Define your generation here. Generation What
صعود وانهيار الأرز المصري.. ما بين أزمات متكررة وفرص مهدرة
 
 
صورة: ندى عرفات
 

مطلع العام الجاري، قررت وزارة الري تخفيض مساحة الأراضي المزروعة بمحصول الأرز من مليون و 76 ألف فدان العام الماضي، إلى 724 ألف فدان العام الجاري، بالإضافة إلى منع زراعته في بعض المحافظات، كما رفعت قيمة غرامات زراعته بشكل غير قانوني، وذلك في محاولة لتقليل كميات المياه التي يستهلكها هذا المحصول الشره للمياه.

بدخول القرار حيز التنفيذ في أبريل، بدأت حالة من الاضطراب بين منتجي اﻷرز والبائعين والمستهلكين، لتقرر الحكومة في مايو زيادة المساحة وصولًا إلى نحو 820 ألف فدان؛ خوفًا من عدم كفاية الكمية المنتظر زراعتها في تغطية احتياجات السوق، كما أعلن رئيس الوزراء، السابق، شريف إسماعيل، أن الحكومة ستبدأ في استيراد اﻷرز نظرًا لتقلص الإنتاج المحلي.

القرار، وتعديله، كانا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من القرارات الحكومية المرتبطة باﻷرز، والتي عكست سياسات التعامل مع هذا المحصول الرئيسي منذ ما يزيد على عشرين عامًا. وهي السياسات التي لم تقتصر تأثيراتها فقط على مستهلكي اﻷرز في مصر، بل كان لها آثارها المباشرة على منتجيه، فضلًا عن كونها انعكاسًا لحلقات متداخلة من المشاكل الإدارية في الجهات الرسمية، والتي تواجه اتهامات بأنها أهدرت فرصًا لاستغلال حلول علمية كان لها أن توجد حلولًا أفضل للتعامل مع أزمة اﻷرز والمياه.

كانت الحكومة قد بدأت في حظر تصدير اﻷرز بداية من عام 2008، بعد موسم واحد من ارتفاع صادراتها منه إلى أكثر من مليون طن، بعائد وصل إلى مليار دولار، وضع مصر بين أكبر 11 دولة مصدرة للأرز. وفي عام 2012 أعادت الحكومة السماح بتصدير اﻷرز، قبل أن تبدأ الحكومات المتعاقبة في إصدار قرارات حظر التصدير، للحفاظ على الموارد المائية، أو للتحكم في اﻷسعار، قبل التراجع عن تلك القرارات، أو السماح بتصديره بشروط وكميات محددة، بعد ضغوط من المصدرين.

وبدأ التوسع في زراعة اﻷرز في مصر أثناء الحقبة الناصرية، مع بناء السد العالي، حين كانت المساحات المقررة لزراعته تبلغ 700 ألف فدان، واستمر الفلاحون من جانبهم في زيادة رقعة الأرض الزراعية حتى وصلت إلى 2 مليون و200 ألف فدان عام 2009، خاصة مع تضاعف عدد السكان أكثر من مرة خلال تلك المدة، واعتماد هؤلاء السكان على الأرز  بشكل أساسي في الغذاء.

من جانبها، انتبهت الدولة لخطورة زيادة المساحة المزروعة من المحصول في ظل ثبات حصة مصر من مياه النيل التي تبلغ 55 مليار متر مكعب، وهي النسبة اﻷكبر من موارد مصر المائية، التي تبلغ نحو 76 مليار متر مكعب سنويًا، وزيادة الاحتياجات المائية مع زيادة عدد السكان، فأصدرت في عام 1984 قانونًا يحظر زراعة الأرز في مناطق غير مصرح بها، وهو القانون الذي لم يُحدث أثره المنتظر، خاصة بعد تحرير الزراعة المصرية في منتصف الثمانينيات من الدورات الإجبارية التي كانت تفرضها الحكومة لزراعة القطن تحديدًا، وذلك بعد انخفاض أسهمه في السوق المحلية والعالمية، ليتخلص الأرز من أهم المحاصيل المنافسة له، وتبدأ مساحته المزروعة في النمو بشكل كبير، وينمو معها معدل المياه التي يستهلكها، حتى قدر استهلاكه مؤخرًا بحوالي 14 مليار متر مكعب، أي 25% من حصة مصر في مياه النيل، بحسب البيانات الحكومية.

