Define your generation here. Generation What
تأمين عقود البترول.. خطوة الحكومة المتأخرة في سبيل استكمال رفع دعم الوقود
 
 
صورة: Osman El Sharnoubi
 

أدت حالة من عدم الاستقرار شهدتها اﻷسعار العالمية للبترول مؤخرًا -ارتفعت خلالها إلى أعلى مستوى خلال أربع سنوات- إلى تخوفات من ألا تكتفي الحكومة بالزيادة اﻷخيرة في أسعار بيع الوقود، وأن تلحقها بزيادة أخرى خلال العام المالي الجاري، لتقليل التكلفة التي تتحملها الموازنة العامة للدولة بسبب دعم المنتجات البترولية، مع ما يصاحب ذلك من تأثيرات على أسعار السلع والخدمات المرتفعة بالفعل.

من جانبها، وأمام حالة عدم الاستقرار في اﻷسعار العالمية، لجأت الحكومة إلى خطوة التأمين ضد مخاطر ارتفاع أسعار البترول؛ بهدف تثبيت اﻷسعار لفترة زمنية طويلة، وذلك تجنبًا لنقل تقلبات السوق العالمية إلى المستهلك المصري. وهي الخطوة التي رأى اقتصاديون تحدثوا لـ«مدى مصر» أنها أتت متأخرة، مشيرين إلى كونها لا تخلو من المخاطر والتعقيدات.

كان مجلس الوزراء وافق في يونيو الماضي على تشكيل لجنة من وزارتي المالية والبترول للتعاقد مع أحد أو بعض البنوك العالمية للتأمين ضد مخاطر ارتفاع أسعار البترول العالمية، وذلك بعد وضع رؤية مستقبلية لتلك الأسعار، ما يقلل من مخاوف تضخم بند الإنفاق على دعم الوقود في الموازنة العامة للدولة، والذي تعمل مصر على خفضه في إطار برنامج تقشف مالي بدأ منذ عام 2014.

وقال مصدر حكومي لنشرة إنتربرايز في ذلك الوقت إنه من المتوقع أن تنتهي اللجنة من النظر في سبعة عروض مقدمة لها من بنوك دولية خلال شهرين، أي في أغسطس المقبل. مرجحًا أن تتعاقد الحكومة على سعر 70 دولارا للبرميل لمدة ثلاث سنوات.

ويهدد ارتفاع أسعار البترول عالميًا قدرة الحكومة المصرية على استكمال برنامج التخفيض التدريجي لدعم الوقود، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية احتياجاتها من المواد البترولية، التي ترتفع تكاليفها مع كل زيادة في السعر العالمي. وبحسب اقتصاديين تحدثوا إلى «مدى مصر»، كانت خطة الحكومة في زيادة الأسعار تدريجيًا للمستهلكين، وبالتالي تخفيض إنفاقها على الدعم، قد بدأت حين كانت الأسعار العالمية للمواد البترولية منخفضة، واعتمد برنامج تحرير الأسعار على أن يستمر الانخفاض العالمي، وبالتالي يكون كل رفع لأسعار المستهلكين هو خصم من الدعم مباشرة. أما الآن بعدما تخطت الأسعار العالمية التوقعات فسيتطلب رفع الدعم زيادة في أسعار بيع الوقود أكبر مما كان مخططًا، والذي ينعكس بدوره سلبًا على المواطنين.

وشهدت أسعار البترول العالمية منذ فبراير الماضي سلسلة ارتفاعات حادة ليقترب البرنت من 80 دولارًا للبرميل في شهر مايو، مسجلًا أعلى مستوياته في حوالي 4 سنوات. وإن انخفضت الأسعار قليلًا في الأسابيع اللاحقة لتتراوح حاليًا في حدود 78 دولارًا للبرميل.

كيف يتم تأمين عقود البترول ضد تذبذب الأسعار عالميًا؟

يعني التحوط من، أو التأمين ضد، مخاطر ارتفاع الأسعار عالميًا أن تتعاقد الحكومة مع شركة بترول أو بنك استثمار على شراء كمية محددة من البترول بسعر متفق عليه مسبقًا خلال فترة زمنية محددة.

شريف عبد الودود، المتخصص في اقتصاديات البترول، يقول لـ «مدى مصر»، إن الهدف من التحوط هو تجنب التذبذبات في أسعار البترول في السوق العالمية، والتي تكون التوقعات حولها غير مؤكدة بطبيعتها، لتضفي هذه العقود عليها يقينًا.

ويشرح عبدالودود أن عقود التحوط «في أبسط أحوالها هي اتفاقية بين مشترٍ وبائع على بضاعة ما (في هذه الحالة براميل البترول) بسعر ثابت في المستقبل. المشتري يخاف من ارتفاع الأسعار [في المستقبل]، والبائع يخاف من انخفاضها. وبالتالي تتفق الجهتان على سعر ثابت لتفادي التذبذبات».

بدوره، يوضح عمر الشنيطي، المدير التنفيذي لمالتبيلز جروب، أنه في حالة الاتفاق على سعر  70 دولارًا للبرميل. يعني هذا الأمر، أنه إذا ارتفع سعر النفط في السوق العالمية إلى 80 دولارًا أو 85 دولارًا، لن يؤثر الأمر على مصر حيث ستشتري بالسعر المتعاقد عليه.

على الجانب اﻵخر، تتحمل الحكومة مخاطرة أن ينخفض السعر العالمي عن السعر المتعاقد عليه دون أن تستفيد بذلك، وفي هذه الحالة، بحسب الشنيطي، يحدد نوع التعاقد التأميني الذي ستلجأ له الحكومة الخطوة التي ستتخذها؛ إما الشراء بالسعر المتعاقد عليه وخسارة الفارق، إن كان التعاقد بنظام «العقود اﻵجلة»، أو الاستغناء عن التعاقد والشراء من السوق بالسعر اﻷقل، إن كان التعاقد بنظام «خيار الشراء»، وإن كانت في الحالة اﻷخيرة تدفع مقدمًا مبلغًا تأمينيًا ثابتًا، أيًا كانت تقلبات اﻷسعار.

وبينما يقول عبدالودود إن عقود التحوط لها أشكال واستراتيجيات متعددة ومعقدة، متوقعًا ألا تلجأ الحكومة لشكل من التعاقد مرتفع المخاطر، ﻷن هذا يتنافى مع هدفها اﻷساسي، يرجح الشنيطي، أن «تلجأ الحكومة إلى العقود الآجلة، التي تستخدم مع الكميات الكبيرة، ومصر تشتري ملايين البراميل».

الفرصة الضائعة ومحاولة إنقاذ الموازنة

تعد هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها الحكومة إلى عقود تأمين ضد مخاطر ارتفاع الأسعار كمشترٍ، حيث اعتادت على ترك الدعم في الموازنة العامة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، تستفيد منها في سنة وتترك بند دعم الوقود يتضخم في سنة أخرى.

كانت أسعار البترول العالمية شهدت انخفاضًا حادًا عام 2014 إثر تباطؤ الاقتصاد العالمي وزيادة الإنتاج من الولايات المتحدة بدون تخفيض من المنتجين الآخرين في ذلك الوقت. وسمح هذا الأمر للحكومة المصرية برفع أسعار الوقود على المستهلكين مرة واحدة فقط في عامين بدون الإخلال بخطة خفض بند دعم الوقود في الموازنة العامة في ذلك الوقت.

واستفادت الحكومة بالفعل من الانخفاض الحاد في أسعار البترول منذ عام 2014، والتي وصلت في لحظة ما 30 دولارا للبرميل، وهو الأمر الذي ساعد على تخفيض بند دعم الوقود في الموازنة.

