Define your generation here. Generation What

ضريبة «الإصلاح» المستقطعة من أجر مي وكريمة

مي وكريمة ليستا من شخصيات الدراما، على غرار هند وكاميليا، ولكنهما فتاتان في العشرينات من العُمر، تحاولان شق طريقهما في سوق العمل، إلا أن الضريبة الخفية لسياسات «الإصلاح الاقتصادي» تجعل مساعيهما للعمل تبدو وكأنها غير مجدية، أو هكذا يبدو الأمر من تعليقاتهما على «فيسبوك».

خلال مايو ويونيو الماضيين أعلنت الحكومة عن قرارات متتالية زادت من أسعار المواصلات، إما بشكل مباشر عن طريق رفع تذكرة مترو الأنفاق، أو غير مباشر من خلال زيادة أسعار الوقود، وهو ما كان بمثابة حصار للكثيرين من أبناء الطبقة العاملة، إذ لم يعد هناك ملاذ للهروب إلى وسيلة نقل رخيصة، سواء كانت تعبر فوق الأرض أو تخترق باطنها.

وفي أعقاب الإعلان عن الأسعار الجديدة لمترو الأنفاق، كتبت كريمة حسين، التي تعيش في القاهرة وتعمل بوظيفة إدارية في وسط البلد، على حسابها في فيسبوك، تقديرًا أوليًا لتكاليف مواصلاتها اليومية بعد هذه الزيادة، فوجدت أنها ستدفع ما لا يقل عن ألف جنيه شهريًا فقط للانتقالات. ثم شعرت بالصدمة مع الزيادة التالية لأسعار الوقود التي سترفع أيضًا من تكلفة الميكروباص.

ولكي نفهم المعضلة التي تواجهها كريمة نحتاج للعودة إلى منشور سابق، قبل عام تقريبًا، شرحت فيه معاناتها للعثور على وظيفة براتب شهري في حدود 1500 جنيه، وإذا كانت وظيفتها الحالية من هذه الفئة، فهذا يعني أن زيادة تكاليف المواصلات تكاد تجعل العمل غير مجدٍ ماليًا، حيث ستنفق النسبة الأعظم من راتبها على الانتقال والعودة إلى المكتب.

من تعليقات الصحفية الشابة مي عبد الغني عليها، نرى أنها تستطيع الوصول لوظائف في القاهرة بأجر أكبر، لكن معضلتها مع المواصلات ليست بالأمر الهين، فهي ليست من أبناء العاصمة، لذا تضاف لمصاريف المواصلات اليومية تكلفة زيارة الأهل في البلد الأصلي.

كما أن حياة المغترب بطبيعتها تتسم بارتفاع التكلفة، فالشباب في مطلع العشرينات عادة ما يعتمدون على أسرهم في توفير المسكن والغذاء حتى تتطور مهاراتهم وينتقلوا لرواتب أعلى، وهذه الظروف لا تتوافر بالطبع لمَن تنتمي أسرهم لمحافظات أخرى غير تلك التي يقع فيها موقع العمل.

وتروي مي، في منشور لها بتاريخ 18 يونيو الماضي، أن مصروفات غذائها الشهرية زادت بعد التعويم من 400 جنيه شهريًا لحدود 700 جنيه، والمواصلات داخل القاهرة أصبحت تكلفها 500 جنيه يضاف إليها ما يقرب من 200 قد تحتاج إلى إنفاقها لتدبير انتقالات ترتبط بالعمل أيضًا، هذا طبعًا بخلاف نفقات السفر للأهل التي تتكلف 250 جنيه.

وبحساب الإجمالي، فإن النفقات الشهرية الضرورية لحياة شابة عاملة مثل مي تصل إلى حوالي 4000 جنيه، وهو ما أوصلها لنفس سؤال كريمة عن جدوى العمل إذا ما كانت ستنفق راتبها على التكاليف المرتبطة بالوصول إلى الوظيفة؟

هاتان القصتان قد تتعارضان مع الصورة التي يميل بعض السياسيين ومؤسسات التمويل الدولية لإبرازها بشأن خطة إعادة هيكلة الدعم، فالشعار الذي ترفعه الحكومة وصندوق النقد الدولي لتبرير زيادات أسعار بنود الطاقة هو «إيصال الدعم لمستحقيه».

