Define your generation here. Generation What

الماضي: آخر كتاب.. المستقبل: زيارة قادمة.. الحاضر: سجن ممتد

كان فلاسفة الرواقية اليونانية قديمًا يؤمنون بعقيدة تسمى «العيش في الحاضر». كانوا يرون أنه «إن كان الماضي ذهب وانقضى بينما المستقبل لا يزال في الغيب، فإن أكبر منغِّصَات الحياة هي ثقل الماضي، وسرابات المستقبل»، وبالتالي قرروا أن من الحكمة التخلص من هذين الأمرين؛ الخوف من المستقبل، وذكرى المتاعب القديمة، لأن الأولى لا تعنينا بعد، والأخيرة لم تعد تعنينا، فبين سعادة ضائعة وفرصة قادمة، هناك حاضر يهرب نحو العدم، مع أنه يشكل البعد الوحيد للوجود الفعلي.

لست رواقيًا حتمًا، ولا أعتنق الفلسفة اليونانية، لكني لا بد أن أعترف أن هذا المبدأ، بعد الله سبحانه وتعالى، هو ما مكّنني من الحفاظ على عقلي حتى الآن. على الأقل مكّنني من الاعتقاد أني حافظت عليه، فالمجنون آخر من يدرك أنه مجنون، إن أدرك.

منذ أيقنت أني لن أخرج غدًا، وأن ما مضى ليس أكثر مما هو آتٍ، أحاول عدم التفكير إلا بالقدر اللازم بالكاد في الماضي أو المستقبل. فلم يعد المستقبل سوى الزيارة القادمة، ولا الماضي إلا ذكرى آخر كتاب قرأت.  الأمر للأسف في غاية الصعوبة على شخص مثلي مريض بوسواس التفكير الزائد والتحليل الدقيق لكل ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن، كيف كان ليكون لو كان. مع طول الفترة وانطواء السنين تحسن تحكمي وزادت سيطرتي، فصرت لأيام متتاليات لا أعقل ما هو خارج صفحة الكتاب الذي أقرؤه أو منهج المادة التي أذاكرها أو دقائق الزيارة التي أرى فيها أهلي، مجاهدًا لطرد كل الأفكار التي تنكز عقلي كأنصال السيوف وركلها بعيدًا. ولكني أسهو أحيانًا وأرتكب الخطأ الجسيم بمتابعة فكرة واحدة، فكرة واحدة ما إن تتملك مني حتى ينهمر من ورائها شلال سيوف الأفكار السوداء، طاعنة عقلي في كل مكان ومن كل اتجاه، حتى أكاد أضرب رأسي في قضبان النافذة الحديدية مهشمًا إياها. عندما يحدث هذا لا أجد له علاجًا ولا مخرجًا سوى أمر واحد لم يتغير من لحظة السجن الأولى وحتى الآن؛ أكتب، أهرع إلى القلم والورقة، وأتقيأ كل ما بعقلي عليها، بلا ترتيب ولا تنظيم ولا مراجعة. منذ دقائق أجرمت وفكرت في المستقبل. فكرت في الكلية والدراسة. منذ اليوم الأول وأنا أسير في هذا الطريق يومًا بيومه، ترمًا بترمه، عامًا بعامه. مقنعًا نفسي أني حتمًا لن أمكث هنا كل هذه المدة الشنيعة حتى انتهاء الكلية.

ومرت الفصول الدراسية، فصلًا تلو الفصل، أقاتل للحصول على أفضل نتيجة ممكنة تمكنني من التعويض عند الخروج، حتى وصلت لهذه اللحظة التي لم أتوقعها قط؛ لحظة التفكير في مشروع التخرج، فكرة سيطرت عليّ ولم أستطع الإفلات منها، فكرة مبكية إلى حد الضحك. أي تخرج من كلية لم أدخلها من الأساس؟ دفعتي تتخرج الآن وأنا أحضِّر لتخرجي العام القادم؟ أي مشروع وأنا لم أمسك في يدي حتى بصمولة؟ أعلم أني قادر على العبور من هذا العائق كغيره والإحاطة بتفاصيله، ومناقشته كأني أعلم ما أتحدث عنه. لكن من سأخدعه هنا سوى نفسي؟ كيف سأغير العالم في الهندسة كما كنت أحلم، في ما لم أخبر مبادئها كما كنت أرغب؟ كيف سأكمل دراساتٍ عليا ودورات واكتشافات وانتشاءات علمية طالما حلمت بها ولم أتقن حتى الأساسيات؟ وما البديل؟ أن أضيع أعوامًا أخرى من عمري دون أن أؤدي الامتحانات، كيلا أتخرج بدون رؤية ما درست؟ كيف تختار بين طريقين كلاهما أذى؟ كيف تختار بين ضياع عمر وضياع حلم؟ أين تذهب بكل هذه الأحلام المكبلة؟ هل شعر أحد كما أشعر بحموضة في العقل ناتجة عن احتباس الأحلام؟ أيعجز غيري عن ابتلاع ريقه لئلا يطعم تلك المرارة في الحلق من فيض روحه المقهورة؟ أبحث عن الحاضر حتى أعود. يتلوى عقلي ويصرخ: لماذا تعود بي لحاضر باهت كئيب يثير الغثيان والاشمئزاز؟ أحاول إقناعه أنها الوسيلة الوحيدة للنجاة. ولكنه، يأبى كطفل صغير مدلل وجد نفسه في ردهة متجر مليئة بالأفكار السوداء على الجانبين، ينظر وينتقي منها كيف يشاء. أي إقناع له وأي إفهام؟ أستسلم وأنسحب معه في دوامة معتمة، و لتذهب الرواقية إلى الجحيم.

المحرر: اعتُقل الطالب عبد الرحمن الجندي – 22 سنة – من سيارة في ميدان رمسيس، مع أبيه في أكتوبر 2013، بعد شهور من خلع الرئيس السابق محمد مرسي.

اتهم كلاهما، مع ستين شخصًا آخرين، بالقتل ومحاولة القتل، تخريب الممتلكات، حيازة أسلحة وتعكير السلم العام، وحكمت عليهم محكمة جنايات القاهرة في 30 سبتمبر 2014 بـ 15 عامًا من الحبس، ويعقبها بخمس سنوات من المراقبة، وعشرين ألف جنيه غرامة. في مارس 2016 رفضت محكمة النقض الالتماس الأخير المقدم منهما.

حصل الجندي على منحة لدراسة الهندسة في الجامعة الألمانية بالقاهرة، بينما لم يكن قد تجاوز عمر الثامنة عشر عندما اعتُقل. نتيجة لحبسه، فقد مكانه في الجامعة، وحاليًا هو مسجل في جامعة عين شمس ويدرس من سجن طرة.

كانت الجامعات الحكومية قد سمحت للطلبة المحبوسين بأداء امتحاناتهم في مجالاتهم المختارة من داخل السجن. وانطبق هذا بالتحديد على طلاب العلوم الإنسانية، ولكن في المقابل، كانت هناك زيادة في أعداد طلبة الهندسة المحبوسين مؤخرًا. رغم أن هؤلاء الطلبة عادة ما يكونون أذكياء وينجحون بدرجات مرتفعة، فهم عادة ما يتخرجون دون أن يلمسوا جهازًا أو مُعِدّة خلال دراستهم.

اعلان
 
 
عبد الرحمن الجندي