Define your generation here. Generation What

المشروع الحقيقي للنظام: معاملة الشعب كطفل

في البداية ظن البعض أن الإجراءات القمعية لنظام السيسي لن تنطبق إلا على جماعة الإخوان والجماعات الإرهابية، ولكن خاب ظنهم عندما بدأت الإجراءات تتوسع لتشمل كل معارضي النظام، ثم ازداد اتساعها لتشمل الجميع تقريبًا.

أصبحنا في النهاية أمام مشروع واضح للنظام لا يقتصر على السياسة وحدها، بل يشمل الاقتصاد والفكر والصحافة والفنون والآداب العامة و العلاقة بالعالم الخارجي، وهو ما نستطيع تسميته بمشروع «إعادة تربية الشعب المصري»؛ إجراءات تعمل على إعادة تأهيل وتغيير عقلية وسلوك الشعب بأجمعه.

هذا المشروع يتبناه النظام الحاكم، بعقليته العسكرية المحافظة المتوجسة، والتي تبحث عن الصرامة في تنفيذ الأوامر دون نقاش من المحكومين.

يرى النظام الحاكم أن الشعب أفسده التدليل الذي حصل عليه منذ عام 2005، ما أدى لوصوله لقمة الفوضى وإساءة استغلال الحرية في عام 2011، من علو الصوت والإساءة للحكام وللمؤسسات والتظاهرات والاعتصامات والانفلات في حرية الرأي.

لهذا لم تقتصر إجراءات النظام على منع التظاهر وإحكام القبضة الأمنية في الشارع، بل تطورت لإعادة تربية المواطن على أسس جديدة/ قديمة يعود فيها إلى عقد الستينيات المفضل لدى النظام، إلى أن يقر المواطن، في أعماقه، بخطأ ما فعله عندما تمرد وخرج على السلطة.

أول خطوة في التربية من وجهة نظر النظام هي التخويف المُستخدَم لردع الأطفال، فعلى غرار الغول في الحكايات الخيالية، تُستخدم حروب الجيل الرابع والخامس ومصير سوريا واليمن لإخافة الشعب الذي لا يسمع الكلام: الوحوش الشريرة تتآمر علينا من الخارج ومصير الشعوب/ الأطفال العصاة مصير مخيف، ولذلك فعلى الشعب ترك السياسة وما فيها لولي الأمر الذي يعرف ويفهم أكثر.

أما الخطوة الثانية فهي إبعاد الشعب الطفل عن أصدقاء السوء الذين يفسدون أخلاقه، وهو ما ينفذه النظام بحجب أي مواقع إلكترونية قد تفسد أخلاق الشعب وتدعوه للتمرد أو الرفض، وبالسيطرة على الصحف والفضائيات لإبعاد أي شخص أو رأي قد يقوم بالتشكيك في كلام ولي الأمر.

التربية الأخلاقية مهمة كذلك

لا تقتصر إجراءات التربية على مواجهة التمرد السياسي، فلقد فسدت أخلاق هذا الشعب، من وجهة نظر النظام، مع ظهور الفضائيات والإنترنت، وبالتالي وجبت محاسبة من ينشرون الانحلال الأخلاقي، متوهمين أنه ليس هناك من يردعهم.

أخذ النظام بين الوقت والآخر في القبض على بعض المغنين وأصحاب الأغاني المصورة التي عدّها مثيرة للغرائز، وكذلك الأفلام، على غرار فيلم «حلاوة روح» وغيره، ثم توجه لإعادة تهذيب مسلسلات التليفزيون ومحاسبة صناعها عبر توقيع غرامات على الألفاظ غير اللائقة وإصدار لجان رسمية لتوصيات حول مواضيع المسلسلات وطريقة تناولها لشخصيات ومهن بعينها في المجتمع المصري. ثم وصلت محاولات فرض الأخلاق لاعتبار تصريحات ساخرة عن تلوث النيل جريمة تستوجب المحاكمة، وللتنبيه على الإعلام بوجوب ذكر الألقاب الكاملة لكل من البابا وشيخ الأزهر.

