Define your generation here. Generation What

مقاطعة إسرائيل وسيكولوجية الحشود العربية

يُنشر هذا المقال في إطار سلسلة «نقاشات حول المقاطعة»، التي بادر بها موقع «مدى مصر» لتشجيع الكتّاب العرب على سرد آرائهم حول مقاطعة إسرائيل والتطبيع معها.
كشخص مؤيد تمامًا للقضية الفلسطينية، تصعب عليّ كتابة مقال عن مقاطعة إسرائيل خوفًا من الانسياق وراء تفاصيل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. في عالم كثيرًا ما تتلاعب به وسائل الإعلام المغرضة، من الصعب مقاومة إلحاح البدء بسرد قائمة أعمال إسرائيل الوحشية اليومية ودحض حججها الهُرائية، بدءًا من حقها في الوجود كدولة.
ففي النهاية، الصهيونية حركة استعمارية بحسب تأكيد مؤسس الصهيونية السياسية «تيودور هرتزل» نفسه.

إن شرعية المقاومة الفلسطينية بجميع الوسائل، بما فيها الكفاح المسلح، مكفولة قانونًا بالعديد من قرارات الأمم المتحدة، لكن ليست هذه النقطة التي يركز عليها هذا المقال. نقاشي موجه لهؤلاء ممن ليس لديهم أي شك في أن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي ولا أخلاقي، لكنهم يتساءلون إذا ما كانت المقاطعة العربية الشعبية مفيدة للقضية الفلسطينية.

هناك طريقتان في العموم لمقاربة مسألة مقاطعة إسرائيل: الأولى هي الانخراط في موضوع أكبر بكثير، هو الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي التاريخي، والأخرى هي تقييم الموقف في فلسطين المحتلة كما هو اليوم بالضبط. بالنسبة لأغلب العرب، لا مفرَّ تقريبًا من الالتزام بالمقاربة الأولى والنظر إلى الصراع بطريقة شاملة. تتفاقم هذه الحالة عادةً مع حقيقة أن مواقفنا في العالم العربي تجاه إسرائيل كثيرًا ما ترتبط بهوية سياسية. والمشكلة في تضمين مواقفنا نحو إسرائيل في هوياتنا السياسية هي أن هذه عملية معقدة قد تكون مضرة، باعتبار الهويات السياسية عادة ما تكون متعددة الأوجه.

في معظم البلاد العربية، لا تزال المعارضة لإسرائيل راسخة في أيديولوجيات اليسار، وهذا هو الحال منذ خمسينيات القرن العشرين، حيث يختلط دعم فلسطين بأيديولوجيات مثل العروبة. بشكل عام يري «الإخوان المسلمونً»، والإسلاميون في العموم، تحرير فلسطين كواجب ديني في جوهره، ولا يفرّق أغلبهم بين هذا وبين الهدف الأخير الخاص بإحياء الخلافة. أما من لا يزالون يدعمون معاهدات السلام التي عقدتها مصر والأردن مع إسرائيل فغالبًا ما يعتبرون أن المقاربة المتوازنة هي الأكثر ملاءمة، ويلومون كلًا من الفلسطينيين والإسرائيليين عمومًا على «العنف المستمر»، مع الالتزام بمنهج «بلدي أولاً»، وكراهية راسخة لكل من الإسلاميين واليساريين.

لسنوات، لعب الاستقرار النسبي للدول العربية تحت حكم أنظمة مختلفة دورًا في منع هذه المجموعات إحداها عن الأخرى، لكن عندما ظهر فراغ السلطة السياسية في أعقاب الانتفاضات العربية، كان من المحتم على هذه المجموعات أن تتصادم وتراجع أولوياتها السياسية.

وجد داعمو فلسطين، من ذوي الخلفيات اليسارية، موقف الإسلاميين الذين يزعمون دعم فلسطين، وفي نفس الوقت يحاولون إحياء الخلافة، غير متوافق مع مبادئهم، فاضطروا إلى التحالف مع معسكر علماني أكبر، حتى لو كان يضم هؤلاء الذين لا يبالون بفلسطين. كما اعتبر الإسلاميون، بشكل عام، موقف اليسار خيانة لثورات 2011 وتراجعًا في أحضان الديكتاتوريات العلمانية التي أطاحت بها. أما المجموعة الثالثة، الأكثر تساهلًا في الأصل مع إسرائيل، فقد هيمنت في نهاية المطاف بمنهج «بلدي أولًا».

