Define your generation here. Generation What
خيارات الزوجة المتضررة.. بين العنف والطلاق وانتزاع استقلالها المادي
 
 

«أول ما وقفت على رجلي وكفيت نفسي، قررت أنهي حياتي معاه، لأن الراجل اللي ميكفيش مراته وعياله يبقى بلاش منه، والراجل اللي ضد شغل الست عارف إنها لما هتشتغل القرش بيقويها وتتسند، وما تبقاش محتاجة له»، تقول إيمان* لـ «مدى مصر».

كان حديث إيمان والتي تنتمى لشريحة اجتماعية أقل من المتوسطة عن سبب إقدامها على طلب الطلاق مبنيًا على عجز زوجها والذي يعمل كسائق تاكسي عن الوفاء بمتطلبات المنزل والأسرة وعدم سعيه لتغيير الأوضاع بالبحث عن عمل آخر يضاعف به دخله الشهري، بالإضافة إلى رفضه لعمل المرأة.

تحكي إيمان عن رحلة انفصالها عن زوجها بعد أن أصبح عنيفًا معها لإصرارها على العمل لتوفير بعض نفقات الأسرة، فتركت له المنزل مؤقتًا لإجباره على محاولة البحث عن عمل آخر، فاكتفى زوجها بزيارتها لرؤية الطفلة، وعدم تكفله بأي مصاريف خاصة مع رفضه المعلن لعملها، ولم تكن تتجاوز مساعداته المالية في حياة طفلته الـ 50 جنيهًا التي يقدمها لها من حين لآخر، على أمل أن تتراجع هي عن قرارها بالعمل كعاملة نظافة وتعود للمنزل، إلا أنها يئست، ورفعت قضية طلاق بعد عام ونصف٬ الأمر الذي أثار غضبه، وقال لها: «طالما اختارتي المحاكم يبقى خلي المحكمة تنفعك»، كما توقف عن طلب رؤية طفلته.

«أسرتي مقدرتش تتكلم إني قعدت في شقة إيجار لوحدي، ومحدش فيهم كان يقدر يتكلم، طالما محدش بيصرف علي يبقى مش من حقهم يتكلموا» تقول إيمان عن قرارها الذي اتخذته رغم ما تخوضه من رحلات لمحكمة الأسرة من أجل قضيتي النفقة والسكن التي رفعتهما على زوجها بعد رفضه توفير مسكن لها ولطفلته.

وحتى بالرغم من قدرتها على الانفصال اقتصاديا عن زوجها، لا يعتبر قرار الطلاق أمرًا سهلًا، كما توضح إيمان. «أنا مش مهم.. لكن الطفل مقدرش أقوله خليك جعان أو عيان»، مؤكدة أن موقفها ربما لم يكن بهذا الوضوح إذا لم تكن قد أنجبت طفلة ومعها أحست بمسؤولية مضاعفة لتلبية احتياجاتها التي عجز والدها عن تلبيتها، بل ويرفض بذل أدنى محاولة لتحسين هذه الأوضاع.

تبرز تجربة إيمان فكرة ارتباط التمكن الاقتصادي بقدرة المرأة على السير في طريق الطلاق عند فشل العلاقة الزوجية. ولكنه ليس ارتباطًا منطقيًا بحتًا حين تتمكن المرأة اقتصاديًا تتطلق، حيث تخللها الكثير من التعقيدات.

للعنف اقتصاد

من خلال عدة أرقام رصدها الجهاز المركزي في تعداد السكان لعام 2017 كان من الواضح بروز مؤشرات على تغييرات في الكيان الأسري في مصر مرتبطة بواقع اجتماعي واقتصادي متغيّر، حيث ارتفعت نسبة الطلاق 10% في 2016 لتصل إلى 199 ألف حالة طلاق سنويًا.

