Define your generation here. Generation What

خمسة أوهام وحقيقة واحدة -لن تدهشك كثيرًا- في مشروع «تقنين الفتوى»

ممارسة الفتوى العامة في المساجد أو في وسائل الإعلام ستصبح مقصورة على هيئات محددة داخل مؤسسات الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، وليست متاحة لأي عالم أو واعظ أو خطيب ينتمي إلى هذه المؤسسات إلا بترخيص منها، ومن يخالف ذلك يعاقب بالحبس أو بالغرامة أو بكليهما.

هذا هو ملخص مشروع تقنين الفتوى المقدم للجنة الدينية في البرلمان.

مشروع القانون يبدو طبيعيًا ومتوقعًا، في السياق العام لتأكيد السياسات السلطوية في كافة المجالات، والإمعان في ارتهان التعبير عن الرأي والتواصل مع الناس لجهاز الدولة أو جهات تابعة، أو وضعهما تحت قيود مشددة ومخاطر محتملة. والتعبير عن الرأي والتواصل مع الناس في المجال الديني يتقاطعان مع سلطة الدين أو مهابته في نفوس المؤمنين به، ولذلك من الطبيعي أن تفضل النظم السلطوية عدم ترك ثغرة لأي طرف، ليشاركها -أو يشارك مؤسساتها- التسلط على المواطنين وحياتهم وأفكارهم وعقائدهم.

مشروع القانون ليس جوهريًا ولا فارقًا، فالإدارة الصارمة للمجال الديني وللإعلام لا تترك ثغرات كثيرة، ويد القانون ليست ملتزمة تمامًا بنصوص القانون ولا روحه، والمرضي عنهم فوق المنابر ووراء الميكروفونات وغير المرضي عنهم يواجهون مصيرهم بالإقصاء أو العقاب.

ولكن الجدل حول هذه المشروعات هو مناسبة لممارسة الرياضة الذهنية في مناقشة السياسات ومدى علاقتها بالديمقراطية واحترام الحريات والحقوق، وفرصة لمناقشة بعض الأوهام عن حكمة ما في مثل هذه المشروعات، أو صلة ما لها بتنظيم رشيد أو بإصلاح المجال الديني أو بمواجهة خطاب التحريض على التمييز والكراهية والعنف، وغير ذلك من الأوهام.

1- «إسلام واحد صحيح»

معظم المؤمنين بأديان ومذاهب وأيديولوجيات يعتقدون بشكل أو بآخر أن ما يعتنقونه هو الاعتقاد الصحيح، ولا مشكلة على الإطلاق في أن يعبروا عن ذلك أو يعبروا عن اعتقادهم بأن الأديان والمذاهب والأفكار الأخرى خاطئة. المشكلة تبدأ عندما يقررون أنهم يرغبون في التسلط على آخرين يرغبون -مثلهم- في التعبير عن أديان ومذاهب وأفكار أخرى يرونها صحيحة بدورهم.

كذلك تميل بعض الدول التي تتخذ أديانًا أو مذاهب أو أيديولوجيات رسمية بالتأكيد للتعبير عن ذلك بأشكال مختلفة، ولكن لدينا هنا طيفًا واسعًا من أنماط الدول، من الدول السلطوية الشمولية التي تمارس درجات عالية من التقييد والتمييز ضد أي معتقد آخر غير المعتقد الرسمي، إلى الدول الديمقراطية التي لا يزال بعضها يحتفظ بدين أو مذهب أو كنيسة رسمية، ولكن ممارستها لرعاية هذا الدين أو المذهب أو الكنيسة لا تقيد حرية أبناء الأديان والمذاهب والكنائس الأخرى ولا تميز ضدهم.

