Define your generation here. Generation What
«هوامش الفتح العربي لمصر»: حين يتوازى الهامش مع المتن
 
 
غلاف كتاب هوامش الفتح العربي لمصر
 

يندر أن يتمّ التعامل بجدية مع إعادة قراءة التاريخ، وكتابته مرة أُخرى من زاوية غير رسمية. حتى من يعملون بهذا الحقل نادرًا ما يتمّ تصديرهم كما يجري تصدير مؤرخي الروايات الرسمية. قائمة طويلة من الباحثين نذكر منهم سناء المصري، ومحمد حاكم، ورفعت يونان، وأحمد زكريا الشلق، ونيللي حنا، ينتمون لكتيبة المسائلين للتاريخ، الجسورين بحق، حيث أرغموا الصوت الواحد للراوي المنتصر المسترسل في رواية التاريخ أن يستوعب أصواتهم المُسائِلة أحيانًا والهازئِة أحيانًا، فهم لم يستسلموا أو يطمئنوا للتاريخ في رواياته الرسمية حتى لو تمّ تكريس هذه الروايات الرسمية بشكل كبير، لدرجة أن التجديف عكسها يغدو من المخاطر المحققة.

كتاب «هوامش الفتح العربي» لسناء المصري الصادر في نسخة جديدة ضمن سلسلة «مختارات الكرمة»، يعتبر من كتابات إعادة قراءة التاريخ، لأن الكاتبة لم تكتف فيه فقط بمواجهة الروايتين العربية والقبطية، من خلال المصادر الموثَّقة من الطرفين حول وقائع فتح العرب لمصر، بل تتبعت هوامش هذا التاريخ وخَلقت سياقات جديدة مضت بها باتجاه المتن، فأحيت الشخصيات التي أهملها التاريخ، وكان إحياؤها بمثابة الاستعانة بشاهد من الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وكان استدعاء الشواهد بمثابة عملية خلق معرفية وتحليلية.

غلاف الطبعة الجديدة من دار الكرمة، يبدو في شكل قطعة من قماش القباطي المصري المعروف، الذي أبهر العرب قبل الفتح، وكانوا يقطعون رحلات طويلة فى قلب الصحراء ليتمكنوا من الحصول عليه للتجارة. صورة قماش القباطي على الغلاف منقوش عليها أسد يحارب بشريًا، كلاهما يرفض الهزيمة، والأسد قد يرمز للعرب حيث كانوا يقرنون أنفسهم به «كرمز الحاكم المسلم الذي يرى في نفسه صفات القوة ويدمغ محكوميه بصورته إشارة إلى وقوعهم تحت أسره الدائم وسلطته المطلقة».

دخلت سناء المصري عالم المراجع التاريخية الخاصة بمرحلة الفتح، تدوِّن فيها أسئلة قد تزعج مَن اطمئنوا إلى ما تمّ تكريسه في الوعي الجمعي كمسلمات، حيث التركيز على أن العرب دخلوا مصر، ولم يتعرّضوا لأقباطها، بل دخلوا ليخلِّصوهم من بطش البيزنطيين، وأن العرب لم يُصلّوا في كنيسة خشية أن تتحوّل لمسجد، أو أن الإسلام انتشر بعد الفتح بالتسامح، مع تجاهل وقائع السلاح والإرغام الاقتصادي والاجتماعي والديني.

ترفض سناء المصري بالمناسبة أن يتمّ أخذ دراساتها من باب الانتصار للشعب القبطي، أو إبراز مساوئ الفتح، والحكم العربي بقدر ما تقول إن هدفها إظهار الحقيقة «فالحقيقة ثورية بطبيعتها وأنها الأولَى بالاتباع لكل باحث نزيه».

في الفصل الأول من كتابها استدعت سناء المصري ماريا القبطية على عكس الروايات الرسمية، التي تفضِّل في العادة تصدير الأبطال مُحرِّكي الأحداث الرئيسية. استدعاء ماريا من الصفوف الخلفية لم يكن بالأمر السهل في ظل قلّة المراجع التاريخية من الجانبين العربي والقبطي، التي لم تأت على ذكرها مباشرة بالقدر الكاف، فتحايلت سناء المصري تحايل الباحث المتعنت وراء الحقيقة لإظهار الصوت الخافت الآتي من بعيد.

تتبعت الباحثة الظروف التي جعلت شابة مصرية فاتنة الجمال تدخل قصر المقوقس، قبل أن يقوم هذا الأخير بإهدائها للنبي محمد. من خلال البحث تغوص سناء المصري في تفاصيل الحياة في المنيا، بالأخص قرية الحفن -مسقط رأس ماريا- مستعينة بمرجع لزبيدة عطا بعنوان «إقليم المنيا في العهد البيزنطي»، وبنَفَس سردي وبانورامي عالٍ تصف الباحثة شكل المعمار والملابس والحياة الاجتماعية في قرية الحفن، واستغلال البيزنطيين للفلاحين، وإثقال كاهلهم بالضرائب، مما جعل البعض منهم يهربون -إن حالفهم الحظ بالهروب- وإن لم يحالفهم يقوم أعوان المقوقس باحتجاز نساءهم وبناتهم، وفي الأغلب اُحتجزت ماريا عند المقوقس لهذا السبب.