وجددت الدولة محاولاتها للتصدي إلى التوسع في زراعة الأرز في عام 2009 بعد أن وصلت المساحة المزروعة به إلى 2 مليون و200 ألف فدان، فقررت خفضها إلى مليون و600 ألف فدان، وأصرت على سياسية تقليص المساحة المزروعة منذ ذلك التاريخ حتى الآن، خاصة بعد بداية الحديث في ذلك الوقت عن دخول مصر مرحلة الفقر المائي، والتي أصبحت مرشحة للتفاقم مع بدء الحكومة الأثيوبية في وضع أساسات سد النهضة في 2011 ومحاولتها تقصير مدة تخزين المياه لتوليد الكهرباء من السد، وهو ما حاولت مصر التصدي له، خوفًا من التأثير السلبي على حصتها من المياه.

محاولات الدولة للحفاظ على حصتها من المياه، بالتصدي للتوسع في زراعة الأرز وتقصير مدة تخزين المياه خلف سد النهضة، لم توازيها محاولات للسعي لبدائل أخرى، سواء لإنتاج الأرز أو التعامل مع نقص المياه أو لتعويض مجتمع المزارعين الذين يؤثر قرار تقليص مساحة الزراعة على نشاطهم الاقتصادي الأساسي.

الزراعة.. بين العلم والبيروقراطية

«لا يحتاج الأرز إلى ماء» هكذا عنون فينود جود، الباحث الهندي في شؤون المحاصيل، مقاله عن الأبحاث والتجارب المختلفة في إفريقيا وأسيا لزراعة محصول الأرز بماء أقل عن طريق تقنيات بديلة وسلالات جديدة.

في مصر، وفي معمل متواضع بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، يستعيض الدكتور سعيد سليمان، أستاذ الوراثة بالكلية، عن التقنيات الحديثة بعلمه وحماسته لتهجين سلالة جديدة من الأرز المقاوم للجفاف، وهي اﻷبحاث التي بدأها في نهايات ثمانينيات القرن الماضي، بعد عشر سنوات انخفض فيها منسوب المياه لغياب فيضان النيل، مما اضطر الحكومة وقتها لمحاولة تحجيم زراعة الأرز للمرة الأولى، عبر القانون الصادر عام 1984.

وبعد عقود قضاها سليمان في معمله، توقف خلالها تمويل الدولة لأبحاثه، والذي كانت توفره منحة أمريكية، واستكماله لها على نفقته الخاصة ونفقة الجامعة، أنتج صنف أرز مقاوم للجفاف حمل اسم: «عرابي» (1)، و(2)، و(3)، و(4). وتقدم في 2010، بأبحاثه لمركز البحوث الزراعية، واستخرج الشهادات اللازمة لتسجيل أرز «عرابي» كصنف، قبل أن تتوقف الإجراءات.

يؤكد سليمان أنه أجرى العديد من تجارب الحصاد التي حضرتها جهات حكومية، كان آخرها في عام 2016، حين حضرت لجان من وزارتي الزراعة والري حصاد تجربة أرز «عرابي» (3)، الذي يروي دوريًا مرتين شهريًا، ولكن اللجان رفضت الاعتراف بالصنف رغم حساسية موقف مصر المائي.