تقول منى عزت، مديرة برنامج «المرأة والعمل» بمؤسسة المرأة الجديدة إن زيادة معدلات الطلاق لا يمكن النظر لها بمعزل عن المجال العام، لأن هناك تأثيرات شديدة التعقيد تفرض على الأسرة العديد من التحديات، بمعنى أن زيادة معدلات العنف داخل المجتمع وزيادة الضغوط الاقتصادية على المواطنين وضيق الفرص في المجال العام، واختفاء المساحات المتاحة للمواطنين التي يعبرون فيها عن أنفسهم بممارسة أنشطة سياسية واجتماعية وترفيهية تسمح لهم بقدر من التحقق، جعلت من الأسرة المنفذ الوحيد للتنفيس عن الغضب والفشل والكبت.

وهنا يظهر الوجه الاقتصادي للعنف، فقبل المسح السكاني لعام 2017 كان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أجرى مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي 2015 بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة، وصندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية، والذي صدر في يونيو 2016، وأوضحت نتيجته أن النساء اللائي لا يوجد لديهن دخل أكثر تعرضًا للعنف من قِبل الزوج، وبزيادة الدخل تقل نسبة النساء اللائي تعرضن للعنف النفسي أو الجسدي.

وأكد المسح أن تمكن المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا من العوامل التي تحمي المرأة من العنف الزوجي، فكانت النساء اللائي لديهن دخل شهري، أو لديهن دخل ضئيل أقل من 300 جنيه أو ليس لديهن أصول أو ممتلكات أكثر عرضة لنوع أو أكثر من أنواع العنف الزوجي مقارنة بالنساء اللائي لديهن دخل أكبر أو ثروة.

وكانت المطلقات والمنفصلات أكثر فئة بين مختلف الفئات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية من حيث المعاناة من التصرفات التحكمية المالية على يد الزوج السابق، فقد ذكر نحو 20% من النساء المطلقات أو المنفصلات أن الزوج الأسبق رفض اعطاؤهن المال الكافي لتغطية تكاليف المعيشة، وأفاد 27% تعرضهن لموقف واحد على الأقل من مواقف التحكم المالي.

ووفق مسح التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي 2015، تؤدي السلوكيات التحكمية والتحكم المالي على يد الزوج إلى زيادة كبيرة في عنف الزوج ضد الزوجة، وسُجل أعلى معدلات للعنف الزوجي بجميع أشكاله ضد النساء المطلقات أو المنفصلات. كما وضح المسح أن هناك ارتباط بين اعتقاد الزوجة بأنها لابد أن توافق زوجها في الرأي حتى في حالة عدم اقتناعها، وذلك لأن الرجل هو المتحكم في البيت من جهة، ومستوى العنف الزوجي ضدها من جهة أُخرى.

فكرة ربط العنف ضد المرأة بقدرتها الاقتصادية واستقلالها المادي فحسب، محل  تحفظ إلهام عيداروس، وكيل مؤسسي حزب «العيش والحرية»، لأنها قد تترك انطباع أن العنف هو  نتيجة للفقر، أو أن عدم التمكن الاقتصادي مرتبط بالطبقات الأفقر، وذلك بالرغم من تأكيد الاحصائيات أن النساء المطلقات من مختلف الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية كانت تعاني من التصرفات التحكمية المالية للزوج، حسب رأيها.  

وتوضح عيداروس لـ «مدى مصر»: «لدي تحفظ على ربط المستوى الاقتصادي بالعنف ﻷن هذا يجعل منه ممارسة خاصة بالطبقات الفقيرة وهذا يعطي إيحاء أن الرجل المقهور والذي يتعرّض ﻷزمة اقتصادية تحول دون القيام بمسؤولياته يمارس هذا القهر على المرأة، وبالتالي يعتبر الرجل الأفقر بالتبعية أكثر عنفًا، وهذا غير صحيح، ﻷن في الطبقات الثرية والمتوسطة لا يؤدي الرجال واجباتهم الاقتصادية، بل ويمارسون عنفًا أيضًا، ولا يحول تمكن النساء الاقتصادي دون تعرضهن وتقبلهن لذلك الوضع لاعتبارات أُخرى».