استخدمت سناء ماريا كخيط سردي -رغم أنها عاشت وماتت قبل الفتح العربي لمصر بسنوات قليلة، لأنها عاشت أكثر من نصف عمرها في مصر إبان حكم البيزنطيين، وعاشت الباقي من عمرها في بلاد العرب فكانت بمثابة سماء أطلت من خلالها الباحثة على شكل الحياة في البقعتين من مصر والحجاز، وكيف كانت تتمهد الظروف لعملية الغزو العربي لمصر.

جاءت ماريا داخل الكتاب كأيقونة حقيقية لتجسيد الاغتراب، سواء الاغتراب داخل مصر بسبب الفقر والاضطهاد الديني من جانب البيزنطيين أصحاب المذهب الخلقيدوني ممَن يضطهدون أرباب كنيسة الإسكندرية، ويثقلون كاهلهم بالضرائب، والاغتراب في بلاد العرب بعد اقتلاعها الكامل من بيئتها وتزويجها للنبي محمد، وتحوّل ماريا فور وصولها بيت محمد من فتاة شابة كانت «ترتدي في مصر الأساور السميكة على شكل حيّة والأقراط على شكل عنقود العنب وتكحل الرموش بالأسود وحول العينين بالأزرق، والأحمر للوجه، وتجعد شعرها على هيئة بلح مع رفعه إلى أعلى وتزيينه بشرائط ملونة» إلى امرأة تسكن في وادٍ خالٍ من الناس، تلبس الحجاب ولا تخرج إلا بحلول الظلام لتقضي حاجتها، وكأن هذا الشكل من التحوّل في شخصية ماريا إشارة إلى التحوّل الذي سيحدث في بلدها كليًا على يد العرب.

بالانتهاء من شخصية ماريا والمفارقات المتوارية، تأخذنا سناء المصري لنقف أمام مفارقات تاريخية جلية بشكل كبير. كأن يدخل عمرو بن العاص مصر غازيًا مع جيشه رافعين الرايات السوداء، فهذا مشهد مليء بالمفارقة، وأن يتحول حال جيش العرب بعد أن يستقر لهم الأمر في مصر إلى رغد من العيش يتنافى تمامًا مع ما تمّ ترويجه عن الزهد. وأن تذكر كتب التاريخ العربي حجم الانشقاقات الكبيرة بين صفوف الجيش بعد الانتصار من أجل توزيع الغنائم، وكيف ظهرت النعرات القبيلة بقوة وتنحت تعاليم الدين، لتقول سناء المصري بقلب مطمئن، وذلك بعد الاستناد للمراجع عبارتها القصيرة: «انتهى الزهد العربي مع أولى خطوات الفتح – هذا إن سلمنا بوجوده من الأصل».

«أخرب الله مصر في عمران المدينة» يبدو أن هذه الجملة شهيرة في كتب التاريخ العربي، هذه الجملة صدرت على لسان عمر بن الخطاب في حث القادة العرب على استغلال ثروات مصر لصالح عمران المدينة المنورة، ومع هذه الجملة المؤكدة تاريخيًا في مراجع مثل «فتوح مصر وأخبارها» لابن عبد الحكم، تتبع سناء المصري شكل هذه النزاعات الداخلية المحتدمة التي كانت تستوجب في كثير من الأحيان تذكرة من عمر بن الخطاب للولاة والقضاة المصريين، بأن خيرات مصر لا بد أن تذهب للمدينة المنورة وليست لرغد حياة العرب الفاتحين، لكن يبدو أن الوضع كان كالمثل الشهير«لا حياة لمَن تنادي» فالغالبية لم يكونوا ملتفتين للنصائح بقدر الالتفات لتحصيل الغنائم، حتى أن عمر بن الخطاب نفسه غضب لعدم وصول غنائم كافية له كأمير للمؤمنين حتى قال في إحدى المرات غاضبًا: «أنا إذن كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها» وهو ما جعل سناء تفتح بابًا للتساؤلات: لماذا يتمّ تصدير العرب كفاتحين لمصر ومخلّصين لأهلها من بطش الرومان البيزنطيين؟

تستدل سناء المصري بكتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي، وكتاب «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي على قيام العرب بفرض الضرائب على الفلاحين بمعدلات زيادة فاقت ما كان مفروضًا عليهم إبان حكم البيزنطيين. وبجانب الضرائب والخراج زاد على كاهل المصريين الجزية التي فرضها العرب على غير المسلمين وكانوا غالبية.

وعلى عكس ما يتمّ ترويجه أن المصريين سارعوا إلى الدخول في الإسلام،نستطيع أن نرى من سجلات الخراج التي كان يدوَّن فيها ديانات المتحصَّل منهم الخراج، أن من بين كل مائة قبطي كان هناك مصري واحد مسلم، فلم يذب أقباط مصر بسهولة في ديانة الإسلام، وظلوا لأكثر من مائة عام في حالة دفاع عن الهوية والديانة.