من جهته، يوضح محمود أبو يوسف، رئيس إنتاج تقاوى الأرز بمركز بحوث سخا في كفر الشيخ، أن قانون مصر الزراعي يمنع الأصناف القابلة للإصابة بأي عدوى، وأنه يسمح فقط بالأصناف الحساسة للإصابة بمرض اللافحة فقط (أي المعرضة للإصابة به). ولذلك لم يسجل صنف «عرابي»، حيث أن اللجنة التي قيمته أكدت أنه قابل للإصابة، فيما يقول الدكتور فوزي نعيم، رئيس البحوث المتفرغ بمركز البحوث الزراعية لـ «مدى مصر»: «رز عرابي ده نكبة على مصر»، مبررًا عدم تسجيله كصنف تجاري بأنه يصاب بمرض اللافحة، وأن إنتاجه لا يناسب الذوق المصري لصغر حبة الأرز.

ويوضح نعيم أن مرض اللافحة قادر على القضاء على محصول الأرز بأكمله لأنه يصيب الورق ويقضي على عنق السنبلة، كما حدث في عام 1984 بعد استيراد بذور أرز «ريهو»، وكان وقتها أفضل أرز في العالم، وأصيب باللافحة وأدى إلى كارثة وبائية أصابت معظم محاصيل الأرز، وأصبح هذا العام معروفًا بـ «نكبة الأرز» لأنه قضى على معظم إنتاج الأرز في مصر.  

في المقابل، يقول حمادة عيد، الذي يعمل في شركة المزارع المتحدة بوادي النطرون، إن الشركة زرعت فدانًا واحدًا من صنف «عرابى» كتجربة، ورغم بعض الأخطاء الزراعية فإن الفدان أنتج نحو طنين ونصف الطن من الأرز، واصفًا نتيجة التجربة بـ «الممتازة، إذا وضعنا في الاعتبار طبيعة التربة الصحراوية».

في حين اعتبر المزارعون الذين قاموا بتجارب زراعة أرز «عرابي» في محافظات: كفر الشيخ، والدقهلية، والغربية، ودمياط، والإسكندرية، والبحيرة، أن التجربة كانت ناجحة، يبدو أن المحصول لم يلق النجاح نفسه في الشرقية وبورسعيد، ما أرجعه المزارعون في المحافظتين لعدم انتظام المياه.

أحمد نعمان، أحد المزارعين الذين حاولوا زراعة هذا الصنف في بورسعيد، يقول لـ «مدى مصر» إنه لم يستطع توفير المياه المطلوبة للأرز نظرًا لعدم انتظام وصول المياه منذ عامين. ولكنه يؤكد أنه في بداية الزراعة، وقبل ظهور مشكلة عدم انتظام الري، كان المحصول يبدو جيدًا.

من جهته، يرى سليمان أن عائد «حق المربي» أو «حقوق الملكية الفكرية»، هو العائق أمام استخدام «أرز عرابي» في الزراعة، موضحًا أن هذا الحق يؤمن عائد يصل إلى ملايين الجنيهات، عند استخدام الصنف بالزراعة، وذلك في حالة تسجيل الصنف عن طريق لجنة تسجيل الأصناف التابعة لمركز البحوث والتي يرأسها رئيس مركز البحوث. ويضيف سليمان أن مركز البحوث يحرص على ألا يخرج حق المربي خارجه، ولا يسعى لتبني أبحاث الجامعات أو غيرها حتى لا يخسر عائد بالملايين، مشيرًا إلى أنه في عام 2011 تغيرت تبعية إدارة لجنة التسجيل، لتصبح في يد رئيس الخدمات الزراعية، قبل أن يعيدها وزير الزراعة الأسبق رضا إسماعيل في العام نفسه، مرة أخرى لرئيس مركز البحوث. وحينما اشتكى سليمان له، كان رد الوزير «أنه لا يستطيع الوقوف في مواجهة المركز»، بسحب سليمان.

