Define your generation here. Generation What

مدينة الجلود بالروبيكي.. بين «استراتيجية مصر 2030» وتطبيقها

«المدابغ دى لو اتنقلت بيوتنا هتخرب. أنا يوميتي سبعين جنيه وعندى تلات عيال وساكن هنا فى دار السلام بصرف أربعة جنيه مواصلات وباكل بعشرة جنيه واشترى علبة سجاير باتناشر جنيه.. وبدفع ربعمية جنيه إيجار كل شهر، والباقى مراتي بتاخده مصروف البيت، حد بقى يقولي لو ودوني الروبيكي دي هعيش إزاي، وهصرف إيه مواصلات وأولادي كمان هأكلهم منين؟ طيب هل الحكومة هتضمن صاحب المدبغة إنه يزود يوميتى لـ140 جنيه علشان أقدر أعيش؟».

هذا ما قاله عزت، والذي يعمل مدبغجيًا في أحد المدابغ بسور مجرى العيون عندما أعلنت الحكومة عن البدء في نقل المدابغ إلى مدينة الجلود بالروبيكي في مايو 2016.

جاء مشروع «مدينة الجلود» بالروبيكي في مدينة بدر ضمن محور التنمية الاقتصادية، في «استراتيجية التنمية المستدامة: مصر 2030»، ضمن برامج ومشروعات على مستوى قطاع الصناعة.

وتمثلت العناصر الأساسية للمشروع في استخدام التكنولوجيا الحديثة، زيادة الإنتاجية، تحسين ظروف وبيئة العمل، ورفع مستوى دخول العاملين فيها وحمايتهم صحيًا، إزالة التلوث الناتج عن عمليات الدباغة، والحفاظ على منطقة مجرى العيون الأثرية. وتستهدف الحكومة أن تصل في عام 2030 إلى مضاعفة الإنتاج من الجلود، وتوفير عشرين ألف فرصة عمل.

كلها عناصر وأهداف مهمة بالتأكيد، لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا احتج العمال على الانتقال؟ وهل يحقق المشروع فعلًا الفائدة للجميع، أم ينحاز لمصالح فئة ضد أُخرى؟ وما هي التطورات في صناعة الجلود، سواء من ناحية عدد المنشآت، أو عدد العاملين بها وأجورهم، وعدد ساعات العمل خلال السنوات من 2010 وحتى 2016؟

أسباب احتجاج العمال على نقل المدابغ للروبيكي

في 2016، بدأت الحكومة في هدم مدابغ سور مجرى العيون تمهيدًا لنقلها للروبيكي.

وقد حاول عمال المدابغ في 22 مارس 2016 تنظيم وقفة احتجاجية ضد نقل المدابغ، ولكن جرت السيطرة على الوقفة سريعًا من قِبل قسمي شرطة الخليفة، ومصر القديمة، ومُنع العمال من التجمهُر أمام مستشفى 57357.

وحسب المصدر السابق، قال أحد العمال: «كل العمال اللي في الورش دي مفيش حد متأمّن عليه، وأنا أهو عندي 65 سنة، والمفروض إني أطلع معاش وآخد مكافأة نهاية خدمة، بس دا طبعًا في الأحلام، الحكومة سيبانا لأصحاب الورش والمدابغ من غير حتى ما تأمّن علينا، ولا تعرف عننا حاجة، ودلوقتي عايزانا نتنقل للروبيكي، طيب هنروح إزاي وهنيجي إزاي؟»

ورفض بدوي عبده، الذي يعمل في الدباغة منذ 32 سنة، الانتقال إلى مدابغ الروبيكي، قائلًا: «أنا شفت بعيني بعد هدم خمس مدابغ العمال بتوعهم يا حول الله، فإذا كانت المدبغة تضم 20 عاملًا ستنتهى بنقل 5 منهم فقط، وتشريد 15 آخرين، كما أن أصحاب المدابغ الذين حصلوا على تعويضات بدلًا من تشغيل مدبغة في الروبيكي سيشردون الآلاف من العمال، بينما لم تذكرهم الدولة في قرارتها».

مع بدء التنفيذ، بدأت تظهر مشاكل العمال وأصحاب الورش الصغيرة غير المسجلة والمستأجرين التي لم تضعهم الاستراتيجية في حساباتها، فقد ترك مصطفى سعيد عمله بمنطقة سور مجرى العيون، بعد هدم المدبغة التي كان يعمل بها، والتي وافق صاحبها على التعويض المادي، وبدلًا من الانتقال لمدينة الجلود الجديدة في الروبيكي، عمل «عربجيًا» ينقل الخامات والكيماويات لأصحاب الورش المتبقية بالمنطقة ويجمع أسياخ الحديد من المدابغ المهدومة ويبيعها. ولكن ماذا يفعل مصطفى عندما تنتقل بقية المدابغ ولا يعود هناك حديد يجمعه؟

كما تحوّل سعد إبراهيم من مستأجر لمدبغة إلى عامل، وذلك بعدما هدمت المدبغة التي يعمل بها وحصل مالكها على تعويض نتيجة تنازله عنها، فوجد سعد والعمال أنفسهم في الشارع.