أيضًا استحدث العرب وسائل جديدة تدفعهم على الالتزام بدفع الخراج والجزية. تخطت هذه الأساليب السجن والتحفظ على النساء مثلما كان يحدث أثناء حكم البيزنطيين، بل تمّ التمادي في استخدام وسائل الإحراق والصلب حتى الموت والتمثيل بالجثث، وفرض الجزية على الرهبان، وهو ما كان ممنوعًا فترة حكم البيزنطيين، ومنعوا الفلاحين من تقرير مصيرهم في حال قرروا تغيير مهنتهم هربًا من الخراج، كما منعوهم من مغادرة قراهم والهروب إلى مناطق مصرية أُخرى.

وبجانب ما يتمّ ترويجه بشكل كبير حول التسامح ورفض الصلاة في الكنائس حتى لا تتحول لجوامع، فهناك وقائع أُخرى تظهر غير ذلك منها قيام العرب بنهب الكنائس «ونهب جميع مال البيعة حتى الكاسات اللاتي يرفع فيهن الدم الذكي».وبحسب المقريزي، الذي يعد من مؤرخي العرب الموثوقين، يذكر وقائع كثيرة حول تمرد المصريين على العرب، حتى أن عمرو بن العاص ظل يحارب المسيحيين في شمال مصر اثني عشر شهرًا حتى يتمكن من فتح مدنهم.

كما تستعين سناء المصري بكتاب زبيدة عطا «إقليم المنيا في ضوء أوراق البردي» الذي يذكر واقعة إحراق العرب لخمس وثلاثين كنيسة في مدينة طلخا فقط حتى لم يتبق منها سوى كنيسة مارمينا.

اعتمد الأقباط المصريون في مواجهة الفتح العربي على  سلسلة طويلة من التمردات، بعضها كان من السهل السيطرة عليه بالحرق، تقول زبيدة عطا في كتابها «إقليم المنيا في العصر البيزنطي»، وهو المرجع الذي استشهدت به سناء المصري، وفيه: «كان أسلوب الحرق والتدمير هو الأسلوب الشائع في تأديب الأقباط المصريين، ولنا أن نقيس على ما يذكره المؤرخون عن مدينة طحا في الصعيد [التي كان يسكنها في صدر الإسلام خمس عشر ألف نفس، وكلهم من المسيحيين، وبها ست وثلاثون كنيسة أغلبها تهدم في العهد الأموي، وخاصة في خلافة مروان، لرفض أهلها دفع الخراج، فطردهم عامله، ولم يعد منها إلا كنيسة مارمينا]». في حين كان البعض الآخر ثورات حقيقية كاسحة كثورة البشموريين الأولى بقيادة مينا بن بقيرة، وثورة البشموريين الثانية وثورة عام 107هجرية، وثورة عام 150 هجرية، وثورة عام 156هجرية، وثورة عام 216 هجرية، وثورة أهل شبرا سنباط. هذه الثورات الكبرى كانت تستوجب من الخليفة الاستعانة بجيوش العرب في برقة والشام وغيرها لإخمادها عنوة، وبالكثرة العددية والإفراط في التسليح.

«البقرة تحلب لأجل الخليفة» كان هذا أبلغ وصف وُصم به العرب مصر بعد فترة الفتح، ويبدو أنه ظل يتردد على لسان عدد كبير من الخلفاء إلا أن البقرة لم تكن مسالمة إلى حد كبير، ففي فصل «مائة عام من المقاومة» بدت مرحلة الانصهار بين العرب والمصريين مرحلة صعبة لم تتم بين ليلة وضحاها ولا حتى بعد مضي قرن.

كانت سناء المصري تنوي استكمال الجزء الثاني من مشروع هوامش الفتح العربي «مرحلة الانصهار» لكن لم يحالفها العمر بعدما ماتت بأزمة ربو حادة عن عمر يناهز الاثنين والأربعين عامًا، وذلك في أوج انشغالها باستكمال الدراسة التي كان من المفترض أن تتمّ على جزئين؛ الجزء الأول «حكايات الدخول» وهو المنشور بالفعل داخل كتابها. والجزء الثاني «الانصهار» لا يعد دراسة بالمعنى الحرفي لأنه يأتي داخل الكتاب في بضع ورقات كمسودة، لكن وفاء المصري استطاعت تجميعها بعد رحيل شقيقتها، لكنها بالطبع لا تعد دراسة مكتملة تكشف كيف تمت عملية الانصهار بين العرب والمصريين بعد أعوام طويلة من التنافر والثورات.

سناء المصري كانت قادرة من خلال كتابها على جعل القارئ يشترك معها في القراءة غير البريئة للتاريخ وبالتالي غير المتواطئة، فالتاريخ ليس بريئًا حتى يتمّ التعامل معه بشكل بريء.

اعلان
 
 
إيمان عادل