وتعتبر، «زيادة الزواج المبكر، والقائم نسبة ملحوظة منه على الزيجات السريعة بين قاصرات وأثرياء عرب أو مصريين، والذي يستمر في أغلب الأحوال لمدد قصيرة» هي أحد أهم أسباب الطلاق أيضًا في رأي الباحثة منى عزت، وهي الظاهرة التي رصد تعداد سكان 2017 زيادتها لتصل لـ 118 ألف حالة زواج مبكر، وهو ما يعادل 40 ٪ من إجمالي حالات الزواج في مصر سنويًا.

وفي بعض الحالات، يكون تمكن المرأة اقتصاديًا مصدر لممارسة العنف تجاهها، حيث المنظور الشعبي الذي يرى في حصول الزوجة على دخل أكبر من زوجها انتقاص من رجولته، ويكون مصير هذا الدخل الذي تحصل عليه عادة في يد الزوج، حسب عيداروس.

التمكن الاقتصادي ولكن

لذا ترى منى عزت أن التمكن الاقتصادي للمرأة يجعلها قادرة على أن تتخذ القرارات في حياتها بشكل عام، بخلاف النساء غير الممكنات اقتصاديًا، وبالتالي قراراتهن تكون أصعب. «خاصة أن قرار الطلاق هو قرار مستهجن، حتى من قِبل أسرة المرأة، فهم لا يشجعونها على الطلاق، بل يحثونها على الصبر والاحتمال» حسب قول الباحثة.

قدرة المرأة على التمكن الاقتصادي في كل الأحوال تعوقها أمور هيكيلية، ويوضح بحث بعنوان «تحقيــق المساواة بين الرجل والمرأة في المنطقة العربية في وسط عالم العمل المتغير»، صادر عن منظمة العمل الدولية في 2017 أن المؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن من أكثر عشر دول تظهر فيها أعلى مستويات الفجوة في العمل بين الرجل والمرأة ست دول عربية، هم «قطـر ومصـر والعـراق والإمـارات والمغـرب والمملكـة العربيـة السـعودية»، نتيجة للعادات الاجتماعية الرجعية، والتمييز في القوانين ضد المرأة، وعدم وجود حماية قانونية للمرأة، والفجوة بين الرجل والمرأة في مجال العمل، بالإضافة إلى عدم وجود أصول سواء كانت مالية رقمية أو عقارية.

ويوضح البحث أن الأزمة في البلدان التي ذكرها ومن بينها مصر تكمن في أن العادات والتقاليد تحدد العوائد الاقتصادية، خاصة أن العـادات والتقاليد تشكل قرارات المرأة فيما يتعلق باختيار الوظيفة وكذلك الفرص في مجال التعليم التي تريد أن تستفيد منها وتختارها، والتمييز بين الرجل والمرأة والأفكار النمطية والتمييز الضمني، هـو ما يقلّل من أجر المرأة وفرص الترقية المهنية.

وبغض النظر عن مدى التمكن الاقتصادي، تربط منى عزت العزوف عن الطلاق بالشرائح الأفقر، لأن النساء أحيانًا لا يملكن هذا القرار، وهن أنفسهن قد يرفضن الطلاق، لأسباب عديدة منها إن أسرهن لن تدعمهن، أو قد تكون أسرهن ذاتها مأزومة ماديًا بدرجة أكثر بؤسًا منهن، أو لأنهن قد تخلصن من قبضة رجل آخر كالأب أو الأخ ويرفضن العودة لها مرة أُخرى، وغيرها من الظروف الاجتماعية، غير المنفصلة عن الأمور الاقتصادية.

الخوف من قسوة المجتمع الذي تحدثت عنه منى عزت ويحول دون اتخاذ الزوجة لقرار الطلاق، تعود وتؤكده تقول عزة سليمان، مديرة مؤسسة «قضايا المرأة المصرية»، موضحة أن المُعاناة في خروج المرأة كمطلقة من منزل زوجها يضعها أمام احتمال أن تخرج بأطفالها من قبضة زوجها لتقع في قبضة أُخرى أو تتحوّل لخادمة في منزل أسرتها، أو يتمّ مساومتها على أن تعود لمنزل والدها بدون أطفالها.