المركز،  الذي أنشئ عام 1897، قبل إنشاء وزارة الزراعة نفسها، ليصبح بمثابة العمود الفقري للزراعة المصرية، يفترض به أن يعالج نقص الموارد في الزراعة، على أن تعاونه كليات الزراعة بالجامعات المحلية. ورغم وجود أكثر من 13 ألف باحث لدى المركز، إلا أنه حتى الآن لم يخرج بنوع أرز يستهلك مياه أقل.

«مافيا تسجيل الأصناف» هي أحد أشكال فساد المركز، كما يصفها إسلام إبراهيم*، الحاصل على ماجستير من كلية الزراعة، الذي يقول إن كبار الباحثين يقومون بالتغطية على المحاولات الناجحة، معتبرًا أن هناك أشكال أخرى، مثل أن معظم باحثي المركز يعملون بأنشطة خارجية لا تجعلهم مهتمين بالعمل في المركز بالشكل اللازم، وكذلك أن أغلب رسائل الأبحاث تكون مستهلكة ومكررة أو مسروقة.

غير أن الفساد، إن وجد، ليس هو سبب أزمة البحث الزراعي الوحيدة، بل يشترك مع أسباب أخرى مثل غياب التمويل، إذ انخفضت ميزانية مركز البحوث الزراعي من 200 مليون جنيه خلال التسعينيات حتى وصلت إلى 70 مليون جنيه خلال العام المالي 2015\2016 ثم ثلاثة ملايين جنيه فقط في العام المالي 2016\2017 وفقًا للموازنة العامة.

«في الصين عندي معمل خاص بي في حجم مبنى كلية الزراعة في مصر، ولما رجعت مصر ما كانش عندي جهاز كمبيوتر في مكتبي» يحكي محسن حسن*، المدرس بإحدى كليات الزراعة، والذي شارك خلال وجوده بمنحة في الصين ببحث علمي لتفادي إصابة الأرز بالأمراض من جراء زيادة الأمطار، وحصل البحث على براءة اختراع في الصين، كما حصل هو خلال المنحة على جائزة أفضل باحث دكتوراه من إحدى جامعات الصين بعد نشر بحثه بدورية «نيتشر» العالمية.

ويؤكد حسن صعوبة إنتاج بحث مماثل في مصر في ظل عدم وجود أبسط الإمكانيات. مشيرًا إلى أنه قبل سفره للصين عمل على بحث محاولًا استخلاص زيت لأغراض صناعية، فظل لمدة ثلاثة أشهر هائمًا في معامل الكلية ليستخلص عينة، في حين أنه أثناء وجوده في الصين أتيحت له مواد كيميائية تقدر بآلاف الدولارات بمجرد الطلب.

كانت شعبة الأرز باتحاد الغرف التجارية تقدمت في عام 2009 إلى حكومة أحمد نظيف بمقترح استخدام رسم المصدرين من الأرز، الذي كان يُصَدَّر في ذلك الوقت بكميات كبيرة، لتطوير نظم الصرف والري وتحلية مياه الصرف، والإنفاق على مراكز البحوث لتطوير سلالات جديدة من الأرز غير مستهلكة للمياه، لكن المقترح لم يتم تنفيذه دون أسباب معلنة.

صورة: ندى عرفات

الأرز ليس المتهم الوحيد

فيما تشير الأرقام الرسمية لوزارة الموارد المائية والري في 2016، إلى أن زراعة الأرز في مصر تستهلك حوالي 25% من حصة مصر في مياه النيل، يقول خبراء إنها لا تستهلك أكثر من ستة مليارات متر مكعب في 2018.

