Define your generation here. Generation What

بين كليبر وعمر بن الخطاب: كيف يُكتب التاريخ.. كيف يُقرأ التاريخ

يُدهش العربي المسلم لما يراه من انحياز عموم الأوروبيين والأمريكيين للرواية الصهيونية للصراع العربي الإسرائيلي، ويعجب، ومعه الحق، من القبول بتلك الرواية رغم ما تشتمل عليه غالبًا من مجافاة للحقيقة، سواء بما تحويه من الأكاذيب التاريخية الخالصة، أو من المبالغات وأنصاف الحقائق التي تشكل غطاء أخلاقيًا موهومًا لتبرير ما ألحقه الإسرائيليون، ولا يزالون يلحقونه، بالفلسطينيين، حتى شاع في أدبياتنا السياسية المعاصرة، وفي مقام الشكوى من غياب الإنصاف، تعبير «الكيل بمكيالين».

والحقيقة أن هذا صحيح للأسف، ولكن ما يدعو لمزيد من الأسف أن تلك الاستجابة النفسية هي واحدة من أكثر النقائص الإنسانية شيوعًا وأعظمها انتشارًا، حيث تقوم على سمة نفسية متجذرة في الطبيعة الإنسانية، وهى تآلف الإنسان مع مقاييسه الإدراكية، وصدور كل ما يستحسنه أو يستقبحه عن ثقافته الخاصة التي تشكل في النهاية مقاييس حكمه على الأشياء، حتى ينتهي به المطاف لأن يرى ظاهرتين شديدتي التشابه بوصفهما مختلفين تمامًا ولا يكاد يجمع بينهما شيء!

ومن بين الأمثلة التي قد تصلح لبيان صعوبة انخلاع البشر من موروثهم الثقافي المثالان اللذان سنسوقهما، من تراثنا نحن، للتدليل على ما قلناه من شيوع تلك الآفة وانتشارها. ونعني بهما موقف المسلمين من اغتيال القائد الفرنسي كليبر على يد سليمان الحلبي، وموقفهم في الوقت ذاته من اغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب على يد أبي لؤلؤة فيروز.

كليبر وخنجر بيد الحلبي

«أيها الجنود، سلبنا اعتداء مروع القائد الذي كنتم تكنون له المودة والاحترام. هذا العدو غير الجدير سوى بالاحتقار واستنكار العالم أجمع، هذا العدو الذي ما استطاع أن يقهر الفرنسيين تحت زعامة كليبر الشجاع، كان من الجبن بحيث أرسل قاتلًا ليقتفي أثره. وإنني أدين الوزير الأعظم أمام العالم أجمع، فهو قائد هذه الجيوش التي دمرتموها في المطرية وعين شمس، فبالتآمر مع أغا الإنكشاريين قام بوضع الخنجر في يد المدعو سليمان الحلبي الذي رحل عن غزة منذ 32 يومًا. لقد سلبنا قائد ستظل ذكراه عزيزة على كل فرنسي. فعل هذا على يد أسوأ القتلى».

من خطاب للجنرال عبد الله مينو، بحسب كتاب «مذكرات ضابط في الحملة الفرنسية على مصر»، لجوزيف ماري مواريه.

كما يضيف لنا الجبرتي تفاصيل أخرى عن حادثة القتل:

«وفي ذلك اليوم، أعني يوم السبت، وقعت نادرة عجيبة وهو أن ساري عسكر كلهبر، كان معه كبير المهندسين يسيران بداخل البستان الذي بداره بالأزبكية فدخل عليه شخص حلبي وقصده، فأشار اليه بالرجوع وقال له مافيش، وكررها فلم يرجع وأوهمه أن له حاجة، وهو مضطر في قضائها، فلما دنا منه مد إليه يده اليسار كأنه يريد تقبيل يده، فمد إليه الآخر يده فقبض عليه وضربه بخنجر كان أعده في يده اليمنى أربع ضربات متوالية فشق بطنه وسقط إلى الأرض صارخًا، فصاح رفيقه المهندس فذهب إليه وضربه أيضًا ضربات وهرب، فسمع العسكر الذين خارج الباب صرخة المهندس فدخلوا مسرعين فوجدوا كلهبر مطروحًا وبه بعض الرمق ولم يجدوا القاتل، فانزعجوا وضربوا طبلهم وخرجوا مسرعين، وجروا من كل ناحية يفتشون على القاتل، واجتمع رؤسائهم وأرسلوا العساكر إلى الحصون والقلاع وظنوا أنها من فعل أهل مصر فاحتاطوا بالبلد وعمروا المدافع وحرروا القنابر، وقالوا لابد من قتل أهل مصر عن آخرهم. ووقعت هوجة عظيمة في الناس وكرشة وشدة انزعاج وأكثرهم لا يدري حقيقة الحال، ولم يزالوا يفتشون على ذلك القاتل حتى وجدوه منزويًا في البستان المجاور لبيت ساري عسكر المعروف بغيط مصباح بجانب حائط منهدم، فقبضوا عليه فوجدوه شاميًا فأحضروه وسألوه عن اسمه وعمره وبلده فوجدوه حلبيًا واسمه سليمان».