وتحت هذا الشعار، يركز البعض على أمثلة متطرفة في دلالتها تتعلق باستفادة الطبقات المترفة من الدعم القائم، مثل الحديث عن أن السفراء الأجانب يشحنون سياراتهم الفارهة بالبنزين المدعم.

لا يخلو هذا من الحقيقة، لكن القاعدة العريضة من المواطنين، من أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة أيضًا، تعتمد على مواصلات تسير بوقود مدعم، بل إن معدل الزيادة في الوقود الأساسي لمواصلات هذه الطبقة كان أعنف من نسبة ارتفاع الأصناف النقية من بنزين السيارات الفارهة.

فمنذ بدء برنامج إعادة هيكلة دعم الطاقة في 2014 وحتى الآن، ارتفع سعر لتر السولار، وقود الميكروباصات التي تعتمد عليها الطبقات الوسطى والدُنيا لسد عجز المواصلات العامة في العديد من المناطق، بنحو 400%، بينما زاد سعر لتر بنزين 95، وقود سيارات الطبقة المترفة، في 2012، ثم عبر قرارات متتالية في السنوات اللاحقة بنسبة 181.8%.

والواقع أن برنامج إعادة هيكلة الدعم لم يكن بهذه القسوة من البداية، فوزير التخطيط السابق، أشرف العربي، كان يروج في 2014 إلى أن تعميم زيادات أسعار الوقود على كل الطبقات يقتصر على المراحل الأولى فقط من هذا البرنامج، والهدف منه إيصال رسالة لكل طبقات المجتمع بجدية الحكومة في «الإصلاح»، وأن المراحل التالية ستُقصر رفع الدعم على الطبقات المترفة، بينما سيتوفر الوقود بسعر مدعم للطبقات الأدنى.

كيف كانت الحكومة آنذاك تنوي إيصال دعم الوقود للطبقات الأدنى؟ كانت الوسيلة المطروحة في 2014 هي الكروت الذكية التي سيقدّمها المستهلك لمحطة البنزين للحصول على الوقود، والتي ستكون بمثابة بطاقة هوية تحدّد مستوى السيارة، والمرتبط بطبيعة الحال بمستوى دخل مالكها، أو الغرض من استخدامه لهذا الوقود، والذي يتحدد على أساسه أيضًا مدى استحقاقه للدعم.

لكن المفاجأة أن وزير البترول الحالي، طارق الملا، فور حلف اليمين أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد انتخابه لدورة رئاسية ثانية هذا العام، أعلن عن إلغاء الكروت الذكية، بل وانتقد فكرة وجود سعرين للوقود، وقال إن الحكومة تخطط لإنهاء الدعم على البنزين تمامًا.

كان الإعلان عن تعميم تحرير أسعار الوقود بمثابة الضربة القاضية للمنطق القائم وراء سياسة «إيصال الدعم لمستحقيه»، فالفلسفة المفترضة لسياسة إعادة هيكلة الدعم هو أن نظام الدعم القديم يعيبه كونه «معممًا»، أي أن الدولة توصل الوقود والكهرباء لكل الطبقات بسعر واحد، وهو ما يفتح الباب لاستفادة الأغنياء من هذا الدعم.

وإذا أقررنا بأن هذه مشكلة، رغم أن فكرة الدعم المعمم لا تزال مطروحة في العديد من البلدان، فإن الدولة تعالج مشكلة المنح المعمم للدعم، عبر إلغاء الدعم بشكل معمم، هو الآخر، فلا يفرق بين غني وفقير.

وزعمت الحكومة أنها تعوض المواطنين عن تقليص دعم الطاقة بسياسة جديدة للدعم الموجه، أو ما يعرف بالـ «means tested assistance»، وهي أشكال من المساعدات تُمنح على أساس اختبار لمستوى دخل المتلقي. وتمثلت تلك المساعدات في معاشات تكافل وكرامة، حيث تُوجَّه الأولى للأُسر الفقيرة، والثانية للفئات الهشة مثل المسنين والمعاقين.

