Define your generation here. Generation What

من السجن: «أَمَّد»

في 6 أكتوبر 2013 ألقي القبض على الطالب عبد الرحمن الجندي، 22 سنة، حين كان يستقل هو ووالده سيارة خاصة في ميدان رمسيس بالقاهرة، حيث كانت المظاهرات مشتعلة في ذلك الوقت احتجاجًا على عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. أدانتهما محكمة الجنايات مع أكثر من 60 آخرين بتهم «القتل، والشروع في القتل، وإتلاف منشآت عامة وخاصة، وحيازة أسلحة وذخائر»، وقضت في 30 سبتمبر 2014 بسجنهما 15 عامًا، والمراقبة لمدة خمس سنوات، و20 ألف غرامة لكل منهما. وفي مارس 2016، رفضت محكمة النقض الطعن المقدم منهما وأيدت الحكم السابق ضدهما.

كان الجندي قد حصل على منحة لدراسة الهندسة في الجامعة الألمانية بالقاهرة، وذلك لتفوقه الدراسي في المرحلة الثانوية، وذلك قبل أن يُلقى القبض عليه، ولم يكن أكمل عامه الـ 18 وقتها. وبسبب حكم السجن، فقد فرصته في استكمال تعليمه بالجامعة الألمانية، والتحق بكلية الهندسة بجامعة عين شمس لاستكمال تعليمه من محبسه.

المحرر

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

طرة، 9 مايو 2018

عندما رأيته للمرة الأولى، كنت أقف بجوار نافذة في الدور الذي تقبع فيه زنزانتي بالعنبر، أراقب السماء من وراء القضبان في ساعة التريض، عندما استدرت وجدته يجلس القرفصاء مسندًا ظهره إلى الحائط، نحيل الجسد لحد الهزال، قصير وهائش الشعر أشعثه. عندما تنظر لوجهه تشعر للوهلة الأولى بشيء غير مألوف، ثم تدرك بعد تدقيق أنه مصاب بمتلازمة داون، وإن كنت شخصًا طبيعيًا ستعجب لوجود مثله في سجن، وليس في مؤسسة طبية لذوي الاحتياجات الخاصة، وستعجب أكثر إن علمت أنه في السجن لقضية سياسية لا جنائية. ولكني لم أعجب. لم أعد أعجب من شيء.

كان ممسكًا بسيجارة يسحب منها الأنفاس بنهم، وكأن حياته، لا موته، هي ما تتعلق بها.

اقتربت منه مراقبًا وجهه الطفولي شديد النحول والبياض، ثم جلست بجواره وسألته عن اسمه.

نظر إليّ نظرة شديدة العجب والاحتقار، متوقعًا فيما يبدو سيلًا من السخرية القاسية من إعاقته، كما اعتاد حتمًا في هذا المكان الذي تنعدم فيه مع الوقت كل أنواع التعاطف والإنسانية، سواء من السجانين أو المسجونين.

عندما سألته مرة ثانية حَوَّل بصره عني وتجاهلني تمامًا، ثم كررت السؤال، فنظر إلىّ باحتقار لتجرؤي على لحظات تأمله، وقال بغضب: «أّمَّد»!

لم أفهم ما قال، أعدت على مسامعه السؤال فأعاد الإجابة: «أَمَّد». مر أحدهم بجوارنا ضاحكًا، ليخبرني أن اسمه محمد لكنه مصاب بتأخر في النطق، فينطق اسمه هكذا، كما عرفت لاحقًا أن السجن كله يناديه بـ «أَمَّد». أخرجت قطعة حلوى صغيرة من جيبي ومددتها إليه. نظر إلى يدي ثم إلى وجهي في استغراب، ثم بدأ يمد يده في بطء منتظرًا حركة الغدر لكي نضحك عليه جميعًا. ذكرني تردده بالساعات التي كنت أمضيها في الشارع محاولاً كسب ود قطة لم تعتد إلا الضرب والأذى من كل البشر، حتى لم تعد تأمن لأي منهم، مهما أظهر من خصال الإحسان.