يرى عبدالودود أن تلك اللحظة كانت «مثالية للحكومة لتجري عقود التحوط، كان بإمكانها ضمان سعر منخفض لمدة 5 سنوات أو أكثر. وكان من الممكن تجنب عبء كبير»، مضيفًا انه بالنظر لفاتورة الدعم وعجز الميزانية كان واضحًا وجوب القيام بتلك الخطوة في ذلك الوقت.

ويستكمل: «لماذا لم يأخذوا هذه الخطوة سابقًا؟ لا أعرف على وجه التحديد، ربما كان هناك ارتياح سببه انخفاض اﻷسعار خلال السنوات الثلاث، أو كان السبب نقصًا في الكفاءة».

كذلك يعتقد الباحث في الاقتصاد المالي، محمد سلطان، أن الحكومة، مثلها مثل قطاع البترول، توقعت أن تظل الأسعار العالمية منخفضة وألا تعاود الارتفاع لفترة طويلة، بدليل أن شركات التعدين خفضت استثماراتها في السنوات الماضية، بما يعني أنها لم تتوقع أرباحًا كبيرة لأن الأسعار ستظل منخفضة.

أما عمر الشنيطي فيرى أن «عدم اللجوء سابقًا إلى التأمين ضد ارتفاع الأسعار العالمية مرتبط بعدة عوامل منها أنه أمر غير بسيط، وأن التقلبات تجعل تحديد استراتيجية جيدة صعب، وأخيرًا أنه في ظل هذا القدر من التقلبات ترتفع تكلفة التأمين».

وفي حين حدد بيان مجلس الوزراء الخاص بتشكيل اللجنة التي ستدرس العروض المقدمة من البنوك العالمية، أن من ضمن مهامها وضع تصور لرؤية مستقبلية للأسعار العالمية للبترول ولسعر التأمين المستهدف بالاستعانة بالدراسات العالمية. يرى عبدالودود أن على الحكومة الاتفاق مع شركة استشارات لخدمات التحوط قبل النظر في العروض المقدمة وتقييمها.

بدوره، يرى الشنيطي أن «الحكومة تحتاج إلى مستشارين لمعرفة الأسعار المنطقية، لأن خلق تصور للأسعار المستقبلية مقابل الأسعار التي تحتاجها الحكومة يعد أمر صعب».
وهو ما يتفق معه عبدالودود، مضيفًا أن «التحوط هو أمر معقد ويتطلب خبرة كبيرة ومجموعة من المهارات المحددة، وهو ما لا تملكه الحكومة. لا يجب على الحكومة أن تعتمد على البنوك لتصميم وتقييم شكل التعاقد. يمكن لهذا الأمر أن يكون مرتفع التكلفة، كما أنه يمثل تعارض في المصالح للبنك، لأن البنوك تركز على عمولتها». وكذلك، فهو يرى أنه ليس من المفضل أن تعقد مثل هذه الاتفاقيات مع بنوك -وهو الطريق الذي تسلكه الحكومة- إنما يفضل أن يكون التعاقد مع شركات بترول عالمية تعمل في مصر بالفعل، وذلك لتقليل المخاطر التي قد تظهر عند التعاقد مع مؤسسات مالية.

لكن إهدار فرصة سابقة للتحوط منذ أكثر من ثلاث سنوات انخفضت فيها أسعار البترول العالمية، لا يعني ألا يتم الآن استغلال آلية التأمين تلك، لأن ارتفاع الأسعار عن المستويات الحالية يمكن أن تكون له آثار كارثية على الموازنة، بحسب عبدالودود، الذي فسر لجوء الحكومة لهذه الخطوة في الوقت الحالي بقوله: «أعتقد أن الارتفاع الأخير في أسعار البترول فاجأ الحكومة وأجبرها على تجاوز قيمة عجز الموازنة المستهدف».