ما تمارسه الدولة المصرية من محاولتها تقييد أي تعبير أو ممارسة للإسلام إلا وفق حدود ما تراه الإسلام الصحيح، لا يقترب فقط من أقصى أطياف الدول السلطوية، لكنه ينتمي أيضًا إلى تقاليد ممالك العصور الوسطى في أوروبا قبل الحروب الدينية، التي بزغت بعدها ضرورة قبول فكرة اتّباع المواطنين لتنوعات مختلفة داخل الدين الواحد وليس بالضرورة الطبعة التي تتبعها المملكة.

الفتوى في النهاية هي تعبير عن رأي ديني، تفاعل بين من يطلب هذا الرأي ومن يتصدى للتعبير عنه، أو العكس، هي فتوى عامة يجري التعبير عنها لمن يرغب في اتّباعها. يحق لكل مؤمن البحث عن مفتٍ يثق به، أو مفتٍ يتبع المرجعية أو المذهب أو المدرسة التي يثق بها أو يتبعها، ولكن لا يحق له، أو باسمه، أن يُقيَّد الآخرون من التعبير وإصدار الفتاوى، لكي نحمي هذا المؤمن من الأفكار الأخرى التي لا تعجبه أو من المفتين الذين لا يثق بهم. في دولة ديمقراطية من الضروري أن يعرف المواطن المؤمن أن الأفكار الأخرى موجودة ومتاحة، وأن بإمكانه التفكير فيها واللجوء إليها، والمفاضلة بينها وبين ما يؤمن به. لا تبدأ الدول الديمقراطية في محاسبة أو تقييد التعبيرات الدينية والفتاوى إلا إن هددت سلامة الناس أو حقوقهم، إن تضمن التعبير أو تضمنت الفتوى تحريضًا على العنف أو التمييز أو الكراهية.

ولكن إن كان هناك «مؤمنون سلطويون» في موقع السلطة، والديمقراطية وحريات الآخرين هي آخر ما يفكرون فيه، فإنهم سيحبون أن يبقى دينهم ومذهبهم الوحيد المسموح له قانونًا بالتوجه إلى الناس عبر المساجد أو وسائل الإعلام.

والسلطويون عمومًا، سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين، سيفضلون أن يبقى معظم الناس تحت تأثير دين واحد أو مذهب واحد، غير مسموح لغيره بالانتشار، وأن تكون المؤسسات المعبرة عن الدين المسموح به تابعة للدولة والسلطويون على رأسها. سيكون ذلك مفيدًا عمومًا لأنه يقلل فرص التغيير الاجتماعي والسياسي التي تتبع أحيانًا تغيير الأفكار، ولأن مزيدًا من التنوع يعني صعوبة أكثر في السيطرة ويفتح باب الطلب على الديمقراطية، كما سيكون ذلك مفيدًا بشكل خاص عندما تتقاطع مساحات الفتوى ورغبات السلطة، أو عندما يريدون لها أن تتقاطع.

«إسلام واحد صحيح» هو اعتقاد فرد أو مجموعة أو حتى أغلبية ولكنها ليست حقيقة موضوعية، و«إسلام واحد صحيح مسموح به قانونًا» هي رغبة محببة للسلطويين من كل الأنواع.

2- «الدين للمتخصصين»

وهم «الإسلام الواحد» بدون تنوعات هو دافع لبعض المؤمنين لأن يقولوا إن من حقهم ألا يجري التغرير بهم أو التشويش عليهم بفتاوى «غير صحيحة» تنتمي لذلك «الإسلام الواحد»، ولذلك فإنهم يدعمون منع أي فرد أو جهة من التعبير عن فتاوى دينية إلا جهة متخصصة تعبر عن ذلك «الإسلام الواحد».

يتبدد هذا الوهم الثاني عندما بتبدد الوهم الأول، فالإسلام الذي تنوع وانقسم منذ وفاة نبيه وحتى الآن لم يكن في أي لحظة واحدًا، ولكن تبني دولة أو مجتمع لمذهب واحد سائد ومهيمن بشكل رسمي يوهم المسلمين أنهم مجرد «مسلمين وفقط»، وكل المساجد والمعاهد والقنوات الدينية والفتاوى والكتب والشعائر تنتمي للإسلام وفقط، وأن أي اختلاف أو تعارض هو مشكلة، لأنه بالضرورة هناك طرف ينتمي للإسلام الواحد الصحيح وهناك طرف آخر مخطئ.