إذن، في يوم صيف قاهري من عام 1800، قُتل القائد الفرنسي العجوز الذي لم يكن يريد سوى معاهدة مشرفة للخروج بالجيش الفرنسي من تلك الورطة التي أدخلهم فيها الجنرال الطموح بونابرت، تاركًا القضية الخاسرة كلها بين يد الجنرال الساخط، ومعها رسالة مختصرة يوصيه فيها بتدبر أمره.

وبينما كان الرجل المغتاظ يحاول فعلًا تدبر أمره، فيفاوض تارة ويحارب أخرى، لم يكن يعلم أن شابًا شاميًا في الثالثة والعشرين من عمره يقيم في القاهرة منذ ثلاث سنوات ليتعلم في أزهرها، يتربص به بعد أن قابل في إحدى زياراته إلى وطنه بعض قادة الجيش العثماني، وعاهدهم على قتله وحمل من علماء غزة رسائل إلى بعض علماء الأزهر، يوصونهم بمساعدته.

قصد سليمان القاهرة، فقضى 31 يومًا يتعقب كليبر حتى ظفر به يتمشى مع فرنسي آخر، فطعنه بخنجر كان يخفيه في ثيابه عدة طعنات مات كليبر على أثرها.

فرّ سليمان، فقبض عليه، وحوكم أمام محكمة عسكرية فرنسية، فقضت بإعدامه، بحسب خير الدين الزركلي «صلبًا على الخازوق، بعد أن تحرق يده اليمنى، ثم يترك طعمة للعقبان ونفذ فيه ذلك، في تل العقارب، يوم 17 يونية 1800 م. وعُلقت إلى جانبه رؤوس ثلاثة من علماء الأزهر، كان قد أفضى إليهم بعزمه على القتل ولم يفشوا سره».

من المنظور الإسلامي، فقصة سليمان الحلبي مع كليبر قصة بسيطة، فهو مجرد شاب مسلم هاله أن تقع بقعة من أرض المسلمين في قبضة الكفار من أعداء الله، ولم ير أي مسوغ يبيح للفرنسيين وطء أرض السلطان والعيث فسادًا في رعيته. ولم يكن يعنيه في شيء أسباب حضور الفرنسيين إلى مصر، ولعله لم يسمع عن الثورة الفرنسية ولا عن الصراع بين إنجلترا ومعها بقية الممالك الأوروبية وبين الجمهورية الجامحة، والتي كانت تسعى لشنق آخر الملوك بأمعاء آخر القساوسة.

ورغم كل شيء، لم يجد الشاب المتحمس بدًا من السعي بكل جهده لنصرة أهل عقيدته، فهو وإن لم يستطع بمفرده إخراج الفرنسيين الذين عجزت جيوش الدولة العلية عن إخراجهم، فلا أقل من محاولة قتل زعيمهم، وقد أفلح الشاب في هذا، غير مهتم لا بحياته هو، ولا بما قد تجره فعلته الجريئة تلك من عواقب على المصريين المساكين الذين نالوا كفايتهم من العذاب والخراب حتى يعرضهم سليمان لانتقام الفرنسيين الذي لا يرحم.

عمر وخنجر آخر بيد الفارسي

مثال آخر نورده للتدليل على مفارقة «كيفية قراءة التاريخ»، وإن كان وقع قبلها بما يزيد على عشرة قرون.

في العام عام 23 من هجرة الرسول ارتجت «المدينة»، عاصمة الخلافة الإسلامية، بهذا النبأ الفاجع: «أصيب أمير المؤمنين»، قبل ليلة واحدة من هتاف الناعي: «قُتل عمر»!

لن نتكلم عن القتيل، فهو الأشهر في تاريخ الإسلام منذ اعتنقه شابًا عظيم الحماسة، حتى رحيله المباغت وهو يؤم الناس في صلاة فجر أحد الأيام.

كما لن نتكلم عن شخص القاتل، ولكن لسبب مختلف تمامًا، وهو أننا لا نكاد نعرف عنه قليلًا ولا كثيرًا. لا يعرف المؤرخون ما يزيد عن اسمه «فيروز، أبي لؤلؤة المجوسي» ومهنته كحداد ونجار، بالإضافة لفعلته المنكرة التي جعلت منه في التاريخ الإسلامي وغدًا أثيمًا، حتى أصبح يكفي المسلم الصالح قوله عنهما «قُتل خير الناس بيد شر الناس»، وحتى عقيدته تضاربت فيها أقوال المؤرخين، فهناك من يزعمون أنه نصراني، وهناك من يقولون إنه مجوسي.

الخلفية التي تقع وراء هذه الحادثة، هي الصدمة من السرعة الخاطفة التي سقطت بها الإمبراطورية الفارسية، إذ بعد عدة معارك قليلة، تراوحت بين المناوشات العابرة إلى الملاحم الدامية، والتي كان من أشهرها معارك «عين التمر»، «جلولاء»، «المدائن»، و«القادسية»، سقطت الإمبراطورية الفارسية الشاسعة واختفى آل ساسان من الوجود، بعد أن استنكر ملكهم كسرى الثاني، عام ستة من الهجرة، أن يدعوه النبي محمد إلى الإسلام، وهاله أن يجترئ بدوي لم يسمع باسمه من قبل ولا يعرف عنه شيئًا قط، فيخاطبه، ليس فقط مخاطبة الأنداد، بل أن يضع اسمه قبل اسمه هو، كسرى ملك الملوك، فاستبد به الغضب وأرسل إلى عامله على اليمن رسالة تنز بالسخط والازدراء يأمره فيها أن يرسل من عنده رجلين -مجرد رجلين- ليأتيانه بهذا المتجرئ على مقامه الإمبراطوري الرفيع.

لم يخطر ببال كسرى وقتها أنه بعد 17 عامًا فقط من تلقيه تلك الرسالة القصيرة، سيكتسح أتباع مرسلها الجليل مملكته كلها، وأن والي العرب سيجلس فوق ذات البقعة من الأرض، التي دق كسرى غاضبًا برجله عليها ممزقًا تلك الرسالة التي لم يكن يسيرًا عليه، أو على أي أحد، مهما أوتي من قوة البصيرة، أن يستنبط منها أن رياحًا عاتية تتجمع قريبًا من حدود مملكته، وأن تلك العاصفة عندما تهب قريبًا ستطيح في عهد حفيده المباشر، يزدجرد الثالث، بعرش الساسانيين إلى الأبد، على يد خليفة المسلمين، متعدد المواهب، والذي سيقضي نحبه بعدها بسنوات قليلة طعينًا بخنجر أحد رعايا كسرى الموتورين.

لماذا قتل فيروز عمرًا؟

يقال إن السبب المباشر كان غضب الرجل من عدم إنصاف الخليفة له من سيده الذي كلفه أن يؤدي إليه خراجًا رآه فيروز فوق طاقته، بينما رآه عمر هينًا ولا يستحق الشكوى، فأضمر فيروز قتله.

فبحسب ابن الأثير، فإن أبا لؤلؤة كان عبدًا للمغيرة بن شعبة، وكان «يصنع الأرحاء. وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقي أبو لؤلؤة عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة قد أثقل عليّ غلتي، فكلمه يخفف عني. فقال له عمر: اتق الله، وأحسن إلى مولاك. ومن نية عمر أن يلقى المغيرة فيكلمه ليخفف عنه. فغضب العبد، وقال: وسع الناس كلهم عدله غيري. فأضمر على قتله، فاصطنع له خنجرًا له رأسان، وشحذه وسمّه، ثم أتى به الهرمزان، فقال: كيف ترى هذا؟ قال: أرى أنك لا تضرب أحدًا إلا قتلته».

ولكن لا يعقل أن يُرد سبب تغيظ فيروز الفارسي من عمر وإضماره قتله إلى هذا السبب المباشر الذي أفاض فيه المؤرخون المسلمون، فليس هذا سوى سبب ظاهري لا يستحق أن يتوقف عنده أحد، إلا بمقدار القبول بأن سبب غزو فرنسا لتونس كان ضرب الباي التونسي قنصل فرنسا بمنشة الذباب، أو إرجاع الثورة التونسية إلى أن شابًا عصاميًا أشعل النار في نفسه لشعوره بالإهانة، أو سبب اندلاع الحراك الحقوقي المدني الأمريكي لرفض سيدة سوداء إخلاء مقعدها في الحافلة لرجل أبيض، وما إلى ذلك مما يمكن أن يعد «شرارات»، وليس «أسبابًا».

أما عن السبب الحقيقي، والذي نصدقه، لمقتل عمر، والذي لم يكن آلاف من رجال ونساء فارس وغيرها من الأمم التي فتحها العرب ليترددوا عن الإقدام بسببه على قتل عمر إن استطاعوا، فهو ما أحدثه هذا الخليفة الظافر وجنوده ببلادهم، إذ اجتاحوها كلها وصيّروها من إمبراطورية عظيمة إلى أقاليم ملحقة بدولة الخلافة.

لم يجر هذا في فارس وحدها، بل ربما في كل الأقاليم التي فتحها العرب، ومنها مصر، التي عانى أقباطها الأمرين على يد العرب، كما يظهر من الدراسة الشجاعة للكاتبة الراحلة سناء المصري، والتي أخذت عنوان «هوامش الفتح العربي لمصر»، واعتمدت فيها الباحثة على الرواية القبطية للحدث.

هذه الانتصارات، وإن أطاشت لب الفاتحين المسلمين، واعتُبرت حتى يومنا هذا ذروة المجد العربي، إلا أنها من الطبيعي أن تملأ قلوب المغلوبين بالأحقاد والضغينة، وبحسب ابن سعد في «الطبقات الكبرى»، فقد كان أبو لؤلؤة «خبيثًا كلما نظر إلى السبيِ الصغار يأتي فيمسح رؤوسهم ويبكي ويقول: إن العرب أكلت كبدي».

لذا، كان الخليفة عمر، كعادته، صائب الرأي في تخوفه من أن يُدخل عاصمته الصغيرة رجالًا لم يخف عنه ما تحمله قلوبهم من البغض لسكانها، وما قد يحمله عليهم هذا البغض من الانتقام من أهلها والكيد لهم، حتى وإن كانوا عبيدًا مسترقين، لذا فلم يُدخل عاصمة الخلافة سوى السبايا من النساء والغلمان ممن لم يبلغوا الحلم، لكن فيروز عبد المغيرة بن شعبة دخل المدينة بصفته عاملًا، وليس ساكنًا.

بل يبدو أن بواطن عمر لم تغب عنها تلك المخاوف من أن يغتاله أحد رعايا الإمبراطوريتين الفارسية، أو الرومانية الشرقية، وقد أجهز على أولاهما تمامًا وأصمى الثانية بأن اقتطع أجزاء هائلة من أراضيها، كبلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا، وبعضًا من أجزائها الداخلية، كما تجلى لنا في مناماته ورؤاه والتي سردها مرارًا على مسامع خلصائه، حيث رأى عمر أن ديكًا أحمر نقره في منامه نقرة أو نقرتين ففسّرها الرجل، أو فُسّرت له، بأنه سيُطعن من أحد علوج الأعاجم طعنة أو اثنتين!

وعلى كل حال، فما أصاب الرجل لم يكن سيئًا، وفق تصوره عن معنى الحياة والموت، بل كان أعظم ما قد يُتوج به رجل مثله قضى حياته مجاهدًا من أجل عقيدته التي آمن بها من كل قلبه، وهو السقوط شهيدًا من أجلها والرحيل إلى الله مضرجًا بدمائه على يد رجل لم يسجد لله سجدة واحدة كما قيل.

أما عن قاتل الخليفة، فعلى الرغم من أننا لا نعرف من كان أبو لؤلؤة قبل أن يؤتى به إلى المدينة، إلا أن ما لا شك فيه هو أنه كان رجلًا حرًا يعيش في مكان ما من بلاده الشاسعة قبل أن يصير فجأة عبدًا لرجل عربي، ويصير لزامًا عليه العمل حتى يعطيه جل ما يربحه مطلع كل شهر، فهل من الغريب أن يغضب وقد كان إلى وقت قريب سيد نفسه حين يجد نفسه عبدًا مسترقًا في بلاد غريبة، لرجل كالمغيرة بن شعبة، أو لغيره من العرب، ويرى أن عليه الكدح لما بقى من حياته، لكي يصب جهد مواهبه المتنوعة كلها في جيب سيده ومولاه؟!

ليس هذا فحسب، بل إن الرجل الناقم على العرب وما فعلوه ببلاده لم يكن بمقدوره التغافل عما أصاب حياته الخاصة من فساد، لأن تجليات الكارثة العامة التي حلت بأمته كانت كلها حوله في المدينة، وفي أكثر مظاهرها تأثيرًا على النفس وإثارة لها، إذ كان محاطًا في المدينة بالنساء والأطفال الذين نُقلوا إليها كإماء سبيات وغلمانًا مسترقين، حيث حُملت صفوة نساء فارس إلى بيوت النخبة من المحاربين القدماء زمن النبي في المدينة، وهو ما كان بالتأكيد يهيج أحزانه كلما رآهن.

وإذا أردنا مثالًا واحدًا عما يوغر صدور جميع البشر في كل زمان ومكان، لكفانا هذا المثال، لا لشيء سوى لتعلقه بابن الخليفة المقتول، لنرى أي هوان تعرضت له النسوة الفارسيات، ففي حديث أخرجه البخاري «عن ابن عمر أنه قال وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة. قال فما ملكت نفسي أن جعلت أقبلها والناس ينظرون».

دعونا لا ننسى هنا أننا لا نتكلم عن امرأة واحدة أو عدة نساء وقعن في أسر جيوش الفاتحين، بل عن نساء أمة بأكملها سقطن جميعًا في الأسر ليخضعن لما نصت عليه أحكام الشريعة الإسلامية من ضوابط الاستمتاع بالأسيرات المملوكات بملك اليمين.

ويكفي القارئ أن يتخيل كيف كانت مشاعر إحدى نساء فارس اللاتي وُزعن على المسلمين، كما يوضح النقل السابق، وكانت من نصيب ابن القتيل والذي لم يتمالك نفسه من تقبيلها على مرأى ومسمع من الناس دون أن يكون لها من أمرها شيء.

ولربما كانت هذه المرأة، التي لن نعرف عنها شيئًا أبدًا، لتقبل قبل وقوعها في الأسر أن تتزوج ابن عمر، ناهيك عن أن تصدق أنها ستعيش لبقية حياتها في هذا الكابوس المروع، حيث كان الرجل من الأعاجم «يقتل أهله وولده… خوفًا من أن يظفر بهم العرب»، بحسب «الروض المعطار في خبر الأقطار»، لأبي عبد الله الحميري.

كل هذا، ناهيك عن أن تصدق هذه المرأة المجهولة أنها ستكون إحدى جواري عبد الله بن عمر، وأن يكون من حق سيدها وطئها متى شاء وهجرها متى شاء، ولن يكون مطالبًا بالعدل بينها وبين أمثالها من الإماء، حيث العدل بين النساء لا توجبه الشريعة إلا للحرائر، ولسيدها كما هو معروف أن يبيعها أو يهبها لمن شاء، كما له أن يرهنها كذلك إلى آخر ما تجيزه أحكام الشريعة الإسلامية عن أحكام السبايا والإماء.

فهل من العجيب أن يغضب شخص فارسي لأنه يرى جيوش المسلمين، من سكان إحدى المناطق الصحراوية التي لا يعرف عنها شيئًا، ولا يهتم بها إذا عرف، يجتاحون أمة عريقة كأمته، والتي كانت تساهم مساهمات أساسية في الحضارة الإنسانية، منذ أكثر من عشرة قرون، ويستولون على جميع أراضيها ويسترقون أهلها جميعًا رجالًا ونساء وأطفالًا؟

الثأر للخليفة

أما كيف قتل فيروز عمرًا، فقد أجمعت المصادر الإسلامية تقريبًا على رواية تقول إن القاتل قد تسلل وكمن للخليفة في أحد زوايا مسجد النبي، وأرداه قتيلًا وقتل معه عددًا من المسلمين، قبل أن ينحر نفسه لتذهب معه إلى القبر حقيقة ما حدث، فلن نعلم أبدًا هل كان مقتل عمر غضبة رجل ساخط بيد «ذئب وحيد»، أم أن اغتيال الخليفة كان ثمرة مؤامرة حاكتها أطراف كثيرة لم يجمع بينها سوى السخط على عمر؟

بعد موت عمر متأثرًا بجراحه، ثار أحد أبناء الخليفة، وهو عبيد الله بن عمر، و بتحريض من حفصة بنت عمر، وزوجة النبي عليه السلام، وبحسب شمس الدين الذهبي في كتابه «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعيان»، ففي فورة غضبه، فتك ابن عمر بكل من ظن أنه كان مشاركًا في مؤامرة اغتيال أبيه، يستوي في ذلك من كان مسلمًا موحدًا مثل الهرمزان، أو نصرانيًا معاهدًا معصوم الدم مثل جفينة، أو من كان لصغر سنه لا ينتمي بعد إلى أي دين، ولا يدري شيئًا عما حوله مثل ابنة فيروز الصغيرة.

قتلهم عبيد الله جميعًا بالسيف، ليس لأنه أراد قتل جميع من ظنه مشاركًا أو متواطئًا في اغتيال أبيه فحسب، بل لأنه أراد ذبح جميع من سباهم المسلمون في المدينة، قبل أن يفلح الناس في إيقافه وانتزاع سيفه من يده.

ولكن إن استطعنا غض الطرف عن أفعال ابن الخليفة المهتاج، لأنه لم يكن في رشده، فلربما يصلح موقف علماء الشريعة والمؤرخين من هذه القضية مثالًا على حقيقة نظرة المسلمين لقيمة أهل الذمة وحرمة أرواحهم، ويكفي هذا النقل عن محب الدين الطبري في معرض دفاعه عن الخليفة الثالث من تهمة القتل بالظن:

«وأما السادسة عشرة، وهي ترك إقامة حدود الله تعالى في عبيد الله بن عمر, فنقول: أما ابنة أبي لؤلؤة فلا قود [أي: قصاص] فيها لأنها ابنة مجوسي صغيرة تابعة له. وكذلك جفينة فإنه نصراني من أهل الحيرة.»

***

في النهاية، وعودة لما ذُكر في بداية المقال عن طبيعة النفس البشرية في «الكيل بمكيالين» نشير إلى أنه، ورغم تبرؤ جميع شيوخ الأزهر من فعلة سليمان الحلبي ووصف الجبرتي له بـ« الأفاقي الأهوج»، فقد حاز على إعجاب ملايين العرب والمسلمين، وسيظل يُمجَّد في الذاكرة الوطنية العربية والإسلامية كبطل شجاع قام بواجبه في نصره أمته وعقيدته، أما فيروز المسكين، على النقيض، فسيظل ملعونًا من المسلمين، بمن فيهم أبناء أمته التي دخلت في دين المنتصرين، رغم قيامه بذات الصنيع، ومنطلقًا من ذات البواعث التي أخرجت خنجر سليمان من غمده.

في الحقيقة، تميل الشعوب لأن تتعامل مع تاريخها على نفس نهج تعامل الإنسان الفرد مع تاريخه الشخصي؛ إهالة التراب على لحظاتها المعتمة مع تضخيم لحظاتها المضيئة.

هذه الطريقة في تعامل الذات، الفردية منها أو الجماعية، مع تاريخها، وإن أمكن تفهمها وظيفيًا كاستجابة نفسية ضرورية لتماسكها كجماعة بشرية، إلا أنها لن تصلح لإنسان يريد فهم ذاته الحقة ويطورها، كما لن تساهم في فهم الذات الجماعية لأمة من الأمم، بل بالعكس، ستساهم في تضليل الذات وإفقارها وتأبيد نقائصها وعيوبها، وفي النهاية، ستجعل لكل شعب من الشعوب أسطورته الخاصة، والأسوأ أنها ستجعل لكل شعب ما يمكننا أن نسميه بـ «نسخته الخاصة من الحقيقة التاريخية».

هذه الطريقة في تعامل الذات، الفردية منها أو الجماعية، مع تاريخها لن تصلح لإنسان يريد فهم ذاته الحقة ويطورها، كما لن تساهم في فهم الذات الجماعية لأمة من الأمم

اعلان
 
 
محمد القلاوي