ولكن في الوقت نفسه، فبخلاف زراعة اﻷرز توجد استخدامات أخرى تستهلك المياه ولم تتخذ الدولة خطوات جادة لمواجهتها. فعلى سبيل المثال، يبلغ الفاقد بمياه الشرب في مصر، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء في 2016–2017،  ثلاثة مليارات متر مكعب، نتيجة لسوء أنظمة الصرف. فيما يرى أحد خبراء الموارد المائية والري، والذي سبق له العمل في وزارة الري، فضل عدم ذكر اسمه، إن إعادة هيكلة الترع وتبطينها يمكن أن يقلل من الفاقد بنسب تصل إلى 25%، وكذلك تأهيل البوابات المسؤولة عن مرور المياه ومتابعة غلقها وفتحها، أو تأهيل الترع عن طريق رفع نهايتها، يمنع حدوث فيض المياه خارجها. كما يضيف الخبير، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن إحدى الحلول البديلة هي تغيير طرق ري مساحات أشجار الفاكهة في مصر من طرق الري السطحي (بالغمر) للري بالتنقيط.

أما جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، الذي يرى أن تقليل مساحات زراعة الأرز سيوفر ما يقرب من مليار متر مكعب من الماء تحتاجها مصر بالتأكيد، فيقول إن مصر تعاني من الفقر المائي منذ سنوات عديدة، ولكن الإسراع في الإجراءات الخاصة بزراعة اﻷرز، وتشديد العقوبات على المخالفين، لم يحدث إلا بعد أن استحكمت اﻷزمة وأصبح لا مفر من ذلك.

ويضيف صيام أن استخدام التكنولوجيا والبحث العلمي هو الحل لمعالجة قلة الموارد المائية، كما يؤكد في الوقت نفسه أن هذا اﻷمر صعب التنفيذ لأن الدورة البحثية في مصر غير مكتملة، فهي تحتاج سياسية بحثية قوية وتنسيق بين الهيئات المعنية وكوادر وميزانية وكل هذا غير موجود، في الوقت الحالي، حسب قوله، ولكنه يعتبر أن إجراء تقليص زراعة الأرز غير عادل لأنه لم يوفر بديلًا للفلاحين، وبالتالي فإن الفلاح هو من يتحمل آثار الفقر المائي وعجز الدولة.

الفلاح هو من يدفع الثمن

«الرز بالنسبة لنا مش مجرد زرعة، ده ستر لينا طول السنة»، يقول علي صلاح، صاحب أرض زراعية بكفر الشيخ، مضيفًا أن الحكومة بدلًا من أن تستحدث أصناف أرز جديدة مقاومة للجفاف، قررت تخفيض مساحات الأرز بدون التفكير في الضرر الواقع على الفلاحين.

ويضيف صلاح أنه في كل مراحل زراعة الأرز يستفيد مجتمع المزارعين بأكمله، ففي مرحلة زراعة الشتلات وضم الأرز وتخزينه يشترك الرجال والنساء، ثم بعد ذلك تحضر النساء الطيور الخاصة بها إلى الأرض لتتغذى على الطحالب الناتجة عن طول بقاء المياه في الأرض، ويستخرج الفلاح من الأرز نوع من الحشائش يسمى «دنيبة»، تتغذى عليها الماشية. وأثناء مواسم الحصاد، تزدهر التجارة خاصة من وافدين من مدن أو محافظات أخرى، والذين يقايضون منتجاتهم باﻷرز.

كما يوضح أن حجرة الأرز هي مكان موجود في بيت كل فلاح، يخزن فيها المحصول ويستخدم شيكارة شهريًا كطعام لأهل البيت إذا ضاق حالهم في الظروف الطارئة، وفي بداية موسم المدارس أو الأعياد يبيع الفلاح من المخزون. حتى إن أرادت السيدات التسوق في حال عدم وجود مال بالمنزل، يتم بيع نصف شيكارة والتسوق بثمنها. ويؤجل الفلاحون زواج أولادهم لموسم حصاد الأرز حين تتوافر النفقات.