عند إدراك هؤلاء المسلمين للمذهب أو الطريقة التي يتبعونها، فإن المشكلة تنحل ببساطة، لأن المسلم لو كان سنيًا فإنه سيعرف مثلًا أن بعض الفتاوى الصادرة من فقيه شيعي لا تخصه، وإن كان صوفيًا فإن الفتاوى التي تصدر عن شيخ سلفي لا تخصه، ومن حقه أن يؤمن أن ما يميل إليه صحيح وأن الآخرين مخطئون في نظره، لكنه سيدرك ساعتها أنه سيبحث عن متخصص وفق مرجعية ما، وليس عن متخصص في الإسلام بإطلاق.

ولكن حتى وفق مذهب واحد أو طريقة واحدة في فهم الدين، لها مؤسسة ولها مجموعة فقهاء سواء في مؤسسة رسمية أو شعبية، فإنه عادة ما يحدث أن يأتي تجديد أو تطوير هذا المذهب من خارجه، من غير متخصصين أو منتظمين في المؤسسة الدينية التقليدية، ودائمًا ما يحاول المحافظون والرافضون للتغيير إقناع الناس بعدم اتباع إلا أبناء المؤسسة التقليدية، وإن كان لديهم سلطة ونفوذ فإنهم سيحاولون تقييد نشر الأفكار الجديدة بدعوى صدورها عن غير ذوي صفة أو «متخصصين».

في السياق القانوني، وفي دولة ديمقراطية، فإن التفكير في الدين وممارسته ينتميان للمجالات الإنسانية التي لا يجوز تقييدها بتخصص ما أو دراسة ما، مثل كل المجالات الإنسانية والاجتماعية، فلا يمكن تقييد الكتابة والنقد والإعلام والصحافة وإنتاج الأدب والفن بضرورة التخصص أو التخرج من مؤسسة ما، أو تقييد إبداء الرأي في شأن المجتمع والسياسة والإنسان بضرورة التخصص في العلوم السياسية والاجتماعية أو النفسية.

ربما يفضل ناس أو مؤسسات الرجوع لمتخصصين في سياقات بعينها، لكن أن تفرض الدولة قيودًا وتصدر تراخيص وترتب عقوبات حبس وغرامات لغير المتخصصين، فهذا ما لا يليق إلا بالدول المتسلطة.

هناك مجالات يكون تدخل الدولة فيها بترخيص ممارسة مهنة أو نشاط معين ضروريًا لحماية سلامة المواطنين أو منع التغرير بهم، مثل بعض جوانب الطب والهندسة على سبيل المثال، لكن بعض جوانبها التي لا تهدد مباشرة سلامتهم فهي مفتوحة نسبيًا ولا تقيد قوانين الدول الديمقراطية ممارستها بترخيص، مثل بعض مجالات الطب البديل التي لا تتضمن تدخلًا جراحيًا أو تناول أدوية معينة قد يكون لها تأثير خطير في غير مواضعها.

هناك حجة طريفة تقال عادة في هذا السياق، وهي أن «الحفاظ على سلامة العقيدة والفكر الديني أهم من سلامة الجسد»، وهي حجة معادية لحرية التفكير والاعتقاد عمومًا، وهي تبدو وجيهة تمامًا في سياق سياسات الدول المحافظة المتسلطة والمجتمعات التي تعيش في وهم «الدين الواحد الصحيح» الذي يجب أن يعبر عنه وهم آخر اسمه «المتخصصون في الدين الواحد الصحيح».