ما تأثير تلك الخطوة على أسعار بيع الوقود؟

يقول سلطان لـ «مدى مصر» إن خطة تحرير أسعار الطاقة اعتمدت على أسعار عالمية للبترول في حدود 50 دولارًا للبرميل، ما يجعل الاستمرار في النهج الحالي بدون تحوط في ظل ارتفاع الأسعار العالمية له آثار سلبية على أسعار السلع والخدمات بشكل عام.

«لكن لو ارتفع سعر البترول [دون وجود عقود تأمينية] لن تتمكن الحكومة غالبًا من رفع الدعم نهائيًا، في الوقت الذي ستتضاعف فيه أسعار الطاقة العالمية، وبالتالي تتحمل (الحكومة) كلا الضررين، الأول أن يستمر العجز نتيجة دعم المواد البترولية، ويعني هذا الأمر أن يتم تمويل هذا العجز من خلال زيادات في ضرائب الاستهلاك، إذا استمر نفس نهج السياسات الاقتصادية الحالية، ويترتب على هذا ارتفاع عام في الأسعار»، بحسب سلطان.

الضرر الثاني، حسبما يضيف، هو زيادة أسعار الوقود على المستهلكين، وهما الضرران اللذان يؤديا لزيادة التضخم «مدفوعًا برفع أسعار الوقود بالإضافة إلى رفع ضرائب الاستهلاك لتمويل العجز الناجم عن استمرار الدعم بسبب ارتفاع الأسعار عالميًا».

وتلتزم مصر في اتفاقها مع صندوق النقد الدولي بإلغاء دعم الوقود بالكامل [باستثناء البوتاجاز] بنهاية عام 2019، وهو الاتفاق الذي تقترض مصر بمقتضاه 12 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات حتى نوفمبر من العام المقبل.

ومنذ بداية تحرير الأسعار في يوليو 2014، رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود على المستهلكين أربع مرات، كان آخرها نهاية الشهر الماضي. وفي موازنة السنة المالية الجارية، الذي بدأ مطلع الشهر الجاري، خصصت الحكومة 89 مليار جنيه لبند دعم الوقود، مقابل 120 مليار جنيه تم إنفاقها على هذا البند في السنة المالية الماضية.

المصدر: وزارة المالية

من جهته، يتوقع الشنيطي أن «ما سيحدث، هو أن التأمين ضد ارتفاع الأسعار عالميًا سيسمح بتثبيت سعر البترول في الموازنة وبالتالي يتم تحديد سعر الوقود في السوق المصري بناءً على السعر المتفق عليه في العقود الدولية، ما يسمح أيضًا بخفض بند الدعم». في تلك الحالة، سيسمح وجود سعر تكلفة ثابت للوقود، للحكومة بنقل التكلفة بالكامل على المستهلك مع الحفاظ على أسعار مستقرة وثابتة، ما يسمح بدوره بإلغاء الدعم من الموازنة.

ويرجح الشنيطي أن يتم تفضيل هذا السيناريو عن سيناريو تحرير كامل للأسعار يؤدي إلى تغيير الأسعار يوميًا على المستهلك في مصر بحسب التغييرات اليومية في الأسعار العالمية.

وكانت الحكومة المصرية اتفقت مع صندوق النقد الدولي على أن الالتزام بالإطار الزمني لتحرير أسعار الوقود يكون من خلال تطبيق ما أسمته المؤسسة الدولية بـ «automatic fuel price indexation mechanism» وهي آلية لتسعير المواد البترولية ما بعد رفع الدعم. وقال الشنيطي لـ «مدى مصر» سابقًا إن تطبيق هذه المعادلة يكون من خلال وضع آلية، يتمّ من خلالها تثبيت الأسعار لكل مدة، لكن مع الحرص على أن تعكس تلك المدة الأسعار العالمية. وكل مدة تتمّ مراجعة الأسعار التي حُددت لقياس ما إذا كانت مناسبة أم لا. ويعني هذا أن تثبيت الأسعار لمدة زمنية من خلال عقود التأمين ضد ارتفاع الأسعار العالمية هو خطوة تجاه تفعيل هذا التصور.

 

اعلان