ولا شك أن لهذه المعاشات أثرًا إيجابيًا، لكن الحكومة تطرحها دون فلسفة واضحة، أي أنها لا تحدد لنا الأثر الاجتماعي لتحرير دعم الطاقة على الفئات الفقيرة، وقدرة هذه المعاشات، من حيث القيمة، على تعويضهم عن هذا الأثر. كما أن هذه المساعدات لا تستهدف الطبقة الوسطى، التي مثَّل تحرير الوقود عبئًا متصاعدًا عليها.

وإلى جانب المساعدات النقدية طبّقت الدولة زيادتين استثنائيتين في أجور موظفي الحكومة، وهو أمر إيجابي أيضًا، لكنه لا يشمل إلا الموظفين لدى الدولة.

كما طبَّقت الحكومة أيضًا، وفي إطار برنامج «الإصلاح»، نظام الخصم الضريبي، الذي تتنازل بموجبه الدولة عن نسبة من الضرائب التي كانت تستقطعها من الرواتب، في محاولة لتحقيق قدر من العدالة. لكن مزايا هذا النظام تقتصر على العاملين بتعاقدات رسمية، كما أنه، وبسبب الطريقة التي صُمم بها، لم يتمتع بفعالية كبيرة في تحقيق هدف العدالة؛ أن يسترد الأدنى دخلًا نسبة أكبر من الضرائب التي كان يدفعها.

وتحت وطأة زيادة بنود الطاقة، قد تكون السياسة الأكثر فاعلية في تخفيف صدمات «الإصلاح» هي زيادة قيمة دعم الغذاء، وهو أمر طريف حقًا، إذ أن «التموين» من الوسائل المندرجة تحت بند الدعم المعمم، والذي تنتقده الدولة وصندوق النقد بشدة، لكنهما لم يجدا غيره كقناة لإيصال قدر متواضع من الملطّفات تخفّف عن القاعدة الأوسع من المواطنين، ولو بقدر محدود، احتقان التضخم.

لذا فإن الطبقة العاملة لدى القطاع الخاص من دون تعاقدات رسمية، وهي نسبة غير هينة من العاملين بأجر، خاصة وأن نسبة العاملين بعقد قانوني تقتصر على 53.8%، لم يصلها أي تعويض عن زيادة الطاقة وإجراءات الإصلاح الأخرى، وعلى رأسها التعويم، باستثناء زيادة دعم التموين الذي يمثل بندًا واحدًا من نفقاتها المتعددة. وهو ما دفع الكثيرين للسخرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي من الحديث عن استفادة المواطن من الإصلاح الاقتصادي.

وبالعودة إلى معضلة كريمة ومي، في البحث عن وظيفة تحقق دخلًا يفوق قيمة ما يجري إنفاقه بشكل يومي على العمل، فإن دراسة للبنك الدولي صدرت في 2014 تخبرنا أن هناك الملايين من القصص المشابهة لهاتين الحكايتين بين أبناء الطبقة العاملة المصرية.

تقدّر الدراسة أن ربع المصريين تقريبًا لا يسكنون بجوار الأماكن التي توظفهم، لذا فهم مضطرون لتكبد مشاق الانتقال إلى أعمالهم، وتحمل مصروفات هذه الانتقالات بالتبعية.

وبشكل أكثر تفصيلًا، فإن الدراسة تقدر أن 13.8 في المائة من العاملين المدرجين في وظائف فعلية يتنقلون بين المحافظات من أجل وظائفهم، وأن 26.4 في المائة يتنقلون داخل المحافظات.

وتعد هذه التنقلات، التي تطلق عليها الدراسة تعبير «Commuting»، أكثر شيوعًا بين العاملين في ريف الدلتا، حيث أن أكثر من ثلث العمالة في هذه المناطق تعمل في أماكن غير تلك التي تسكن فيها، فـ 10% منها تعمل في المدن الكبرى، و14.1 % في مدن الدلتا.

في المقابل، فإن سكان المدن الكبرى ذات الامتدادات الحضرية، والتي تشمل القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد، هم الأقل حاجة لمثل هذه التنقلات، وتعلّق الدراسة بأن هذا «ليس أمرًا مفاجئًا».