رسمة: رنوة يوسف

كما ترى عزة سليمان أن «العنف أحيانًا لا يكون سببًا كافيًا حتى تطلب الزوجة الطلاق لأنها تخشى المجتمع أو لا يوجد لها مصدر دخل أو مكان تلجأ له، إلا أن عدم توافر عائد مادي للأسرة مع وجود احتمالية بدائل أُخرى متاحة  يدفعها لطلب الطلاق حتى يكون من حقها البحث عن هذه البدائل للإعالة مثل العودة لمنزل والدها أو الحصول على معاشه في حالة وفاته أو حتى البحث عن عمل».

هذه العوامل الاجتماعية تصبح حاجز حتى أمام التمكن الاقتصادي. حسب منى عزت، التي تقول «النساء تخشى كلام الناس، بمعنى أنها تستطيع الخروج من المنزل والعمل كعاملة منزل مثلًا، لكن إذا كانت مطلقة وتعمل في تلك المهنة فإن نسبة الشك فيها ومعدلات التجرؤ عليها أكتر حتى لو كانت تعمل كبائعة في السوق، لذلك فإن الطلاق لا يكون الخيار الأول عملًا بالمثل القائل «ضل رجل» فهو يعطيها مساحة الخروج والتحرك بحرية ويوفر لها الحماية من التعرض لألسنة المجتمع، وهذه واحدة من وسائل التكيف التي تلجأ لها النساء».

بينما تشير عيداروس إلى «أن في عام 2000 عندما صدر قانون الخلع تصور الغالبية أن فائدته ستعود على النساء الثريات والطبقة الوسطى، ولكن في الواقع العملي أكثر النساء اللواتي استفدن من الخلع هن ستات الطبقات الفقيرة، ﻷن الزواج في حالتهن لم يعد يحقق لهن اكتفاءً اقتصاديًا وهو أحد أهم أسباب الزواج بين نساء هذه الطبقات».

ومع ذلك، تؤكد عيداروس «أن التمكن الاقتصادي يسهل الخلع، وليس الطلاق، بمعنى لو هناك مصدر دخل يكون الخلع أسهل فالمرأة تتنازل عن حقوقها، وتعتمد على مصدر الدخل الذي لديها، لأن الطلاق يحتاج وقت أطول وأحيانًا مصاريف أكثر، سعيًا للحصول على بعض المستحقات المادية وعدم التنازل».

كما ترى عيداروس أن نساء الطبقة الوسطى ممَن لديهن ما يخسرهن على مستويات أُخرى غير المادية، مثل القلق على الوجاهة الاجتماعية التي أكسبها لهم الزواج، أو العلاقات التي تجمعها بالآخرين والمعتمدة بشكل ما على كوّن المرأة متزوجة، يترددن في استخدام الخلع أو طلب الطلاق. وﻷن الزواج في حالة نسبة كبيرة من نساء الطبقة المتوسطة والثرية لا يكون بالأساس بحثًا عن وسيلة للإعالة، وإنما للأسباب التي سبق ذِكرها، وبالتالي التمكن الاقتصادي لهن في هذه الحالة لن يؤثر كثيرًا في قرارهن بالانفصال مهما كانت معاناتهن.

حرية بدون زوج.. بدون أطفال.. بدون مال

يتجسد عدم ارتباط الراحة المادية مع قدرة المرأة على خلع زوجها في حالة سميرة* التي حصلت على لقب مطلقة عام 2006، بعد أن تنازلت عن كافة حقوقها المادية في مقابل التخلص من زواجها الذي تعرضت بسببه خلال عشر سنوات للضرب والإهانة والحرمان المادي والمعنوي على كل المستويات رغم ثراءه. «قلت له لو هنام تحت الكوبري مش هفضل مراتك يوم زيادة. وروحت خلعته» تقول لـ «مدى مصر».