أخذها أخيرًا والتهمها في لحظتها، راقبته ضاحكًا، ثم مددت يدي بعد أن انتهى وعرفته بنفسي: «عبدالرحمن». حدَّق فيّ غير مستوعب، فأدركت أن الاسم أطول من أن ينطقه، فقلت له: «جندي». كررتها عدة مرات حتى انفرجت أساريره و نظر إليّ في ضحكة واسعة مرددًا الكلمة التي أعلنت صداقتنا رسميًا: «شنجي»!

بدأت أسلم عليه كل بضعة أيام. لم يكن أحد يزوره ولم يكن يملك شيئًا، فاعتاد المرور على زنزانتي ليأخذ قليلًا من الشاي أو السكر أو السجائر، لم يكن يتغذى تقريبًا إلا عليهم.

مررت أمام زنزانته المفتوحة ساعة التريض ذات يوم، فوجدته خارجًا من الحمام وقد استحم لتوه، لا يرتدي إلا فانلة بيضاء كبيرة تصل إلى ركبته، وإذا بأحد زملائه في الزنزانة يمازحه ويحاول جذبها لأعلى، فيصرخ ضاحكًا ويهرب منه، لتبدأ اللعبة بينهم ويبدأ كل من في الزنزانة بالجري وراءه ومحاولة جذب الفانلة، وهو يجري ويدور وصراخه الضاحك يتردد في أرجاء العنبر.

استيقظت بعد أيام على يد تهزني وصوت يقول: «شنجي.. شنجي..» فتحت عيني في بطء وسألته: «عايز ايه يا أَمَّد؟» فرد: «أُمَّاية»، سألته إن كان يريد بعض الماء، فهز رأسه محبطًا من غبائي، ثم أمسك بكوب ملقى على الأرض وكرر: «أُمَّاية!» قلت: «كُبَّاية؟» أومأ في سعادة، وفهمت من إيماءاته أن كوبه قد ضاع، أحضرت له كوبًا زائدًا من البلاستيك، فتناوله في سعادة شديدة ممطرًا إياي بسيل من كلمات الشكر التي لم أفهم منها شيئًا وإنما أحسست فيها بالامتنان. ملأني شعور غريب بالأسى على سهولة إسعاده بشيء ملقى لا يهتم به أحد لهذه الدرجة، وحننت لأيام كانت سعادتي فيها بنفس السهولة.

آخر مرة رأيته فيها كان يسعل سعالًا شديدًا ويصرخ طالبًا الذهاب إلى العيادة، كان الكل يتجاهله كالعادة، أو لا يهتم، كونه «عبيطًا» كما يقولون عنه، فماذا نتوقع منه إلا أن يهذي؟ شاهدته يصعد لزنزانته وهو يصرخ في حنق وغضب شديدين بكلمات يكررها، لم يفهمها إلا من يعرفون قاموسه الخاص. كان يصرخ قائلًا: «والله لنموت هنا»!

عرفت منذ يومين أنه سقط فاقدًا للوعي بعد نوبة سعال شديدة، وأنه الآن في المستشفى وأنه أصيب بالسل.

لا أعلم إن كان «أَمَّد» سيموت. لا أعلم إن كنت سأسمع نداء «شنجي» المألوف مرة أخرى.

قررت الكتابة عنه قبل أن يأتيني نبأ موته فلا أكترث لحمل القلم وأزهد فيه، بعد أن تنسحب القطعة المضيئة الصغيرة التي التصقت بروحي من نور براءته، فتعود روحي مظلمة كما كانت.

أشعر باشمئزاز من الكون الذي جعلني لا أعلم، أأدعو له بالحياة أم الموت؟ أظنني سأدعو له كما أدعو لنفسي.

بالراحة.

عبدالرحمن الجندي

طرة شديد الحراسة 2

9 مايو 2018

***

طرة، 26 يونيو 2018

«أمَّد مات أول يوم العيد (15 يونيو)».

اعلان
 
 
عبد الرحمن الجندي