فالعمالة تهاجر يوميًا لأماكن عمل بعيدة في المدن الكبرى، لأن مستويات الأجور هناك ترتفع بشدة عن الأجور المطروحة في أماكن العمل المجاورة لسكنهم، كما تتمتع تلك المدن بمستويات أعلى من حيث الطبيعة الرسمية لتعاقدات العمل، وهو ما يوفر شكلًا أفضل من الحماية الاجتماعية للعاملين.

بتعبير آخر، لا يمكننا تصور أن مي عبد الغني قد تستقر في المنصورة للعمل كصحفية، لأن مقار الصحف اليومية الكبيرة كلها في العاصمة، ولو كان لها حظ في وظيفة بالقرب من مسقط رأسها، فستكون غالبًا مراسلة صحفية لا تتمتع بنفس الامتيازات المادية التي يحصل عليها العاملون في صالة التحرير الرئيسية بالقاهرة، كما لن تكتسب الخبرات المهنية التي تمكِّنها من زيادة دخلها على المدى الطويل.

ويواجه الحاصلون على الشهادات العليا من مختلف المجالات، ممَن يسكنون خارج المدن الكبرى، نفس المعضلة في ظل تركز أغلب الأنشطة الخدمية في هذه المدن، فهم يعانون من عيوب نموذج التنمية المصري ومركزيته الشديدة، التي تجعل العديد من الأنشطة الاقتصادية التي تحتاج مهارات مرتفعة، وأجر مرتفع بالتبعية، متركزة في المدن الكبرى.

وإزاء هذه المشكلة، يصبحون بين خيارين سيئين، إما استنزاف حياتهم وصحتهم في تنقلات يومية إلى المدن الكبرى وإنفاق النسبة الأكبر من دخولهم على هذه التنقلات، أو القبول بالعمل في وظائف أقل أجرًا تستهدف بالأساس العمالة غير الماهرة.

وهناك خيار ثالث، وهو الامتناع عن العمل والاعتماد على الأسرة في تدبير النفقات الأساسية. وقد يفسر لنا ذلك، ولو جزئيًا، بيانات جهاز الإحصاء التي تظهر ارتفاع مستويات البطالة بين أصحاب المؤهلات العليا، مقارنة بالأميين أو أصحاب المؤهلات الدُنيا المحرومين من خيار الامتناع عن العمل بسبب فقرهم الشديد. فبحسب آخر التقارير ربع السنوية عن القوى العاملة المصرية وصلت معدلات البطالة بين أصحاب المؤهلات الجامعية إلى 25.5% بينما اقتصرت على 1.2% بين الأميين.

وفق هذه المعطيات نستطيع القول إن ما يعرف بـ «برنامج الإصلاح الاقتصادي» ينطوي على «ضريبة طاقة» تُفرَض على الأقل دخلًا والأكثر حرمانًا من فرص التنمية.

فلكي تحصل مي عبد الغني على وظيفة في العاصمة عليها تسديد ضريبة تشمل تكلفة سفرها من القاهرة وإليها، بالإضافة لنفقات الانتقال داخل العاصمة، وتصل في مجملها إلى 20% تقريبًا من راتبها.

وتدفع كريمة حسين، المقيمة في القاهرة، ضريبة الطاقة أيضًا، فهي تسكن في حلوان، المنطقة النائية في العاصمة، حيث تتركز المساكن الأقل كلفة من تلك الموجودة في قلب العاصمة، وتضطر لقطع رحلة طويلة بمترو الأنفاق لكي تصل لمقر العمل في وسط البلد. ووفقًا للنظام الجديد لتسعير تذاكر المترو، تزيد تكلفة التذكرة كلما زاد عدد المحطات، لذا فإن ضريبة الطاقة المفروضة على المترو تبدو وكأنها تستهدف الفئات الأقل دخلًا من الساكنين على أطراف العاصمة بشكل أساسي.

