى لقصيري،« العنف والسخرية» (1964) وعرض الفيلم 2003، وتقول د. منيب أنها لا تدرك تحديدًا أي رواية قصد قصيري أنها أتلفتها.

الرواية تحتوي حوارات ساخرة وفلسفية لقصيري، أجاد جولو اختصارها، وهو تحدي هائل، لأن رواية قصيري تبلغ مائتين وثلاثون صفحة، بينما اختصر جولو الكوميك في ثمانين صفحة فقط. بالتالي تأتي بعض النقلات بين الأحداث في الرواية المصورة بغتة. إضافة إلى أن الرواية تحتوي حوارات عديدة، وهي من الناحية البصرية غير ممتعة للقارئ لتركيز جولو على الوجوه. إلا أن على نقيض الروايات المصورة التي يؤلفها رسامون يفتقرون الكتابة والحبكة الدرامية، كروايات سوبرمان مثلًا، فالتزام جولو بنص قصيري أضفى جودة أدبية عالية على الكوميك.

يتمنى مجدي الشافعي الذي يرى أن الترجمة الأقرب لعنوان قصيري هي «شحاذون متعنتظون» ترجمة المزيد من أعمال الكوميكس الكلاسيكية والجذابة لتحبب القراء في المجال.

«فيه تحول إنساني رهيب بيحصل في العالم. أنا نفسي أعمال شهيرة موبويس الخيالية، أو أكيرا لكاتيشتره أوتومو الياباني، أو المانجا اليابانية عامة تترجم للمصرية».

وقد قامت د. منى صبري، مدرسة لغويات ترجمة بجامعة الأزهر، بترجمة جولو إلى العامية، ذلك لأن شخوص قصيري تتحدث المصرية في روايته الفرنسية. في شتائمه مثلًا. أو في بعض المصطلحات مثل: يا نهار أسود. وقد حاولت صبري استخدام لغة عامية من أربعينات القرن العشرين، بمصطلحات مثل عزيزي أو ممنون والماخور. واتفقت مع دار النشر أن تترجم الشتائم بأول حرفين فقط والباقي في نقاط. وهي دافعت على اختيارها كلمة نبلاء، لأن orgueilleux التي اختارها قصيري عنوانًا في الفرنسية تعني الكرامة.

بعد فراغي من رواية جولو تنزهت في حي الأزهر الذي صوره جولو برؤية قصيري، وقد انتابني شعور بالألفة، وأنا أستعيد الرسومات والوجوه والشوارع، التي أظن أنها لم تتغير في جوهرها. وقد حثتني صور جولو على التمهل والالتفات لأدق التفاصيل والانطباعات التي تكون واقعنا، وكأنه قام بتفكيكها قطعة قطعة، قبل أن يلحمها إلى كينونتها من جديد.

لكن رغم الواقعية التي ظهرت في تفاصيل الرواية، قد يكون قصيري أو جولو صورا الفقر والبؤس برومانسية غير حقيقية. تقول د. منى صبري أن قصيري قدّم شخصيات مثيرة للجدال دون أن ينتقدهم. لكن يخيل لي أن ذلك ما أراده قصيري تحديدًا، أن يستفز القارئ، ويتحدى مفاهيمه للمبادئ الثابتة، كالطموح والمكانة في المجتمع. فتتناسب صور جولو المبهجة والملونة، رغم تجسيدهم للبؤس الظاهر، مع فلسفة قصيري الساخرة من مراسم الحياة الكاذبة. وهي صور تمرِّن العين على التجرد من الانطباعات المسبقة، لترى الحياة لحظة بلحظة، أو صورة تلو صورة، حتى يتراءى له طابعها العبثي والبريء لدرجة طفولية.

سيكون في انتظار محبي الكوميكس في مصر، صدور عدد من الروايات المصورة الفترة القادمة، فهناك مثلًا رواية دينا محمد «شبيك لبيك» ستصدر في أغسطس 2018، فيما يتم حاليًا ترجمة « نوم الوحش» (1988) لإنكي بلال إلى العربية، المنتظر صدورها خلال مهرجان كايرو كوميكس الثالث سبتمبر 2018. كذلك من المنتظر أن تظهر في نهاية العام ترجمة الجزء الأول من «ألف ليلة وليلة في القاهرة» (2009و 2010) لجولو، وترجمة الجزء الثالث من «أفضل الأعداء» (2014) لديفيد ب. وجون بيير فيليو. إضافة إلى ترجمة «أوليس» (2014) للفرنسي جون هرامبات.

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد