Define your generation here. Generation What
خروج إيهاب حسن من مصر.. قصة أخرى لـ «خرج ولم يعد»
 
 

«أجرؤ على قول إن فكرة فقدان الذات إلى حد تدميرها وإخضاع النفس لتجربة، دون اعتبارات للمصالح الشخصية أو الأخلاق التقليدية، والهروب كليًا من الروابط الاجتماعية، تلك الفكرة هي عنصر في عقل كل رجل حداثي».

ليونيل تريلينج – ناقد أمريكي

في بداية الثمانينيات اختار المفكر والناقد المصري الأمريكي إيهاب حسن (1925-2015)، أحد أهم مفكري تيار ما بعد الحداثة، مدينة ميونخ ليسجل بها سيرته الذاتية «الخروج من مصر»، والتي ترجمها السيد إمام، وصدرت مؤخرًا عن دار العين. انقسمت السيرة لأربعة أقسام؛ «بدايات ونهايات»، «انعزالات»، «قرارات»، و«ممرات»، وتتخللها أجزاء طويلة يحكي فيها حسن عن عائلته ميسورة الحال؛ والده الذي عمل محافظًا لمحافظات مختلفة، وأمه الأرستقراطية، وأعمامه، وأخواله من الوزراء والأعيان. كما يحكي عن انعزالاته الاجتماعية وقراره اللاحق بالهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بلا رجعة، حتى أنه لم يرَ والديه منذ هجرته سوى مرة واحدة فقط، كما لم يجد في نفسه الرغبة في رؤيتهما أبدًا بعد ذلك.

يرى جيروم كلينكويتز الذي كتب تصدير الكتاب، إن عبر القراءة الصحيحة لقول هارولد روزنبيرج «كل مَن يتصدى للخلق، سرعان ما يجد نفسه مستغرقًا في خلق ذاته» يمكننا فهم «الخروج من مصر» لإيهاب حسن.

لم يكن ما أصاب إيهاب حسن أثناء إقامته في مصر، قبل هجرته منها بشكل نهائي عام 1946، هو الشعور بالاغتراب فحسب. لكن يمكن القول إن بذور فكره الذي شكله بعد ذلك في المهجر، تكونت هنا بمصر وحملها معه، ثم انطلقت معه للولايات المتحدة الأمريكية حيث سافر بعد حصوله على بكالوريوس الهندسة من جامعة القاهرة، ليكمل دراسته العليا في مجال الهندسة، قبل تحوله لدراسة الأدب الأمريكي.

حسن الذي أصبح واحدًا من أبرز المتحدثين عن حركة ما بعد الحداثة النقدية، بدأ في الكتاب حديثه عن رحيله من مصر قائلًا: «فعلتها! لقد فعلتها! إنني أتجه إلى نيويورك».

يرفض حسن السرديات الكبرى، باعتباره مفكر ما بعد حداثي، ويهتم بدلًا منها بالسرديات المحلية الصغرى، التي لا تدعي أن لها صلة بالعالمية والحقيقة والعقل والاستقرار. وجد في أمريكا وطنًا له، وبما يتوافق مع الثقافة الأمريكية المتمثلة في الذاتية وسعادة الفرد، كما قال في حوار له، بحسب مقال للناقد عبد العزيز حمودة: «ميلادي في مصر ما هو إلا أمر عارض».

ولكن مع ذلك، نجد حسن يشير لسردية كبرى، وهي الزيادة السكانية، بوصفها مسؤولية الشعوب المتخلفة، بجانب كونها سببًا مباشرًا للتأخّر. ففي أكثر من موضع في سيرته الذاتية يتحدث عن الزيادة السكانية في الدول النامية وعما يصيب شعوبها من تدهور وتراجع، دون إشارة إلى أي سياسات أو حكومات متوالية على تلك الشعوب. «أربعون مليون مصري ينجبون كل يوم. كلنا نعرف أن حجرة تتسع لفرد لا يمكن تتسع لأربعة أو أربعة وأربعين».

ولا تخلو سيرة حسن من بعض المبالغات وقصص المظلومية المتناثرة هنا وهناك، بحيث يمكننا القول إنه لم يرَ لوجوده في مصر قط أي فضل في تشكيل فكره. كما ينكر على المصريين بقائهم في تلك الأراضي التي لا تعطي شيئًا. فتتضافر أسئلته حول جدوى التمسك بالجذور بالنسبة لفلاح يعاني من المرض، مع اعتقاده أن الجذور في حالته هو، حسن، تحديدًا «ملغزة، وربما أصابها الذبول نتيجة أحد المحن» التي مرَّ بها.

هاجر حسن قبل أحداث يوليو 1952 بسنوات قليلة، لكنه لم ينغمس إطلاقًا في أي حركة سياسية أو فكرية أو شعبية. لم ينضم للإخوان المسلمين مثلًا رغم إنه أصبح «ورعًا لدرجة لا تطاق لمدة عام من حياته». لم ينضم للحزب الشيوعي المصري رغم تعاطفه مع فقراء وخدم أشار لهم في سيرته الذاتية.

كأي مراهق يمرّ بانفعالات معقدة، عاش حسن تناقضات كثيرة، وبدأ يتردد داخله إيقاع، يقول أنه لازمه طوال حياته، يتراوح بين القرار والانتكاس والتقشف والتخمة والتطهر. والميل إلى الترف، مع بعض المشاركات البسيطة مع الطباخين لصنع المثلجات أو اصطياد القراميط اللزجة من المجاري المائية بالعزبة الموجودة في دلتا مصر التي كان يقضي بها إجازاته الصيفية كل عام بمفرده مع جدته، دون أن تطأ قدماه مطلقًا القرية المبنية بالطوب اللبن التي تتدلى منخفضة خلف منزلهم، كأنه يشاهد لوحة أثناء رسمها، يتابع تكوين الألوان ومواقع الظل والنور، لكنه لا يشارك أبدًا في صنع اللوحة، ولا يكون أبدًا جزءًا منها.

يدفعه نقده الفطري للسرديات الكبرى للحكم على تظاهرات الطلاب، مرة بأنها «أعمال شغب»، ومرة أُخرى بأنها «سيئة السمعة»، بالإضافة لكونها «تعبر عن أذى خالص وشيء من الهزل»، كما يحكي أنه شاهد شخصًا إنجليزيًا أحمر الأنف يتعرّض لسخرية لا تحتمل من قِبل طالبين مصريين، ما اضطر الإنجليزي لأن يطرح أحدهما أرضًا، ويشير لكون «الصبية المصريون في الشوارع يتحرشون أحيانًا بجندي بريطاني يطل بشكل عرضي من نافذة أحد البارات أو يوجهون إليه إشارات بذيئة تقابل على الدوام بالتجاهل».

وبالإضافة لقوله إنه، كمعظم تلاميذ المدارس، لم يعاين قط قمع البريطانيين بشكل مباشر، فإنه يتساءل: «هل جلبت بريطانيا معها الأمية والمرض إلى مصر؟ هل كانت مسؤولة عن فقر الفلاحين لآلاف السنين؟».

وفي مقابل تبرمه من الحياة في مصر، فقد انبهر بالحياة بالولايات المتحدة، مقارنًا إياها بأوروبا، فيقول: «إن أوروبا تمتلك ماضيًا، بينما تصنع أمريكا ماضيًا. لكن الماضي الذي تصنعه أمريكا يصبح مستقبلًا مرجوًا في أماكن أخرى من العالم، أي أن أمريكا، جهاز التقطير ذاك، تقطر المستقبل في الحاضر. وهكذا تتيح للشعوب الأخرى اختيار مصائرها. لكن هذا لا يقابله عرفان الجميل بصفة دائمة. دور أمريكا التاريخي؟ إنه خلق نظام جديد قائم على التنوع. فوق اللغة والشعوبية والقبلية».

ويتواصل انبهاره بأمريكا في موضع آخر فيقول: «أفكر في أمريكا التي أتيت إليها محمومًا، البلد الذي يتطلع بعنف لجعل العالم مكانا أفضل».

يبدو أن الفوضى التي وجدها حسن في الاحتجاجات الطلابية جعلته يبحث عن النظام فيما تفعله الولايات المتحدة في حياة الشعوب، فالمجتمعات الحديثة، وبهدف إظهار تفوق النظام، تُجنَّد دائمًا ضد اللا نظام. ولكن لكي تفعل ذلك يتحتم عليها إيجاد أشياء تمثل اللا نظام الذي تحدث عنه حسن. يقول عن مصر: «بعد ثورة واغتيال رئيس وأربعة حروب وزيادة سكانية، ما الذي تغيّر حقيقة هناك عدا أسماء بعض الشوارع والميادين؟ أي إصلاح سياسي وثقافي عميق جرى هناك؟ تلك إذن هي مفارقة «الدول النامية» يبدو إنها لا تتغيّر بتاتًا على وجه التقريب. أما بالنسبة للدول المتقدمة، فإنها تشهد المزيد من التطور كل يوم».

ومع ذلك استفاد إيهاب حسن من وضعه في مصر حتى آخر يوم له هنا. بعد حصوله على شهادته في الهندسة بامتياز مع مرتبة الشرف أراد السفر لبعثته في أمريكا تحديدًا وليس أوروبا. لم تكن البعثات لأمريكا مفتوحة إلا للخريجين ذوي النفوذ السياسي، فتمكّن من السفر إليها بمساعدة صديق والده الكولونيل سيمن الذي أمّن له رحلته بشكل كامل.

خاف حسن من العودة إلى مصر، فيقول: «لقد ظللتُ لفترة طويلة بعد رحيلي عن مصر أشاهد حلمًا مفزعًا متكرًرا. كنتُ أحلم بأنني أرغم على العودة إلى مصر لأكمل مهمة صغيرة ما – كإغلاق باب تركته مواربًا أو إطعام طائر الكناريا، أو الهمس برسالة ما… كان الحلم مليئًا بالإحساس داخل الحلم نفسه بأنني شاهدته من قبل، ثم بالإحساس داخل الحلم أيضًا بأن الأمور ستحل بطريقة ما ولن أحتاج للعودة… وبدأ تكرار الحلم يقل مع مرور السنين، وعلى ما أذكر لم أعد أشاهد الحلم الآن. ترى، هل حالة اللا حلم هذه نوع من الخداع؟».

إنها سيرة تسمو فوق حدود المكان وانتماءاته الضيقة. فنجده يقول في نهايتها: «عندما أفكر في مصر التي هربت منها بعنف، التي أشرقت عليها الشمس في الفجر الجاف الصافي للتاريخ والتي غربت عنها الآن، والتي ربما لا تشرق عليها بعد ذلك أبًدا..أدرك لماذا خرجتُ من مصر إلى المركز الذي تتبلور حوله الأحداث، وتتشعب السبل والآفاق.. نحو معايشة الزمن الحقيقي».

اعلان
 
 
أميمة صبحي