الروبيكي لمصلحة «الحيتان»

لم يأتِ الاحتجاج  من قِبل العمال وحدهم، بل امتد الأمر للمديرين وأصحاب المدابغ الصغيرة والمستأجرة، فقال محمد طيران، مدير إحدى المدابغ، لجريدة «الأهرام» ، إن «الحكومة لم تعقد حوارًا مجتمعيًا مع أصحاب المدابغ كما تردد، بل اقتصرت على الحديث مع حيتان المدابغ –على حد وصفه- العشرة الكبار الذين أعلنوا الانتقال إلى الروبيكي».

وفي مؤتمر صحفي عُقد بمدابغ سور مجرى العيون في أكتوبر 2017، طالب عدد من العاملين بالمدابغ بإقالة مجلس إدارة غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات، بعد ما وصفوه بـ «تجاوزات لأعضاء الغرفة في تقسيم الوحدات بمدينة الروبيكي، وإغفالهم حقوق العمال والمستأجرين وصغار المُصنِعين». وقال خالد الخلقي، أحد أصحاب المدابغ، إن رئيس الغرفة، محمد حربي، يرفض إعطاء أصحاب المدابغ حقوقهم في المساحات المخصصة لهم بالروبيكي، واستيلائه على 13 ألف متر هناك، وتخصيصها لنفسه، وذلك على حساب صغار أصحاب المدابغ والمستأجرين.

كما أشار أحمد خليل، أحد المستأجرين بالوراثة منذ الستينيات، إلى أن منطقة الروبيكي أُنشئت «لصالح المستثمرين والمصدرين» الذين لا يتجاوز عددهم عشرين فردًا بهدف احتكار السوق، وكذلك لصالح المستثمرين من الخارج الذين سينشؤون مصانع فى الروبيكي ويفضلون تصدير الجلود على السوق المحلية.

الكلام عن ظلم وتهميش العمال لم يكن من نصيب العمال وحدهم، فقد قال محسن، مالك مدبغة بالروببيكي، إنه صحيح أن مشروع نقل المدابغ من مجرى العيون سيجعل مصر في مصاف الدول المصدرة للجلود، وسيطوّر تقنيات الدباغة، لكنه سيظلم العمال كذلك، ويهمّش فئة المستأجرين، وهي فئة غير صغيرة، وتمثل 75% من مُصنِّعي الجلود في مصر.

صناعة الجلود في الإحصاء الحكومي

في الوقت الذي أعلن فيه محمد الطويل، رئيس حي مصر القديمة، أن المحافظة تسعى لنقل كافه المدابغ، وعددها حوالي 1110 مدبغة بمنطقة سور العيون بمصر القديمة، إلى منطقة الروبيكي بمدينة بدر، وجدنا في النشرة السنوية لإحصاءات الإنتاج الصناعي لعام 2014 أن عدد المنشآت العاملة في صناعة الجلود ومنتجاته بالقطاع الخاص كانت 95 منشأة فقط، يعمل بها 2988 عامل، ضمنهم 52 منشأة في القاهرة وحدها، ويعمل بها 1637 عامل، وكانت جملة أجورهم النقدية، التي شملت الأجور النقدية والتأمينات والمزايا العينية، 25626 ألف جنيه، ما يعني أن متوسط أجر العامل السنوي، من مديرين وفنيين وعمال، هو 15645 جنيه، وباقي العدد موزع على الإسكندرية ودمياط والقليوبية والغربية والجيزة والبحيرة.

وفي النشرة نفسها للعام 2013، كان عدد المنشآت 96 منشأة، ويعمل بها 2948 عامل، ما يشير إلى تناقص عدد المنشآت وليس زيادتها، وما يعني بدوره أن الغالبية العظمى من المدابغ كانت تعمل كمنشآت غير مسجلة، وبالتالي لم يكن العمال بها مؤمنًا عليهم، لا اجتماعيًا، ولا صحيًا.

وبالنظر للنشرة السنوية للتوظيف والأجور وساعات العمل لعام 2010 حتى عام 2017، وجدنا أن عدد المنشآت التي تعمل في صناعة الجلود تتناقص بشكل مستمر، وكذلك عدد العمال.

في عام 2010، كان عدد المنشآت العاملة في صناعة الجلود ومنتجاتها، سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص لأكثر من عشرة عمال، 57 منشأة ضمنها 15 في القطاع العام و42 في القطاع الخاص. وكان يعمل بهم 2762 عامل.

ووفق آخر إحصاء في نشرة 2017، أصبحت 25 منشأة فقط في عام 2016، ضمنها خمس في القطاع العام، وعشرون في القطاع الخاص، وأصبح إجمالي العاملين بهما 1412 عامل فقط.