3- «نحن نثق في رجال الأزهر»

لنتأمل قليلًا في القوانين المنظمة للمجال الديني وتعديلاتها الأخيرة العديدة. غير مسموح إلا لرجال الأزهر بالخطابة والتدريس الديني والفتوى، ولكن هل يكفي ذلك لأن تطمئن الدولة وتثق عمومًا برجال الأزهر أو معظمهم؟ الإجابة هي: لا.

غير مسموح لرجل الأزهر إلا بالخطابة أو التدريس الديني في مسجد محدد وميعاد محدد تقرره إدارة وزارة الأوقاف أو إدارة الوعظ بالأزهر، وهناك أيضًا موافقات أمنية. وفي المسجد المحدد والميعاد المحدد لخطبة جمعة ما، لا يحق لرجل الأزهر إلا الحديث عن موضوع تحدده سلفًا وزارة الأوقاف. وبخصوص الظهور في الإعلام فإن المؤسسات يجب أن تحدد أسماء بعينها منهم، وفي حالة الفتوى أيضًا سيجري ذلك. يعني ذلك ببساطة أن هذه التشريعات والتنظيمات تميل لعدم الثقة في رجال الأزهر باستثناء نخبة محددة منهم ستحددها قيادات المؤسسات الدينية بالتنسيق مع أجهزة أخرى في الدولة.

بخلاف عدم الثقة، فإن هذه السياسات والتشريعات ضرورية لمنع انكشاف الوهمين الأول والثاني، فترك الحرية لكل رجال الأزهر سيظهر كيف أن بينهم تنوعات لا تنتمي كلها للإسلام الواحد الصحيح، وأن المتخصصين في الإسلام الواحد الصحيح ليسوا متفقين تمامًا كما يجري الترويج له. لذلك، ولحماية هذه الأوهام جميعًا يجب عدم تركهم يمارسون الدعوة والتدريس الديني بحرية تامة إلا وفق عمليات انتقاء دائمة وقيود عديدة.

4- «نحن نواجه التطرف ونجدد الخطاب الديني»

عادة ما تُبرَّر عمليات الانتقاء والتقييد بأنها تهدف لمواجهة ومحاصرة «التطرف». وعادة أيضًا ما يتبادر إلى الذهن أن «التطرف» هو الآراء التي تتضمن عنفًا وتسلطًا غير مرغوب أو التي تدعم مشروع السلطوية السياسية الإسلامية.

وفي الواقع فإن من يرغبون في دولة ديمقراطية، لا يرغبون أيضًا في التساهل تجاه هذا «التطرف»، ولكن المشكلة أن في مقابله يجري ترسيخ «الاعتدال» الذي يدعم السلطوية السياسية الدولتية القائمة، ويتضمن تساهلًا وتقبلًا لما هو قائم ومستقر من الأوضاع السياسية والاجتماعية، ويتضمن تسلطًا وربما عنفًا ضد التنوعات التي لا ترغب فيها السلطوية الدولتية، أو يعتبرها «المتخصصون في الإسلام الصحيح» انحرافًا عنه.

المسؤولون في المؤسسات الدينية، كمتخصصين في الإسلام الواحد الصحيح، تزداد سلطاتهم في حماية هذا الاعتدال بموجب القوانين الجديدة، ومنها قانون تنظيم الفتوى، وهم يعبرون بوضوح في تصريحات متكررة أن التطرف الذي يحاربوه ليس فقط التشدد ولكنه أيضًا التساهل والتفريط في الأحكام الشرعية وثوابت الدين، الدين الواحد الصحيح بالطبع. كما أن بعضهم يدعو الدولة لمحاربة الإلحاد والاعتقاد في مذاهب إسلامية أخرى، مثل التشيع، باعتباره تطرفًا يهدد المجتمع والأمن القومي. كما أن أي محاولة للتجديد أو لنقد القديم مهددة بالعقوبات، لأنها تنحرف عن «الاعتدال».
وهم انحياز الدولة لتجديد الخطاب الديني ليس إلا لافتة وهمية لدفع المؤسسات الدينية للتكيف أكثر وأكثر مع كل ما هو قائم ومستقر، لأنه بالرغم من «اعتدالها الشديد» فإن بعض الآراء الموجودة عند رجالها وفي كتبها لا تتوافق مع ذلك، ما هو أبعد من ذلك، أي «الدعوة الرسمية لتجديد الخطاب الديني» هي حتى الآن مجرد تمنيات لا يدعمها في الواقع إلا سلسلة من الأوهام.