لم يخب سعي المجموعة الثالثة أبدًا في ربط حركة حماس بالمعسكر الإسلاموي في العموم، حيث استخدم أعضاؤها حالة الرعب التي خلقها قيام «الدولة الإسلامية» ليرددوا أصداء الخطاب الإسرائيلي والغربي، وبمفادها فالتمرد الإسلامي، وليس إسرائيل، هو التهديد الوجودي الأكبر للعالم العربي.

علاوة على ذلك، فقد سلطوا الضوء على كيف أن اليسار – المُمثَّل لسبب ما الآن بالحكومة السورية – والذي طالما تفاخر بعدائه نحو إسرائيل، قد قتل أُناسًا في الحرب الأهلية السورية أكثر بكثير ممن قتلتهم إسرائيل في عقود، خاتمين طرحهم بزعم أن العداء نحو إسرائيل موروث من الديكتاتوريات اليسارية التي أساءت استعمال القضية الفلسطينية تاريخيًا كحشد قومي لتبرير القمع الداخلي.

في إطار كل هذا العداء التاريخي بين تلك الهويات السياسية المتباينة، نسيت الغالبية أن الدعم لفلسطين ينبغي ألا ينبع من هويتنا السياسية أو الطائفية، وإنما من إنسانيتنا وأخلاقياتنا، وتوقفوا عن تحليل الموقف في فلسطين كما هو اليوم.

الموقف اليوم هو أن إسرائيل محكومة بأحد أكثر الأنظمة تطرفًا وعسكرة في تاريخها، وتستمر بلا هوادة في عمليات استيلائها غير القانونية على الأرض في فلسطين. الموقف اليوم هو أن رئيس الوزراء نتنياهو قد أقسم ألا يزيل أبدًا أي «مستوطنات»، وأن الحزب الإسرائيلي الحاكم قد صوَّت على ضم الضفة الغربية رسميًا. الموقف اليوم هو أن إسرائيل مستمرة في حبس أكثر من مليوني شخص في غزة، يعيشون في ظروف كارثية، مع إشارة الأمم المتحدة مؤخرًا بأن موقفهم يزداد تدهورًا. الموقف اليوم هو أن إسرائيل لا تزال ترتكب المذابح في حق الفلسطينيين عندما يحتجون وهم عُزَّل، مع وجود أدلة قاطعة على أن قناصة الجيش الإسرائيلي يستهدفون المدنيين العُزَّل عن عمد ويحتفلون بعد قتلهم. الموقف الآن هو أن محكمة إسرائيل العليا قد صدَّقت على السلوك الإجرامي للجيش الإسرائيلي عن طريق رفضها بالإجماع الإعلان عن عدم قانونية أي لوائح تسمح للجنود الإسرائيليين بفتح النار على الفلسطينيين العُزَّل. الموقف اليوم هو أن عدد القتلى من الفلسطينيين المحتجين في مسيرة العودة الكبرى الأخيرة في مارس قد تجاوز المائة، مع ما يزيد على 12 ألف من الجرحى، أغلبهم محكوم عليهم بإصابات مدى الحياة، في مقابل جندي إسرائيل واحد «أصيب إصابة طفيفة». الموقف اليوم هو أنه من الخطأ، أو حتى من المضر، الدفاع عن فلسطين، مع الفشل في إدانة فظائع الأنظمة العربية اليسارية أو الإسلاموية، لأن دعمنا لفلسطين يجب أن يرتكز على أساس إنساني وأخلاقي محض، لا أن يكون جزءًا من إتجاهات سياسية أو معتقدات طائفية. الموقف اليوم هو أن جميع البشر ذوي الضمائر، بغض النظر عن هوياتهم السياسية أو الطائفية، ينبغي أن يُدينوا إسرائيل ويمارسوا كل ما في استطاعتهم كي يدعموا الفلسطينيين.