رسمة: رنوة يوسف

سميرة مواليد عام 1971 حاصلة على بكالوريوس تجارة. تزوجت في سن الرابعة والعشرين من محيط معارف أسرتها التي تعتبر طبقتها أعلى من المتوسطة، وسافرت مع زوجها لدولة الإمارات وهناك شهدت أول طريق إهانتها وحرمانها من أبسط حقوقها، بعد أن منع زوجها وجود التليفزيون والراديو والجرائد وقطع كل سُبلها للتواصل مع أي إنسان خارج المنزل. «أنا كنتُ عايشة أربّي العيال وأطبخ معرفش أي حاجة عن الدنيا. جارية زي ما كان بيقول لي. كنت احوش أرباع الدراهم عشان اجيب ثمن جورنال انزل اشتريه من وراه، واضطر أمشي مسافة طويلة في شمس الإمارات ﻷن مش معايا عربية» تحكي سميرة.

تجاوزت تنازلات سميرة عن حقوقها المادية في مقابل خلع زوجها، للتنازل عن أولادها أيضًا، لأن زوجها الحاصل على بكالوريوس هندسة، رفض تطليقها لثقته أن إجراءات التقاضي طويلة ومكلفة وهي لا تملك أي مصدر دخل أو منزل خاصة بعد وفاة والديها، وهو ما سيجعلها تتراجع عن الطلاق.

«أنا خرجت بالطقم اللي علي فعليًا وهو مطلبش ياخد العيال. هو مخيرنيش بالأساس. أنا اللي سيبتهم قُدام حريتي لأن عيالي مدارس خاصة ومصاريفهم طبعًا مقدرش عليها. وهو قال لي مش هيدفع لي ولا مليم. فالكلام عن الأمومة وخدي عيالك في حضنك كان هيدمر مستقبلهم. هنعيش فين وهناكل من فين أنا وهم؟ فسيبتهم ومش ندمانة» تقول سميرة لـ «مدى مصر».

رغم عدم تمكنها ماديًا اختارت سميرة الطريق الصعب، بعد قضاء أسابيع في الفراش تصارع الموت بعدما اعتدى عليها زوجها بالضرب، متشبثة بالحياة من خلال المحاليل، فقدت خلالهم أكثر من نصف وزنها وحذرهم الأطباء من خطورة حالتها، الأمر الذي قابله زوجها بفتور وعدم اكتراث، مؤكدًا على أنها ستتعافى عندما تعود لرشدها، وهنا تدخلت شقيقتها التي تعمل محامية، وساعدتها في الحصول على حريتها. «عرفت أنه كان ناوي يدخلني مصحة نفسية ويحبسني هناك ﻷنه عنده فلوس ونفوذ. فلو مكنتش هربت بنفسي كان زماني يا ميتة يا مجنونة بجد»، تحكي سميرة عن محاولات زوجها عقابها لطلب الطلاق الذي وجد إنه جريمة وإهانة في حقه كما تقول، إلا أنه حرمها أيضًا من رؤية أطفالها الثلاثة طوال عشر سنوات بعد طلاقهما.

«بنتي الصغيرة اللي سبتها وهي عندها ثلاث سنين. من سنتين دوّرت على الفيسبوك، وعرفتني وبعتت لي تقول لي: أنا فخورة بيكي عشان إنتي ست قوية. هي بتناديني باسمي مش ماما. معرفش همّا مهتمين يعرفوا الحقيقة ولا ﻷ. بس أنا أخدت لحياتهم وحياتي القرار الوحيد اللي ينقذنا كلنا. لأن إيه اللي يفيدهم في أم ميتة وبتتهان كل يوم».

«أنا محظوظة بأصحابي. صديقة استضافتني شهور في بيتها. وصديقة وفرت لي 600 جنيه مساعدة مادية شهرية لغاية ما لقيت شغل ودي كانت أول مرة اشتغل في حياتي. ونزلت وكالة البلح اشتريت هدومي ونفسي صعبت علي أوي بعد ما كنت بشتري ماركات. لكن قلت لنفسي ولو هأكل تراب حريتي أغلى. وده معناه أن وجود دخل طبعا بيحرر قرارات الست الحاجة الوحيدة الصعبة هي وجود أطفال لكن أنا حكيت لك أني أخدت قرار صعب بالتخلي عنهم». منذ عام 2006 وسميرة تعمل وتحصل على دخل ثابت بعد أن عملت في عدة وظائف.