5- «نحن نواجه خطاب التحريض على الكراهية والتمييز والعنف»

مناقشة الأوهام السابقة تطرقت إلى أن «الاعتدال» الذي يحميه المتخصصون في الإسلام الواحد الصحيح يتضمن أحيانًا خطابًا تحريضيًا وعدائيًا ضد التنوعات الدينية غير المرغوبة من جانبهم أو من جانب قطاعات المؤمنين المتسلطين في المجتمع. ولذلك فإن بعض قادة هذه المؤسسات الدينية متورطون في خطاب كراهية وتحريض على التمييز ضد فئات بعينها، أهمها الملحدون والشيعة، باتهامهم بالعمالة لدول خارجية وبتهديد الأمن القومي على سبيل المثال.

ولكن أيضًا يمتد خطاب التحريض والكراهية في الفتاوى لفئات ضئيلة العدد لا يكاد تأثيرها يرى. فقد أصدر المفتي الحالي شوقي علام في فبراير 2017 فتوى حول طائفة «الأحمدية القاديانية»، وهي طائفة لا يعلم معظم المصريين أنها موجودة أصلًا، ولم تطالب بأي حق أو حرية -لا سمح الله- وأقصى أمانيها أن يتركهم رجال الأمن يمارسون شعائرهم في منازلهم الخاصة بعيدًا عن الناس، ولكن ورد إلى المفتي بحسب موقع دار الإفتاء سؤال من إحدى النيابات حول حكم الشريعة الإسلامية في الانتماء إلى هذه الطائفة، وذلك في سياق إحدى القضايا التي تتولى النيابة التحقيق فيها، وكان رده: «على أجهزة الدولة المعنية أن تتعامل بالصرامة المطلوبة إزاء مروجي هذه العقائد المسمومة في بلادنا؛ لأنها تهدد الاستقرار المجتمعي وتزعزع الأمن العام».

مواجهة خطاب التحريض على الكراهية والتمييز والعنف يكون بتشريعات ولوائح تراقب وتحاسب المؤسسات الدينية الرسمية على فتاواها وخطابها وليس بمنحهم المزيد من السلطات.

الحقيقة: المزيد من التسلط الديني

الجانب الخطير بالفعل في أي فتوى هي تلك السلطة التي يتشاركها المفتي ومن يتلقون الفتوى على الآخرين. فتوى مثل أن فعل كذا وكذا يوجب القتل لن يكون لها أي تأثير خطير إلا إذا كانت هناك تلك السلطة والسيادة التي يتمتع بها دين ما أو مذهب ما على أتباعه أو على الآخرين. يشعر من يتلقون فتوى كتلك أن للمفتي وفتواه سلطة عليهم لأنه متخصص في الإسلام الواحد الصحيح، وسلطة يشعرون بها على الآخرين فيتحركون لتنفيذ الفتوى من أجل حماية سلطة ما يظنون أنه «الإسلام الصحيح» على المجتمع.

التنظيمات الجهادية مثلًا، الجادة في تطرفها، لا تطمح في تراخيص من أجل ذلك، كل ذلك، هي تتحرك ضد الإطار الرسمي ولا يستأذن أتباعها في القتل أو الإيذاء، و«مشروع تقنين الفتوى» بالنسبة لهم لا معنى له.

ولكن مشروع تقنين الفتوى سيعطي سلطة أكبر للمفتي، ولفتاويه، وشعوره بالسلطة على الآخرين، تشاركه فيها السلطات التنفيذية والقضائية في الدولة، وطبعًا البرلمان الذي سيصدر القانون قريبًا.