الآن وقد انتهينا من هذا التأسيس، دعونا ننتقل إلى السؤال الجوهري عمَّا إذا كانت مقاطعة إسرائيل هي بالفعل أداة فعّالة لإنهاء العدوان الإسرائيلي، أو على الأقل لكبحه. ينبغي فهم أنه من طبيعة البشر أنهم نادرًا ما يميلون إلى تقديم تنازلات إلا إذا كانت في مصلحتهم، وأن من طبيعة الدول ألا تقدم أي تنازلات دون إجبارها على ذلك. في عام 2005، بعد الانتفاضة الثانية، أشارت استطلاعات الرأي إلى أن حوالي 60 في المائة من يهود إسرائيل كانوا راغبين في دعم الانسحاب من الضفة الغربية كجزء من اتفاق سلام، بينما في عام 2017، لم يرغب في هذا سوى 36 في المائة فقط.
 
هذا مؤشر كبير على حقيقة أنه مع انتهاء المقاومة المسلحة واسعة النطاق، فقد الشعب الإسرائيلي دافعه لتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بالأرض، وأن السياسات العدوانية العنيدة التي يتبناها مجلس الوزراء الإسرائيلي الحالي هي تمثيل لرأي عام منتشر في إسرائيل. وبالتالي من المنطقي افتراض أنه بدون أي شيء يجبر الإسرائيليين على إعادة النظر في الموقف، سواء عن طريق المقاومة المسلحة أو السلمية، سيستمرون في انتخاب الحكومات اليمينية التي حسَّنت وضعهم الأمني ودعمها، حتى على حساب معاملة الفلسطينيين بطريقة غير إنسانية.
 
بتأمُّل ما سبق، في إطار سياق فحص حجج المقاطعة الشعبية في العالم العربي، فمن المهم ملاحظة أن استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل تشير إلى أن التطبيع مع العالم العربي هو الحافز الوحيد الذي ينظر إليه الإسرائيليون باعتباره أكثر الدوافع المشجعة على السلام مع الفلسطينيين. أما بالنسبة للزعم بأن هناك قدرًا كبيرًا من الرياء من قِبل الأفراد العرب الذين يقاطعون إسرائيل بينما دولهم تزيد في التطبيع، فتنبغي ملاحظة أن نتنياهو صرَّح مؤخرًا بأن أكبر عقبة أمام «السلام» مع الفلسطينيين اليوم ليست هي القادة العرب، بل «الرأي العام في الشارع العربي». وهذا يثبت أنه حتى إذا كانت الدول العربية تتعاون مع العدو، فإن المقاطعة الشعبية والرأي العام في العالم العربي لهما أهمية، وصحيح أنهما قد لا يتمكنان من ردع إسرائيل عن جرائمها، إلا أنهما على الأقل يعملان كقوة كابحة أمام «السلام» الإسرائيلي النهائي، والقائم، وفقًا لمؤشرات متعددة، على حرمان الفلسطينيين من كل شيء.
 
أخيرًا، بينما من غير الواقعي الاعتقاد بأن المقاطعة العربية الشعبية وحدها قد تنهي الاحتلال الإسرائيلي، فمن المنطقي أن نأمل أن هذا ممكن بواسطة المقاطعة الدولية. في السنوات الأخيرة، مال الرأي العام العالمي لمصلحة الفلسطينيين، ما أدى إلى أن حوالي ثلاثة أرباع يهود إسرائيل يشعرون أن «العالم بأكمله ضدهم».
 
لو اقترنت النجاحات المتزايدة لحركات المقاطعة الدولية بمقاطعة شعبية عربية صلبة في المستقبل، فإن هذا سيدفع بالقطع كثيرًا من الإسرائيليين إلى إعادة النظر في موقفهم، ويخلق المزيد من الحوافز لهم للسعي بجدية وراء السلام، وقد يجبرهم على انتخاب حكومة أقل تطرفًا.
 
من هنا يأتي اعتقادي بأن الأفراد العرب الذين يختارون التطبيع مع إسرائيل لا يقضون فقط على آخر أهم الحوافز الحالية للإسرائيليين للسعي بجدية وراء السلام، بل ينبغي أن يعتبروا أنفسهم مسؤولين مباشرة عن المعاناة المستمرة للفلسطينيين.
اعلان
 
 
محمد سيف النصر