أين الدولة كل ذلك؟

«إحنا كدولة مسؤوليتنا نطلع قانون يقول لا يتمّ الطلاق إلا أمام المأذون عشان ندي فرصة للناس تراجع نفسها، ولازم نحافظ على الأمة من إنها تتحول لأطفال في الشوارع». كانت هذه هي  دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لمنع الطلاق الشفوي خلال كلمته احتفالًا بعيد الشرطة في يناير 2017، مسببًا أزمة بينه وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، بعد أن رفضت هيئة كبار العلماء بالأزهر هذا الكلام.

«الكلام عن أن الطلاق يفكك المجتمع، ولابد من تقليل هذه النسبة كلام لا ينظر للمرأة التي تحمل وحدها مرارة هذه الحياة، وفي رأيي مصلحة الأطفال في النشأة بين طرفين يحترما بعضهما البعض أفضل من أسرة مفككة مليئة بالعنف» تقول عزة سليمان، مديرة مؤسسة «قضايا المرأة المصرية»، معترضة على خطاب السيسي الذي يجسد خطاب الدولة.

وإذا كان للدولة دور في التمكن الاقتصادي للنساء وبالتالي تطوّر أهليتهم للسعي إلى الطلاق في حالة فشل الزواج، فهو دور سلبي، حسب عيداروس، التي تقول: «المقاربة التي تستخدمها الدولة لتمكين المرأة تدل على توجه محافظ جدًا ولا تسعى فعليًا لحل تلك الأزمة، فخطط الدولة تركز على المرأة المعيلة، بتوفير إعانة مادية لها، ولكن المرأة المعيلة من وجهة نظر الدول هي المرأة التي فقدت زوجها، وهذا معناه أن الدولة لا تسعي لحل الأزمة الحقيقية وهي الفجوة بين دخلي المرأة والرجل، فأجور النساء أقل وفرصهن في الترقي أقل، وبالتالي تكون الأسر التي تعيلها النساء أفقر من الأسر التي يُعيلها الرجال».

يرصد الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء في تعداد السكان لعام 2017 زيادة عدد الأُسر التي تعولها المرأة لتصل نسبة المرأة المعيلة لـ 25% من الأُسر.

الدولة، إذًا، لا تحب ولا تشجع على الطلاق، ليس فقط في شكله الشفهي وهو الحق المقتصر على الرجال، ولكن أيضًا عندما تسعى إليه النساء.

تشير عزة سليمان إلى أن الحالات اللي لجأت للمحكمة من أجل الطلاق أقل من التي حصلت عليه أمام المأذون، ما يعني أن الزوجة عانت حتى وصلت لمرحلة أن تُبرأ زوجها من كافة مستحقاتها المالية، كما إنها لا تثق في منظومة العدالة التي يُعيبها البطء، وهو الظلم البين، حسب قولها.

أحد الضرائب التي تدفعها الأم المطلقة في مصر، والتي تمثل عدم تحمس الدولة للطلاق أو لسعي المرأة تحديدا للطلاق، هو أن حضانة الأطفال وفقًا للقانون تسقط عنها إذا ما قررت الزواج مرة أُخرى، وتؤول حضانة الأطفال للوالد أو أقرب سيدة ذات قرابة له بمعنى الأم أو الأخت، وهو ما تراه عزة سليمان أحد الجرائم في حق المرأة المصرية، فيعطي الحق للرجل الزواج مرة أُخرى بعد الطلاق دون أي قيود أو شروط، بينما تُحرم المرأة الأم إذا ما أردت الاحتفاظ بأطفالها.

وهكذا، تشير تحديات مختلفة تتعرض لها النساء على اختلاف أوضاعهن إلى صعوبة اتخاذ قرار الطلاق، بالرغم من الزيادة المسجلة في نسب الطلاق التي أقلقت الدولة. وبينما يكون التمكن الاقتصادي أحد سُبل تخطي هذه التحديات، ولكن وحده فقط لا يكفي.

* تمّ تغيير الأسماء بناءً على طلب المصادر

اعلان
 
 
كارولين كامل