Define your generation here. Generation What
المطربون و23 يوليو.. من الغناء للملك للتغني بناصر
 
 
تحية حارة لعبد الناصر من محمود شكوكو، خلال حفل للأخير
 

تمر اليوم ذكرى  23 يوليو 1952، الثورة التي أحدثت تغيّرًا جذريًا  على كل الأصعدة، بما فيها بالطبع الموسيقى، والتي ربما تمّ إعادة تشكيلها أو بمعنى أدق تم تحديد مسارها، خاصة في السنوات الأولى من «الثورة»، حيث أصاب التحوّل المفاجئ من الملكية للجمهورية الجميع بالتخبط، خاصة أهل الفن.

كان هدف كل مطربي قبل الثورة، هو التقرب من الملك، إما بأغنية مهداة خصيصًا له، أو بالغناء أمامه في حفلات عامة أو خاصة، كان الموضوع أشبه بالأمر الطبيعي، كلنا هنا ننحني للملك، من أجل أن يرضى عنّا، لم يكن أحد يتوقع أن في ليلة وضحاها، تحدث كل هذه التغيرات، ويصبح الجيش هو المسيطر على الدولة، وينتهي عصر الملكية، ليأتي عصر آخر، أهم ما يميزه وقتها أنه عصر جديد، لا أحد يعرف كيفية التعامل معه، يشعرني بنفس إحساسي وأنا أتعامل مع كمائن الجيش بعد ثورة 25 يناير، والتي كانت المرة الأولى التي نجد كمائن للجيش بدلًا من الشرطة.

دعونا نتفق أن المطرب غالبًا في مصر تابع لسياسة الدولة الحاكمة، أي كانت هذه السياسة، وأن ما دون ذلك، ما هم إلا نوادر يجود بهم الزمن، ممَن يكون لهم موقف واضح من سياسة الدولة، لكن الغالبية تكون في صف الدولة، ولكن ما هي ماهية الدولة ومطالبها في تلك الفترة؟

لم يكن أحد عنده القدرة على التنبؤ بذلك بشكل صحيح، الكل في حالة تخبط وخوف أيضًا، خاصة مَن كانوا على علاقة مقربة بالملك، مثل أم كلثوم وليلى مراد، أو مثل محمد عبد الوهاب الذي حاول الحصول على البكوية، بغنائه «أنشودة الفن»، لكن لم تساعد الأغنية عبد الوهاب في أن ينال مُراده، حتى بما تحويه من مقطع يمجّد فيه الملك: «والفن مين شرفه غير الفاروق ورعاه/ انت اللي أكرمت الفنان ورعيت فنه/ رديت له عزه بعد ما كان محروم منه/ ورويت فؤاده بالألحان برضاك عنه».

 

كان التخبط عند الطرفين، أو هكذا وصل إلينا، أن جمال عبد الناصر هو من أمر بعودة أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، بعد قرار بمنع أغانيهما. ربما كانت تلك القصة، ما هي إلا تجميلًا للطرفين، للرئيس مُقدِّر الفن ورواده من طرف وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب من الطرف الآخر.

بالطبع أشعر بكم التخبط الذي عاناه كل من أم كلثوم، وعبد الوهاب، فهما يعلمان علم اليقين أن الوقوف ضد الدولة أو الحاكم في شخصه، سيقلّل فرصهما بشكل كبير في التربع على قمة الغناء. بالطبع تعددت الروايات لهذه الفترة، وتداخلت وتشابكت، ولم يتضح أيهما أقرب إلى الحقيقة، لكن الأكيد في كل هذه الروايات، أن أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب واجها صعوبة مع بداية الثورة، وخطرًا من فَقْد مكانتهما الموسيقية، خاصة لو أقرّينا بصحة الرواية التي تقول إن محمد نجيب كان يفكر في تقديم ليلى مراد على أنها مطربة مصر الأولى بدلًا من أم كلثوم، وهي الرواية التي تستند على قلة عدد الأغاني التي قدمتها أم كلثوم في السنوات التي تلت الثورة، والتي حتى كان أغلبها أغاني وطنية ثورية، لكن ما يدحض هذه الرواية قليلًا، أن أم كلثوم غنّت في حفلة في نهاية عام 1952، كما هو مثبت في أرشيف حفلاتها، وكان محمد نجيب حاضرًا للحفل.

أم كلثوم وعبد الوهاب استطاعا تخطي هذه الموجة العاتية الجديدة، بل تمكّنا بذكائهما وشعبيتهما السابقة في أن يكونا من رموز الثورة فيما بعد، وأحد الأعمدة التي يتكئ عليها جمال عبد الناصر. عرفت أم كلثوم بذكائها و بمعاونة المقربين، أن عبد الناصر هو رجل الفترة القادمة وليس محمد نجيب، بعكس ليلى مراد التي راهن عليها نجيب، وراهنت هي عليه، فخسرت مكانها، واعتزلت الغناء بعد سنوات قليلة. كان الكل يحاول تقديم فروض الولاء للسلطة الجديدة، وكانت أيضًا السلطة تريد أن تقدم نفسها للشعب، على أنهم قادمون لوقف الفساد وبداية عهد جديد لدولة مدنية، حتى إننا نجد إسماعيل يس يغني باسم محمد نجيب، ويشتم عصر الملك وفساده، في مونولوج «عشرين مليون» والذي ظهر بعد الثورة بعدة شهور في فيلم «اللص الشريف».

