Define your generation here. Generation What
رحلة مع نور الهدى
قائمة أغانٍ بعد 20 عامًا من رحيل المطربة
 
 
 

الصوت وحده لا يكفي، مهما كنت صاحب حنجرة ذهبية وصوت جميل وعذب، لا يمكن أن تصل لمكانة كبيرة دون حسابات أخرى، دونها كان يمكن أن تصبح الست صوت آخر غير أم كلثوم، أو أن يذهب  لقب «موسيقار الأجيال» لشخص غير محمد عبد الوهاب، أو يكون حليم مجرد مطرب من مطربي ما بعد ثورة 52.

نور الهدى صوت من أعذب الأصوات في تاريخنا الفني، صوت عنده القدرة على أداء أي شكل غنائي بنفس الجودة والجمال، تستطيع بكل سهولة منافسة أم كلثوم على ساحة الطرب، وفي الوقت نفسه هي منافس قوي في ملعب الأغنيات الخفيفة، كأغاني ليلى مراد وشادية. وقبل كل ذلك، لا ننسى أنها صوت لبناني في الأصل، يستطيع  مجاراة من تبعنها مثل صباح ونجاح سلام وفيروز. لكن للأسف لم تملك نور مهارات أخرى خارج حدود الغناء، فلم تستطع أن تحقق ما يستحقه صوتها من مكانة بين نجوم الغناء والطرب.

ولدت في تركيا عام 1924، لعائلة لبنانية، اسمها الحقيقي «ألكسندرا بدران». جاءت للقاهرة في بداية الأربعينيات، بعد معاناة مع والدها بسبب رفضه لفكرة غنائها والعمل في مجال الفن، وصل إلى حد الضرب والحبس وهي صغيرة. لكن هذا لم يثنها عن استراق السمع للأغاني عبر«فونوغراف» الجيران، خاصة أغاني محمد عبد الوهاب.

حكت نور الهدى لإلياس سحاب عن كيفية اختيار اسمها الفني، وأنهم وضعوا لها مجموعة من الأوراق في قبعة بها عدد من الأسماء الفنية لتختار منهم، فكان نصيبها في «نور الهدى». تحكي أن من ضمن هذه الأسماء  كان اسم صباح، والذي حصلت عليه جانيت فغالي. بعد هذه الواقعة بأشهر قليلة، ستكون نور الهدى من أوائل الأصوات اللبنانية التي قدِمت إلى مصر، جاء بها يوسف وهبي لتمثل معه في فيلم «الجوهرة»، ثم فيلم «برلنتي».

هنا، وفي ذكرى رحيلها العشرين، سنعيش رحلة سماعية مع صوتها وأغانيها؛ رحلة طربية لا تاريخية، لاكتشاف وتقدير هذا الصوت الجميل الناضج، محاولين تقديم أغلب الأنواع والأشكال الغنائية التي قدّمتها نور الهدى خلال مسيرتها الفنية. فرغم قصر رحلتها، إلا أنها حافلة بأغانٍ قيمة، تعاملت فيها مع العديد من الملحنين الكبار.

مع أول ظهور لها على شاشات السينما،  وفي أول مرة يتعرف عليها الجمهور في فيلم «جوهرة» (1943) ، غنّت نور الهدى من ألحان رياض السنباطي ومحمد الكحلاوي.  وهنا نختار لها من هذا الفيلم، تلك الأغنية مع الملحن فريد غصن. أغنية ذات لحن جميل وخفيف، يبرز جماليات صوتها، ما جعله تعارفًا جميلًا للجمهورعلى هذا الصوت العذب.

يعتبر عام 1946 عام الجنة بالنسبة لنور الهدى، ستقف أمام أحب الأصوات إلى قلبها؛ محمد عبد الوهاب. وبعيدًا عن شائعات حبها له، إلا أن الأكيد هو غرامها بصوته، وفنه، وأغانيه. قدّمت معه دويتو «اضحكى وغنّي». كما غنّت من ألحانه مذهب أغنية «شبكوني ونسيوني قوام»، والتي حكت نور الهدى أن عبد الوهاب راهنها على خمسة جنيهات لو تمكنت من حفظ اللحن من أول مرة. فعلت ذلك ولم يعطها الخمسة جنيهات، وغنّى هو الأغنية، مكتفيًا بأن تغني هي المذهب فقط. لكنه أيضًا، قدّم لها لحنًا من أجمل ألحانها، أغنية: «ما تقول لي مالك محتار»، الذي أدّته بكل اقتدار رغم صعوبته وامتلائه بالعُرب والنقلات المقامية.

