Define your generation here. Generation What
بعد قرار «اللجنة العليا للمهرجانات».. ما هو مستقبل الحفلات الفنية في مصر؟‎
 
 

فاجأت الحكومة الوسط الفني والثقافي بقرار تشكيل لجنة عليا لتنظيم المهرجانات والاحتفالات، فيما وصفه المختصون بـ«الخطير جدًا» على الوسط الثقافي والفني، وذلك بسبب تشكيل اللجنة التي تضم ممثلين من جهات مختلفة منها الداخلية والآثار والتنمية المحلية، إلى جانب شروط أخرى اعتبروها تعجيزية، خاصة أمام الفرق الصغيرة منها.  

وكانت الجريدة الرسمية  نشرت أمس، الخميس، قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1238 لعام 2018، والمعني بتنظيم إقامة الحفلات والمهرجانات. وينص على عدم جواز«تنظيم أو إقامة مهرجان أو احتفال إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من وزارة الثقافة، عقب التنسيق مع الجهات المعنية بالدولة».

وفصّل القرار «الجهات المعنية» في مادته الثالثة، والتي أصدرت قرارًا بتشكيل لجنة عليا دائمة لتنظيم إقامة المهرجانات والاحتفالات برئاسة وزير الثقافة وعضوية كل من« ممثل عن كل من وزارات (الخارجية- الداخلية- المالية- السياحة- الآثار- الطيران المدني- الشباب والرياضة- التنمية المحليّة) يختاره الوزير المختص على ألا يقل المستوى الوظيفي له عن العالية».

وجود ممثلين لوزارة الداخلية  في اللجنة العليا لتنظيم وإقامة المهرجانات، يعتبره الناقد الفني  طارق الشناوي أخطر شيء يمكن أن يواجه الثقافة والفن، لأ على حد قوله: «اللجان الفنية لابد أن تظل فنية واللجان الثقافية لابد أن تظل ثقافية».

ويوضح الشناوي: «مثلًا، لا مانع من وجود ممثل عن هيئات معنية فعلًا بالحفلات، كممثل عن هيئة تنشيط السياحة، لكن وجود وزارة الداخلية يعني وجود نظرة أمنية للفن، ليس لها أي معنى، وبالتالي بهذا القرار نكون داخلنا في منطقة خطرة للغاية».

محمود عثمان، المحامي بمركز حرية الفكر والتعبير، من جانبه يصف هذا القرار بأن كافة مواده غير دستورية بالمرة، حسب قوله. فوفقًا للدستور، «ليس من حق أي جهة ماعدا وزارة الثقافة ممارسة أي دور رقابي. فمثلًا، ما هو دخل وزارة الآثار»؟.

تضم اللجنة أيضًا ممثلًا عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ورؤساء النقابات الفنية والأدبية، وعددًا من الخبراء في المجالات الثقافية والفنية المختلفة من غير العاملين على إدارة المهرجانات والاحتفالات.

وعرّف القرار الحفلات أو المهرجانات التي سيطبق عليها هذا القانون، بأنها «جميع الفعاليات الثقافية والفنية ذات الطابع الاحتفالي سواء كانت الدولية أو المحلية، التي تقيمها الجهات الحكومية أو غير الحكومية، بغرض تنمية الإبداع والحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة، وتهدف إلى تعزيز التنمية الثقافية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة وتفعيل التبادل الثقافي بين مصر ودول العالم».

ويعتبر عثمان، ما يحدث هو تشريع لتدخل الأمن في العملية الإبداعية، وليس تنمية الإبداع، موضحًا أنه يتماشى مع هوس الدولة الفترة الأخيرة بتكوين لجان تقيّد الإبداع.

ويقول عثمان لـ «مدى مصر»: «هذا القرار هو استكمال لنهج الدولة في محاربة الإبداع، برعايتها شكلًا معينًا له، بتعريف معين للـ(إبداع)، والخارج عنه لا يعتبر إبداع، وأصبح الآن من يقول: ماهو الإبداع؟، وما هو غير الإبداع؟، هي الجهات الأمنية. وبالطبع سيتم رفض أي كلمات أغاني ليست على هوى الدولة».

وأوضحت المادة الخامسة من القرار الشروط التي يجب أن تتوافر في الجهات غير الحكومية، حتى يحق لها التقدم بالطلب، وتضمنت هذه الشروط ألا يقل رأسمال الشركة عن 500 ألف جنيه مصري، وأن يكون مالك الشركة مصري الجنسية، أو نسبة ملكيته لا تقل عن 51%.

أما المادة السادسة ففصلت مواصفات الطلب: « يقدم طلب الترخيص للجنة العليا الدائمة لتنظيم إقامة المهرجانات والاحتفالات، خلال شهر يونيو من كل عام، باسم وزير الثقافة متضمنًا اسم الجهة المنظمة المنظمة للمهرجان أو الاحتفال، اسم ونشاط المهرجان أو الاحتفال وأهدافه ومكان إقامته، مجلس إدارته ومصادر تمويله، على أن يرفق بالطلب مستندات تأسيس الجهة، وتراخيص مزاولة نشاطها، ميزانية تفصيلية للمهرجان أو الاحتفال، التعليمات الداخلية التي تتضمن كيفية إدارة المهرجان أو الاحتفال والقائمين على تنفيذها، نوع الفعاليات التي سيقدمها المهرجان أو الاحتفال وتوقيتات وأماكن إضافتها». كما تشترط «مواصفات الطلب» أيضًا، كتابة بيانات المدعوين لحضور المهرجان أو الاحتفال والمكرمين سواء من المصريين أو الأجانب.