في سعيها للسيطرة على مشكلات زراعة اﻷرز، بدأت الحكومة منذ ثلاث سنوات في تطبيق نظام جديد للزراعة، يتم فيه تقليل المساحات المنزرعة إلى النصف في بعض المناطق، ومنع الزراعة تمامًا في مناطق أخرى، وتطبيق نظام الدورات الزراعية في مناطق ثالثة. كانت أرض صلاح ضمن المناطق التي طبق فيها نظام الدورات، الذي يتم بموجبه زراعة اﻷرز في سنة، ثم تمنع زراعته لثلاث سنوات متتالية، تزرع فيها محاصيل أخرى مثل الذرة والفول والبرسيم، وهي المحاصيل التي لا ينتج عنها مقابل مادي يوازي ما يحصل عليه المزارعون من اﻷرز. وينبه صلاح لخطورة هذا الأمر على التربة المالحة المنتشرة في مناطق كفر الشيخ، نظرًا لقربها من البحر، وذلك لأنها تحتاج لكمية المياه العذبة التي يحتاجها اﻷرز باستمرار، وإلا لن تصلح لزراعة أي شيء، حسبما يقول.

صورة: ندى عرفات

كانت الحكومة قد غلظت في أبريل الماضي العقوبات الموقعة على الفلاحين المخالفين لقرار تحديد مساحة الأراضي المزروعة بالأرز لتصل إلى الحبس لأول مرة. وكانت تقارير صحفية قدرت أن مخالفات زراعة الأرز وصلت لـ 1.8 مليون فدان خلال العام الماضي، بزيادة نحو 700 ألف فدان عن المساحة المسموح بها.

فيما يلفت صيام النظر إلى مشروع الـ 100 ألف صوبة، الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتحدث عنه في مؤتمر «حكاية وطن» في يناير 2018 قائلًا إن الهدف اﻷول منه هو سد الفجوة الغذائية من الخضروات في الاستهلاك المحلي، قبل التفكير في التصدير، وهو المشروع الذي اعتبر صيام أنه سيؤثر سلبًا على صغار المزارعين الذين لن يستطيعوا تسويق منتجاتهم بصورة تنافس مشروعات أكثر تنظيمًا وأكبر حجمًا مثل هذا المشروع.

غير أن تقليص المساحات المزروعة بالأرز لا يقتصر ضرره على المزارعين فقط، بل يمتد كذلك للمستهلك. فحين قررت الحكومة خفض مساحة زراعة المحصول في 2009، زاد متوسط سعر الأرز من ثلاثة جنيه ونصف إلى سبعة جنيهات مرة واحدة. وبعد عشر سنوات، حين لجأت الحكومة للقرار نفسه مرة أخرى، صعدت أسعار الأرز بسبب عزوف التجار عن البيع بنسبة 13% وفقًا لتقرير الغرف التجارية. ولجأت وزارة التموين إلى رفع سعر توريد الأرز لمضارب القطاع الخاص من 6.1 ألف جنيه للطن إلى 6.3 ألف جنيه للطن.

قصة اﻷرز، صعودًا وانحدارًا، لا تنفصل عن السياق العام لما يواجهه القطاع الزراعي في مصر. فعلى سبيل المثال، نقلت جريدة الأهرام على لسان الخبير الزراعي نادر نور الدين، أن مصر تفقد مليون فدان كل 20 سنة بسبب البناء على الأراضي الزراعية بشكل مخالف، بما يعادل 50 ألف فدان في العام الواحد. هذا بالإضافة إلى انخفاض تمويلات البنوك للقطاع خلال العامين الماضيين إلى 1% فقط من إجمالي التمويلات الممنوحة، حيث يتجه شباب الفلاحين إلى الاستثمار في مجالات أخرى بعدما دفعت كل هذه الاضطرابات شباب المزارعين بعيدًا عن الاستثمار في أراضيهم.

حينما أراد صلاح شراء مزيد من الأرض الزراعية، رفضت عائلته، وشجعوه على شراء متجر أو البحث عن عمل آخر، قائلين: «الأرض كلها هتبور قريب، وكلها كام سنة وما يبقاش ليها قيمة ولا تمن».

* تم تغيير اسم المصدر بناء طلبه.

اعلان