«كان عهد فساد إسود وسواد على شعب أصيل وكريم

والمولى أراد كان بالمرصاد وسمع شكوى المظاليم

كان فرجه قريب وسميع ومجيب والجيش ونجيب عملوا الترتيب»

تدريجيًا بدأت تظهر مطالب مجلس الثورة، وعلى رأسهم عبد الناصر من المطربين والمطربات: أن يقتنع الشعب بالثورة ويحبها، ويقدرها، ويرى فيها المنقذ السحري من كل ما كان يحيطهم من فساد وسرقة وظلم. لذا كان على المطربين تقديم ذلك من خلال أغانيهم. لم يكن المطلوب تقديم أغاني وطنية، بقدر تقديم «الثورة»، وجمال عبد الناصر تحديدًا للشعب. فكانت الأغاني من كل الأنواع، بداية من أم كلثوم وعبد الوهاب وكل مطربي الصف الأول والثاني، والإذاعة في تقديم صور غنائية عن الثورة ونجاحها وأهدافها.

من ناحية أخرى، كان لابد من الوصول لعامة الشعب، لذا كان العمل على عدة مستويات، بداية من المونولوجات الفكاهية البسيطة، وكان محمود شكوكو على رأس مَن يقدمها، وكانت هذه الأعمال قائمة على فكرة مطالب الثورة والتمجيد في عبد الناصر لشخصه، وهو ما قام به إسماعيل يس وثريا حلمي، وغيرهم الكثيرين.

ثم كان هناك ملعب الغناء الشعبي والموال، والذي كان يتربع على عرشه محمد طه ومحمد أبو دراع، وكان أيضًا الغناء بشكل شخصي لعبد الناصر، بجانب الحديث عن ثورة يوليو والذي يتضمن بدوره ثناءً وشكرًا لعبد الناصر. كلها كانت محاولات للسيطرة على كل فئات الشعب، الكل يجب أن يحب عبد الناصر، وأن يشعر أنه المنقذ، وأن الثورة طوق النجاة الوحيد.

لم ينتهِ الأمر عند ذلك، بل بدأت دائرة إعادة توظيف وتشكيل الفلكلور الشعبي، بداية من الاهتمام بالقصص الشعبية التي تحكي عن شخص خارج من قلب البسطاء كي يحارب المستبد الفاسد، ويقف أمامه، مضحيًا بحياته من أجل أهله وعشيرته، مثل قصة أدهم الشرقاوي، التي قدّمها اثنان من أبناء الثورة؛ عبد الحليم حافظ، ومحمد رشدي، رغم أن أغلب الروايات التاريخية تصفه بأنه كان قاطع طريق، وليس ثوريًا مناضلًا.

أيضًا نجد أغنية مثل «شفيقة ومتولي»، للريس حفني، والتي هي بمثابة اتفاق بين صعيد مصر والثورة، بما فيها من اعتراف واضح بالجيش وسلطته في الحكم، بداية من استئذان متولي من الجيش كي يحصل على إجازة ليقتل أخته ويسترد شرفه، نهاية بالمحكمة وامتثاله أمام قاضي الدولة الجديدة، دولة يوليو، وبما فيها في الوقت نفسه من تسليم الدولة بتقاليد وأعراف أهل الصعيد، حيث يخرج متولي من القضية دون أن يُحكم عليه.

كان لابد للثورة أيضًا أن تصنع جيلًا جديدًا من الفنانين، يقدم فروض الولاء بشكل كامل، وفي نفس الوقت تسمح لهم الدولة بالانتشار والتربع على عرش الأغنية، وأن يكونوا سفراءها في الداخل قبل الخارج. بالطبع كان على رأس هذا الجيل، عبد الحليم حافظ، ومحمد رشدي، وشادية، ومحمد قنديل، والذين قدموا العديد من الأغاني في حب ناصر والثورة، والدفاع عنها.

لا يوجد تقريبًا مطرب في تلك الفترة لم يقدم أغنية للثورة بشكل ما، إلا محمد فوزي، والذي كانت أغنيته «بلدي أحببتك يا بلدي»، هي المنقذ للإذاعة بعد نكسة 67، لأن كل الأغاني كانت تمجد في ناصر والثورة، لا الوطن. ومع أن فوزي لم يكن مصطفًا في جبهة الثورة بشكل واضح وفعلي فهو أيضًا لم يكن معارضًا للنهاية. لذلك ورغم تأميم الدولة لشركته «مصر فون» والاستيلاء عليها عام 1961، إلا أننا نستمع في تسجيل خاص له أثناء رحلته العلاجية من المرض النادر الذي أصابه، شكره بحرارة لجمال عبد الناصر، إذن لم يكن فوزي إلا فاشلًا سياسيًا، أكثر من كونه معارضًا، ربما لم يظهر في تلك الفترة مطربون معارضون إلا الشيخ إمام ومحمد حمام.

مما سبق، نعرف أنه كان لا مفر من المشاركة في الثورة والغناء باسمها، خاصة مع نشوب حروب كثيرة جعلت الأمر يختلط كثيرًا بين الأغاني السياسية الموجهة والأغاني الوطنية، الخالصة لوجه الوطن لا لشخص أو سلطة ما. بالفعل صنعت الثورة إنجازات للفن عامة والموسيقى خاصة، لكنها أيضًا صنعت شيئًا مدمرًا لفكرة الفن، نعاني منه حتى وقتنا هذا، وهو تحديد مسار الفن والإبداع. وانتقلنا من الغناء باسم الملك وللملك، للغناء باسم ناصر ولناصر، تغيّرت الأسماء فقط، وتغيّر شكل السلطة فقط من ملكية إلى جمهورية.

اعلان