المادة الخامسة بها عدد من المشاكل الدستورية حسب عثمان، الذي يوضح أن النص على «أن الذي ينظم الحفلة لابد أن يكون شركة أو جمعية، وفي حالة كونها شركة لابد ألا يقل رأسمالها 500 ألف جنيه»، يغلق الباب أمام أي مجموعة فنية تريد تقديم أعمالها، ما يخالف  مواد الدستور، بالحق في العمل: حق الشباب إنهم يعملوا ويتكسبوا من الحفلات، وحق المواطن في الإبداع وحرية الإبداع وحرية الثقافة.

ويوضح عثمان خطورة «تشريع» مثل هذه الإجراءات القانونية، لأنه حتى مع أن الجهات الأمنية كانت خلال الفترة الماضية تتدخل بشكل غير رسمي، ومن الأبواب الخلفية، مثلما حدث مع فريق كايروكي ومع فيلم «كارما»، إلا أنه كان، على الأقل قانونًا يمكن الطعن على قراراتها، وكان مازال هناك باب لإلغاء هذه القرارات المتعسفة. ويضرب عثمان مثال بما حدث مع فيلم «الرئيس والمشير»، عندما تمكن المخرج خالد يوسف من الطعن على القرار، وكسب الدعوى في مجلس الدولة.

وعن الصلاحيات المعطاة لهذه اللجنة، يقول عثمان بأنها «غريبة جدًا» فبخلاف الصلاحية الأساسية وهي مراجعة المحتوى قبل الحفلة، وهي الصلاحية الغير دستورية في حد ذاتها، فهناك أيضًا مادة تعطي اللجنة الحق باقتحام الحفلة أثناء فعالياتها، ما سيسبب إرباكًا كبيرًا لكل من يفكر في تنظيم حفلة.

وعن التبعات المتوقعة للقرار، يقول عثمان إن «هذا القرار سيشكل عبئًا كبيرًا على الموسيقيين، خاصة من الفنانين المستقلين الشباب الذين عندهم مشكلة في توافر 500 ألف جنيه لفتح شركة، وكذلك في التدخل الرقابي،  كما سيكون عندهم العديد من العقبات لتخطيها، بداية من المصنفات بإجراءاتها الخانقة المعروفة، ثم سيكون أمامهم جبل آخر لتخطيه، وهو اللجنة، مشيرا إلى وضع عنصر الوقت في الحسبان، لأن القرار لم يوضح تمامًا، الوقت المفترض للرد على الطلب، ولم يوضح ماهو الوضع في حالة عدم الرد عليه».

مستقبل حفلات الفنانين المستقلين الشباب يوضحه، أسامة أحمد، مؤسس مهرجان «ميتال بلاست»، قائلا إنه في حالة تنفيذ هذا القرار، فلن يكون هناك حفلات أصلًا في مصر. لأنهم وضعوا شروط تعجيزية للشركات، بحيث تكون ملزمة ألا يقل رأسمالها عن 500 ألف جنيه، مما يعني صعوبة كبيرة لأي شركة ناشئة، مضيفًا أن القرار به مواد معوقة كثيرة بخلاف التعنت في الحصول على التصريح، مثل المادة التي تلزم بعدم إقامة الحفلة أكثر من مرة واحدة في المحافظة.

ويؤكد أحمد أنه «إذا تم تطبيق هذا القرار بالفعل، فسيكون هناك جهتين أو ثلاث فقط في مصر تستطيع إقامة حفلات. وربما يكون هذا بداية لرغبة الدولة في احتكار تنظيم الحفلات، بحيث تقطع الطريق على أي جهات أخرى».

توبة علي، منظم حفلات، والمدير التنفيذي لمساحة «مدار الثقافية» يعبر عن تخوفه من هذا القرار قائلًا: «لسه ما خلصناش من تعنت نقابة المهن الموسيقية، والمعوقات التي تضعها هيئة المصنفات الفنية، حتى يأتينا هذا القرار»، موضحًا أنه مع كون القرار نفسه يتضمن احتمالات كوارث حقيقية، إلا أنه يتوقع مصائب أكبر عند صدور مواده المفسرة ولائحته التنفيذية.

ويبدي علي اندهاشه من القرار، متسائلًا «من أمتى الحفلات أصلًا بتتعمل من غير تصريح وزارة الداخلية؟». ويوضّح: «من الأول الدولة بالفعل عندها كل الضمانات، لأن أي واحد ينظم حفلة لازم يأخذ تصريح من المصنفات الفنية التابعة لوزارة الثقافة، وإذن من وزارة الداخلية، بالإضافة لتصريح النقابة. بالتالي، الجديد في هذا القرار أنه يقول بشكل واضح لمنظمي الحفلات: ما تشتغلوش، خاصة مع شرط الـ500 الف جنيه، وتساءل:«يعني لو فيه شركة بـ50 ألف جنيه، وبتعمل حفلات بيحضرها 50 بنى آدم، ده يضر الدولة في ايه؟».

أما محمد البعلي، مدير مهرجان القاهرة الأدبي، فيرى أن القرار مثير للقلق في ظل المناخ العام الحالي المعادي للحريات، مبديًا تخوفه من أن يستخدم القرار للتضييق على النشاط الثقافي المستقل، وهو التخوف الذي يراه مشروع، لأنه حصل بالفعل تضييق واسع خلال السنوات الماضية.

ويفصح البعلي لـ «مدى مصر» عن تخوفه، «رغم أن القرار موجه بالأساس للأنشطة الموسيقية والغنائية، إلا أن صيغته فضفاضة للغاية، ما يعطي مساحة واسعة للتحكم في أي مهرجان،  كما أن شروطه تعجيزية، كاشتراط أن يكون رأس مال الشركة المنظمة لا يقل عن 500 ألف جنيه، ما يعني أن الأنشطة الثقافية ستقتصر على الشركات العملاقة».

اعلان