لسماع الأغنية يمكن الضغط هنا.

في صورة غنائية خفيفة وبسيطة، تغني نور الهدى في فيلم «الآنسة بوسة» 1945، أغنية وكأنها تصف نفسها: «أنا بوسة خفيفة الظل.. خفيفة الشكل.. خفيفة الدم.. على قد ما أكون على الخد ما أخلي حد يشيل الهم». كعادته بيرم التونسي يتحدث عن القُبلة والجَمال في طقطوقة تؤكد بها نور الهدى قدراتها على منافسة ليلى مراد وشادية.  بخلاف «أنا بوسة» لحَّن السنباطي أغانٍ كثيرة لنور الهدى، وعددًا من القصائد كان أشهرها قصيدة بهاء الدين زهير«غيري على السلوان قادر» وقصيدة «إلى حبيب». كما لحَّن لها لحنًا شعبيًا، ربما كان الوحيد الذي لعب على ثيمة نداءات البائعين في أغنية مكتوبة وملحَّنة، وهي أغنية «فاكهة وفكهاني».

لسماع الأغنية يمكن الضغط هنا.

نور الهدى من أكثر المطربات تحكمًا في صوتها، تستطيع تطويعه كما شاءت، وكما شاء اللحن. هنا في أغنية «فين الحبيب» من فيلم «مجد ودموع» (1946)، نستطيع رؤية كيف أنها أغنية كلثومية بشكل واضح.  أن الأغنية من كلمات أحمد رامي ومن ألحان القصبجي (أسماء الملحنين وكُتّاب الأغاني معروضة في تترات الأفلام بشكل جماعي، بدون تحديد حقوق كل أغنية على حدا)، وأن مثل هذه الأغنية، جعلت أم كلثوم تلتفت لهذا الصوت الجديد القادم من لبنان، الصوت الذي يمكنه تهديد عرشها.

بهذا اللحن للشيخ زكريا أحمد، يكتمل تعاون نور الهدى مع مثلث التلحين الخاص بأم كلثوم. نور الهدى كانت من أكثر المطربات اللاتي هددن عرش أم كلثوم، بجانب أسمهان وليلى مراد، فأم كلثوم لا تهاب من تقلِّدها، لكنها تهاب مَن تستطيع تقديم أشكال مختلفة، بجانب إتقانها للغناء الطربي و«الكلثومي» إن شئنا تسميته هكذا. خافت أم كلثوم من أسمهان عندما غنّت «يا طيور» لا القصائد (ويقال إنها هاتفتها لتهنئها على الأغنية وقالت لها: هذه الأغنية لا يمكن أن يغنيها إلا صوتان)، كذلك كانت تهاب نور الهدى لأنها قادرة على التلوين بين الطرب، والفلكلوري، والفكاهي.

كان محمد فوزي محطة مهمة في تاريخ نور الهدى، وشكلا ثنائيًا ناجحًا، فقدّما عدة أفلام، والكثير من الأغاني المشتركة، بين الاستعراض والأوبريت الفكاهي والقصيدة، كان أشهر تعاونهما أغنية «عايز أقولك»، لكن أختار لرحلتنا هنا دويتو «أنا مش حلوة»، لان فوزي صنع فيه مساحات طربية توضّح مقدرة نور الهدى على التنوع.

من الصعب اختيار أغنية واحدة من الأغاني الكثيرة التي لحّنها فريد لنور الهدى، فقد قدما معًا أغانٍ عديدة، استطاع بها فريد إبراز جماليات صوت نور الهدى وقوته، وقدرته أشكال الغناء المختلفة، من الطربي إلى الاستعراضي وحتى الفكاهي، كانت تجربة ناجحة بكل المقايس مثل تجربتها مع محمد فوزي، كان يمكن اختيار أغانٍ منفردة مثل «إن جيت للحق»، أو «يا ساعة بالوقت اجري»، أو حتى استعراض «ما تقولش لحد» بصحبة سامية جمال.