وبجانب ضريبة البترول، هناك أيضًا ضريبة الحياة اليومية، فالطبقة العاملة في الوقت الراهن تضطر لقضاء ساعات طويلة في مواقع العمل، في ظل هيمنة نمط القطاع الخاص على سوق العمل. وقد ساهم هذا النمط في خلق ثقافة الوجبات السريعة في العالم كله، ولم تعد الوجبات الجاهزة التي تصل للموظف في مكتبه بمثابة رفاهية، وإنما بالعكس، أصبح طهي الغذاء في المنزل الآن بمثابة رفاهية لا تتاح إلا لمَن يعمل ساعات قليلة في اليوم، ولديه وقت لهذا النشاط.

وتشير دراسات إلى أن تكلفة الوجبات السريعة في مصر زادت بنحو 30 % بعد تعويم الجنيه في نوفمبر 2016. وليست زيادة تكاليف الخامات المستوردة بعد التعويم هي العامل الوحيد المؤثر في أسعار الوجبات السريعة، فالدولة أيضًا توسعت في إخضاع هذه الأنشطة لضريبة القيمة المضافة حسبما تشير تقارير صحفية.

قد يذهب البعض إلى أن موازنة الدولة لا تحتمل الإنفاق على الدعم كما كان الأمر في العقود السابقة، وهو رأي فيه قدر من الوجاهة، ففي مراجعته الثالثة لما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر، يقول صندوق النقد الدولي إن الهيئة العامة للبترول عجزت عن تحقيق الأهداف التي كانت موضوعة لها بشأن تخفيض المبالغ المتأخرة عليها لصالح الشركات الأجنبية التي تقوم باستخراج البترول من مصر. وكان من المفترض أن تكون الهيئة قد خفضت تلك المديونيات وقت المراجعة بقيمة 400 مليون دولار، لكنها عمليًا لم تقدر إلا على تخفيض نصف هذا المبلغ.

الهيئة عاجزة عن سداد مديونياتها بينما تقوم بمثل هذه الزيادة العنيفة في أسعار الطاقة. علينا إذن الخجل من أنفسنا ونحن ننتقد الدولة في إجراءات رفع الدعم، هذا هو الاستنتاج الذي سيقفز إلى ذهنك للوهلة الأولى.

والسبب في هذا الاستنتاج هو أن الدولة أصبحت تتعامل مع الجهات المقدمة للخدمات العامة كشركات تجارية، لدى كل منها موازنة مستقلة عن الدولة ترفع السعر كلما زادت الخسائر، هكذا أصبحت الأمور تُدار في حالات هيئة البترول أو شركات الكهرباء والمياه، وحتى إن كانت بعض الجهات الخاسرة تتلقى دعمًا من الدولة لمساندتها فهي تظل تشكو من الخسارة وتمهد لزيادة الأسعار.

أما إذا فكرنا خارج هذا الصندوق، فسنجد سلعًا مثل الوقود والماء والكهرباء تباع وتُشترى بطريقة السوق، بينما لا يفترض بها هذا، لأنها ليست سلعًا ترفيهية، بل هي من أساسيات الحياة. صحيح أن الدولة يجب عليها الاقتصاد في الإنفاق على دعمها بقدر الإمكان حتى لا تجد نفسها مثقلة بديون لا طائل لها، لكن الاقتصاد لا يكون للدرجة التي تجعلها تتخذ قرارات توقن هي نفسها أنها ستدفع شرائح واسعة من المواطنين إلى الفقر.

هنا علينا الانتقال للحديث عن الموارد، وكيف يغيب مفهوم العدالة عن سياساتنا الضريبية، وإمكانية توريد المزيد من الأموال للخزانة العامة إذا تغيّرت الفلسفة الضريبية وأصبحت أكثر ميلًا للاقتطاع من الأعلى دخلًا، ويكفيك عزيزي القارئ أن تلقي نظرة على اجتهادات مركز حلول السياسات البديلة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة لتجد العديد من الاجتهادات التي تؤكد على إمكانية زيادة موارد الدولة من خلال زيادة الإيرادات الضريبية، بدلًا من الاقتطاع من الإنفاق على المواطنين.

لكن الخطاب الحكومي يهمش هذه القضية، ويقدّم ضرائبه المفروضة على الطبقة العاملة كفرض عين لا مفر منه، ليقتصر الهدف الرئيسي من العمل لدى قطاع واسع من أبناء الطبقة الوسطى، فقط على عدم السقوط في الفقر.

اعلان