وكما في حالة مثال فتوى الطائفة الأحمدية، فإن عضو النيابة استشعر سلطة ما على الأحمديين، لكونه مسلمًا أو لأنه نائب عن السلطة القضائية لأغلبية مسلمة أو لدولة دينها الرسمي الإسلام، فأرسل يستشير المفتي بخصوصها، فأفتى له كخبير أمني، مستندًا لنفس السلطة، أنهم يهددون الاستقرار والأمن العام.

لو كانت تلك الطائفة مارست أو صارحت بما يهدد الاستقرار والأمن العام لم يكن الأمر بحاجة لفتوى شرعية، ولكن التهديد المحتمل الذي تمارسه أية طائفة دينية مختلفة هو احتمال اقتناع بعض الناس بها، وبالطبع يعتقد المؤمنون المتسلطون أن عليهم إيقاف ذلك بالقوة وبالقانون، وبالفتوى والتحريض، وبالملاحقات الأمنية وقضايا ازدراء الأديان التي تنتهي بالمختلفين إلى السجن.

مشروع تقنين الفتوى يكرس هذه السلطة أكثر فأكثر، سيكرس سلطة الدولة في اختيار المتخصصين المتحدثين باسم الإسلام الواحد الصحيح، ويكرس سلطة الدولة وهؤلاء المتخصصين على عموم المسلمين بتنوعاتهم وعلى غير المسلمين أيضًا.

ليس غريبًا إذن أن ما يعطل مشروع القانون في البرلمان هو صراع بين طوائف «المتخصصين» على أحقيتهم في سلطة إصدار التراخيص والفتاوى. الأزهر معترض على أن القانون يضم ضمن الهيئات المختصة بالفتوى «إدارة الفتوى بوزارة الأوقاف» -التي تضم مشايخ أزهريين أيضًا بالطبع- ووزارة الأوقاف تتمسك بأحقيتها. هذا التنازع على سلطة الاختصاص يأتي على خلفية التوتر الشخصي بين شيخ الأزهر ووزير الأوقاف والذي انتقلت أخباره وتفاصيله إلى الإعلام أكثر مرة مع لقاءات تهدئة وصلح معلنة.

هذه المهازل التي تنتمي لخلافات كنائس القرون الوسطى ستهدأ في وقت ما، وسيصدر القانون، ولكن ستبقى تلك الحقيقة المستمرة بعيدًا عن الأوهام، أن مثل تلك القوانين تكرّس للتسلط باسم الدين وعبر المؤسسات الدينية، وقد يكون لدى محبي هذه القوانين تبرير نبيل: هذه القوانين تهدف لاحتكار الدولة لهذا التسلط، والحفاظ عليه في مخازنها بعيدًا عن الإسلاميين، وتربية الشعب على أن سلطة الدين يجب أن تكون في قبضة الدولة وحدها.

وأنا أهيب بالسادة والسيدات من محبي هذه القوانين ومحبي التسلط الدولتي في كافة صورة وبأي أشكاله ذعرًا من الإسلاميين، وأدعوهم لمد الرياضة الذهنية على استقامتها، ولنفكر معًا أن كل ذلك يتراكم على المدى الطويل، ويوفر للإسلاميين السلطويين في المفارق الانتخابية جمهورًا تربى على حب تسلط الدولة باسم الإسلام وتسلط المسلمين على غيرهم عبر الدولة، وعندما يفوز الإسلاميون في الانتخابات يجدون في مخازن الدول التي كانت تحاربهم مخزونًا رائعًا ومفيدًا من التسلط الديني وقوانينه ومؤسساته، كانت معدة أصلًا لمحاربتهم، ويكون كل ما عليهم هو تلميعها وإزالة غبار مماحكات القرون الوسطى من عليها واستعادة لمعان سيوف القرون الذهبية للخلافة.

اعلان