من بين أساليب أخرى، يتوجب على النظام استخدام أساليب الوعظ المباشرة وحملات التوعية حتى يعرف الشعب مصلحته التي لا يدركها، فتكرر السلطة رسائلها عبر وسائل الإعلام ولافتات الطرق ومقالات الصحف، على غرار ولي الأمر الذي يكرر تعليماته على مسامع طفله عديم الإدراك.

وتتنوع أسباب القبض على المواطن، بين كونه معارضًا أو «قليل الأدب ولسانه طويل» ولا بد من أن يكون عبرة، كما هو الابن العاق بالنسبة لبقية الأبناء، وصولًا لكل من يحاول تصوير فيديوهات في الشارع، سواء لنقل آراء الناس أو حتى للسخرية الاجتماعية، فأي نشاط غير محكوم بضوابط النظام الحاكم لا بد من تقويمه ومنعه، لأن ذلك قد يؤدي للفوضى ونشر التمرد بين الشعب.

اقتصاديًا، عصر التدليل انتهى

يرى النظام أن هذا الشعب دُلّل كثيرًا سابقًا من الناحية الاقتصادية، حتى أصبح كالطفل الكسول الذي لا يقوم بواجبه ويصر في نفس الوقت على أخذ المصروف من والده.

في البداية، ظهرت أفكار على غرار بدء مواعيد العمل في السابعة صباحًا واستخدام الدراجات في التنقل، غير أنها لم تصمد أمام التنفيذ في الواقع. لذلك تغيرت خطة النظام إلى حرمان الشعب المدلل من الامتيازات التي اعتاد عليها، والتي تتمثل في دعم المياه والكهرباء والمنتجات البترولية، وذلك بهدف إجبار الشعب على دفع القيمة الحقيقية لتلك المميزات، بهدف أن يكبر ويعتمد على نفسه بعد أن أفسده التدليل. كذلك أصبح هذا الشعب، في نظر السلطة، طفلًا مستهلكًا بإفراط، وعلينا ترشيد هذا الاستهلاك بفرض الضرائب وزيادة الجمارك، وعلى الشعب أيضًا، هو الثرثار كطفل لا يتوقف عن الكلام، دفع المزيد من الأموال حتى يستطيع التحدث في الهاتف المحمول.

ونظرًا لأهمية الأعمال الفنية في تشكيل وعي الشعب، أصبح يتوجب على النظام إنتاج الأغاني الوطنية التي تغرس الانتماء والولاء للوطن ومؤسساته الحاكمة، كما ترشد المواطن إلى ضرورة المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية عند اللزوم.

وبالنسبة للمسلسلات والأفلام، فيحولها النظام إلى وسيلة تعليمية يعرف الشعب عن طريقها أهمية احترام الجيش والشرطة وخطورة المؤامرات التي تهدد الوطن. ويجب على هذه الأعمال الابتعاد عن تقديم الصور المسيئة للوطن من بلطجة وعنف وراقصات وأغان هابطة، حيث على الفن الالتزام بأهداف النظام في التربية والتهذيب .

الإنترنت خارج السيطرة

ولكن مع كل هذا، وبعد السيطرة على الفضائيات والصحف المكتوبة، ورغم مجهودات اللجان الإلكترونية والصفحات الأمنية، ورغم حجب عدد كبير من المواقع، فلا يزال الإنترنت خارج السيطرة؛ هنا يجري إفساد الشعب، تظهر الأصوات المعارضة وينفتح الشعب على الخارج وتنتشر السخرية وأفكار التمرد.

يمثل الإنترنت بوابة على العالم في الزمن الحالي، بعيدًا عن وسائل الوصاية الأبوية وأفكار التربية الستينية العقيمة التي يفرضها النظام، وهنا يتعرف الشعب القاصر على قدراته ويتعامل مع «أصدقاء السوء» ويرى العالم دون مخاوف حروب الجيل الرابع، ويصبح جزءًا منه يطمح إلى استقلاله واعلان نضجه.

اعلان
 
 
محمد يحيى