أجور العاملين في صناعة الجلود

وبحسب النشرة السنوية للتوظيف والأجور وساعات العمل لعام 2010 حتى عام 2017، فإنه رغم زيادة متوسط أجر العاملين في القطاع الخاص الأسبوعي، والذي يتضمن الأجور النقدية والتأمينات والمزايا العينية، من 184 جنيه أسبوعيًا في عام 2010، إلى 374 جنيه في عام 2016، أي بنسبة 103%، إلا أن هذا المتوسط يظل أقل من متوسط أجور العاملين في القطاع العام وقطاع الأعمال العام للعاملين في صناعة الجلود، والذي بلغ 440 جنيه أسبوعيًا.

كما أن متوسط أجور العاملين في صناعة الجلود بالقطاع الخاص يمثل 55.8% من متوسط أجور العاملين في القطاع الخاص على مستوى الجمهورية، والذي بلغ في عام 2016، 670 جنيه أسبوعيًا، ناهيك عن أن متوسط أجور العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام أسبوعيًا على مستوى الجمهورية كان 1154 جنيه.

في النشرة الشهرية للأرقام القياسية لأسعار المستهلكين في يناير 2017، كان الرقم القياسي العام 227.5، والرقم القياسي للمأكولات والمشروبات: 282.9، بالمقارنة بيناير 2010 حيث كان الرقم القياسي العام لكليهما 100.

يعني هذا أن الأسعار خلال السنوات الست قد تضاعفت تقريبًا مرة وثلث في الرقم القياسي العام، واقتربت من الضعفين بالنسبة للمأكولات والمشروبات، بينما لم تزد أجور العاملين في صناعة الجلود في القطاع الخاص لأكثر من عشرة عمال (الأجور في المنشآت الأصغر أقل) سوى بنسبة 103% فقط، ويعني هذا في الواقع أن أجور العمال قلّت ولم تزد.

تجاوز ساعات العمل في الجلود عن حدها الأقصى

رغم أن متوسط ساعات العمل الأسبوعية للعاملين في صناعة الجلود في القطاع الخاص في عام 2016 كان 44 ساعة، وهو أقل من متوسط ساعات العمل على مستوى الجمهورية لعمال القطاع الخاص، والذي يصل لـ 55 ساعة عمل أسبوعيًا، إلا أن هذا المتوسط يزيد عن الحد الأقصى لساعات العمل الذي حدده قرار وزير القوى العاملة رقم 122 لسنة 2003، والذي قرر ألا تقل فترات الراحة في الأعمال الشاقة والمرهقة، وضمنها العمل في المدابغ، عن ساعة ضمن ساعات العمل الثماني يوميًا. كما أن قرار وزير القوى العاملة رقم 77 لسنة 2007 اعتبر العمل في مدابغ الجلود وتلوينها ضمن الأعمال الصعبة والخطرة والمضرة بالصحة والتي يستحق العاملون فيها  زيادة إجازتهم الاعتيادية بمقدار سبعة أيام سنويًا.

وبشكل عام، يُعتبر القانون المصري غير منفذٍ سواء لاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 51 لسنة 1936، أو لتوصيتها رقم 116 لسنة 1962 والتي طالبت بتخفيض ساعات العمل الأسبوعية تدريجيًا بهدف الوصول لأربعين ساعة عمل أسبوعيًا لكل العمال، دون تخفيض الأجور. وإن أعطت التوصية منذ أكثر من 56 سنة الأولوية في التخفيض للعاملين الذين يبذلون جهدًا بدنيًا أو ذهنيًا أو يتعرضون لمخاطر صحية، وهو ما لم يحدث في مصر حتى الآن.

في النهاية، يبدو لنا أن العمال لا يرون في مشروع مدينة الروبيكي للجلود سوى كونه يعتدي على حقوق الكثير منهم في العمل، وحتى مَن يلتحق منهم بالعمل به، ستتأثر أجورهم بسبب المزيد من الإنفاق من مرتباتهم الضئيلة أصلًا على المواصلات. كما يرون أن المشروع جاء في مصلحة مُلاّك المدابغ، ولم يراع المستأجرين القائمين بالنشاط الفعلي، حيث ألقى بهم وبعمالهم للشارع بعد تفضيل المالك للتعويض على مزاولة النشاط، في الوقت الذي يتناقص فيه عدد المنشآت العاملة في صناعة الجلود وعدد عمالها.

هل تغير الروبيكي هذا الملمح، أم أنه مع وجود المنشآت الكبيرة بالتكنولوجيا الحديثة سيستمر الوضع الحالي، ليصبح المشروع في خدمة كبار رجال الأعمال دون مراعاة للعمال وغيرهم من صغار المنتجين؟

اعلان
 
 
فاطمة رمضان