لسماع الأغنية يمكن الضغط هنا.

رغم أن نور الهدى لبنانية عاشت وترّبت في لبنان، إلا أنها استطاعت تقديم الأغنية الشعبية والفلكلورية بإتقان. هنا نسمعها تغني «اتدلع على كيفك» وكأنها مصرية عاشت وتربت في الأرياف، من اللهجة حتى الروح التي تغني بها وتنقلها للمستع. قدمت أيضًا أغنية «علي يا علي» من كلمات جليل البنداري وألحان محمد الكحلاوي، ومع الملحن الشعبي الأول محمود الشريف نذكر لها أغنية «جوه عنيك»، و مع عبد العزيز محمود لها «شباك حبيبي».

لسماع الأغنية يمكن الضغط هنا.

ومن لبنان ومع مكتشف فيروز ووالد ماجدة الرومي، الملحن والمطرب حليم الرومي، نسمع نور الهدى في لحن بالغ الرقة بصحبة الكمان فقط. يأتينا صوتها وكأنه قادم من السماء، صوت ملائكي بشدة، بعكس صوتها في ترنيمة «اليوم علق على خشبة»، هو صوت قادم من السماء أيضًا، ولكنه هنا يبدو أقرب إلى صوت الطبيعة.

10 سنوات فقط كان عمر نور الهدى الفني في مصر، قبل أن تواجه المشاكل والتضييق، وكانت هناك إشاعات وقوف أم كلثوم وراء هذا التضييق خوفًا من نجاحها، خاصة بعد انفرادها بالقمة بعد 1952، إثر اعتزال ليلى مراد ورحيل أسمهان، واعتزال فتحية أحمد أو على الأقل اختفائها عن الساحة الفنية. بجانب كل هذا، تحكم والد نور الهدى، وعدم نجاحها في الخروج من سيطرته، حتى نجد هذا الكاريكاتير يوضح مدى سيطرة الأب على ابنته.

كاريكاتير للفنان: رخا

عادت نور الهدى إلى لبنان، وقدّمت عدة مسلسلات تلفزيونية، وحفلات وحاولت مواصلة النجاح، لكن لم تتمكن من ذلك، رغم نجاحها في الحفاظ على مكانتها وصوتها، فقدمت الغناء الطربي مثل دور «لو كان الغرام نظرة» لمحمد عثمان، أو دور «لو كان فؤادك يصفالي» الدور المفقود لمحمد عبد الوهاب، والتي عادت أيضًا وقدّمت الأغنية الأحب لها منذ الصغر، «يا جارة الوادي»، وقد أبدعت فيها بشكل لا مثيل له، أخذت الأغنية إلى مكانة بعيدة من الجمال، لم تنجح فيروز أو حتى عبد الوهاب في فعل ذلك، خاصة عندما قدّمتها دون أي موسيقى.

قدّمت نور الهدى العديد من القصائد والموشحات، تحتاج مقال منفصل، لما أبدعته فيها من مستويات طربية عظيمة، تؤكد أنها كانت موهبة وصوت لا يجود بهما الزمن كثيرًا، يمكن أن نستمع إلى موشح «عبث الحب بقلبي فاشتكى»، أو «انحلتني بالهجر ما أظلمك». في النهاية أثبتت نور الهدى للجميع، في وقتها، وحتى يومنا هذا، أنها من أعذب الأصوات التي أنجبتها الموسيقى الشرقية الحديثة.

رحلت نور الهدى في  9 يوليو 1998، وهي حزينة على ما أضاعته من خلود فني، «بابكي على نور.. وحياة المسيح ومحمد بابكي على نور الهدى لما بسمعها تعرف ليه؟! لأن نور الهدى ما عطت اللي كان موجود عندها كفاية» هكذا قالت نور الهدى عن نفسها، وهي تحبس الدموع في آخر ظهور لها في تسجيل خاص في بيتها.

اعلان