Define your generation here. Generation What
نوستالجيات سكندرية: «سوف تطاردك المدينة».. «عندي صورة».. «نهايات سعيدة»
 
 

«نيويورك بتقتل أي حنين» جاءت بصوت على الحجار في الأغنية الرئيسية لفيلم «إسكندرية نيويورك» ( 2004) للمخرج السكندري الأشهر يوسف شاهين، الفيلم الذي تأخر أربعة عشر عامًا عن آخر أفلام ثلاثيته الذاتية؛ فيلم «إسكندرية كمان وكمان» (1990).

يربط شاهين الثلاثية، بشكل كبير، بالإسكندرية، وجاء فيلمه الرابع ليربطها بمدينة أخرى وقع المخرج في عشقها؛ نيويورك التي تقتل الحنين كمدينته الأم، الإسكندرية التى تقتل أي حنين يتغذى عليه أي مخرج أو فنان يستحلب أفكار المدينة والنوستالجيا. وربما رباعية شاهين لم تكن آخر هذا النوع من الأعمال السينمائية.

في الفيلمين المصريين الوحيدين اللذين عُرضا في الدورة الثانية لأيام القاهرة السينمائية، وبالمصادفة كانا فيلمين سكندريين، وهما فيلم «سوف تطاردك المدينة» لأحمد نبيل، وفيلم «عندي صورة» لمحمد زيدان، بالإضافة للفيلم المصري الثالث المستبعد من العرض لأسباب خارجة عن إرادة سينما «زاوية»: «نهايات سعيدة» –سكندري أيضًا-  ظهرت النوستالجيا بقوة، متولّدة من علاقة مخرجه/ مخرجته مع «المدينة» أو«السينما» أو«الثورة»، حيث تقوم أفكارهم الأساسية على الحنين لـ«الماضي الجميل»، سواء الذي تطارده المدينة في فيلم نبيل، أو الذي يطارده زيدان بنبشه في تاريخ السينما المصرية، أو الذي تطارده ندى في علاقتها الاجتماعية والعاطفية بالثورة.

نوستالجيا  المدينة: لعبة الذكريات في «سوف تطاردك المدينة»

ينطلق «سوف تطاردك المدينة» من الشعور الذي يسيطر على السكندريين (وأنا واحد منهم)، بتفرد مدينتهم عن باقي المدن المصرية، والسبب بالتأكيد ليس البحر، فهناك الكثير من المدن الساحلية، ولكن الأمر يعود لإحساسهم بتميز تاريخ المدينة، بداية من بنائها على يد الإسكندر الأكبر، وحتى التاريخ القريب أوائل القرن الماضي، عندما كانت مدينة كوزموبوليتانية تضم جاليات واسعة من اليونانيين والإيطاليين والأرمن وغيرهم، ما أثّر على شكل المباني وعمارة المدينة. من ناحية أخرى، بدأت صناعة السينما في مصر في الإسكندرية، بل كان فيها أول عرض سينمائي، في نفس عام أول عرض سينمائي عالمي في باريس.

لذا فالسكندري في حالة نوستالجيا دائمة، نوستالجيا لعصر لم يعشه ولكنه شاهد آثاره. وتكمن المفارقة في أن هذه النوستالجيا، في الواقع، هي لكل ما هو غير مصري، فهناك حنين لزمن لورنس داريل وأشعار كفافيس و العمارة التى صممها الأوروبيون.

يصنع نبيل فيلمًا من بطولة هذه «المدينة» وبالتحديد عمارتها، ورغم أن موضوع هدم المباني الأثرية واحدًا تلو الآخر على مرأى ومسمع الأجهزة المعنية ينال حظًا كبيرًا من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن نبيل تناوله بشكل مختلف من خلال ذاكرة شخصيات تعيش في الإسكندرية، ومن خلالهم وعن طريق علاقتهم معها، نبدأ في تكوين صورة عامة عما يحدث.

يبدأ الفيلم، بأسامة، وهو فنان أوريجامي يهوي جمع صور قديمة بالأبيض والأسود لأشخاص لا يعرفهم، حيث نتابعه يشاهد شروق الشمس، وهي تمرق من خلال مبانٍ مشيدة بالطوب الأحمر القبيح فقط.

عندنا أيضًا فنان تشكيلي وصانع أفلام يتتبع حياة النباتات الشتوية التي تنمو على قضبان ترام الاسكندرية (إسلام كمال)، وهناك شاعر وروائي يهرب من ذكريات طفولته في منزل والدته بعد وفاتها (علاء خالد)، وهناك  العجوز مؤسس نظام الصوت لسينما مترو في أوائل الخمسينات، والذي يعيش في نفس الشقة منذ أكثر من 50 عامًا، مؤتنسًا بالموسيقى والذكريات .

وهناك أيضًا مصور الفيلم نفسه، وعلاقته بوالده المستعد بالتضحية بكل مواعيده مقابل تصوير محل توابل قديم وعميق على حد قوله. وأخيرًا هناك مقاول هدم المبانِ، وباستثناء الأخير فالباقي شخصيات سكندرية بامتياز، تستوطن النوستالجيا في علاقتهم بالمدينة،  وتعيد إنتاجها في أفكارها عن التغيير الذي يطرأ عليها.

البحث عن هوية الفيلم

طوال مشاهدتي لفيلم «سوف تطاردك المدينة» يدور في ذهني سؤال واحد عن ما يقدمه الفيلم؟ ماهو السبب الحقيقي لدفع صانع أفلام لتقديم فيلم يمكن اختزاله ببساطة في فكرة أنه « فيلم عن عمارة الاسكندرية القديمة». هل كان دافعه الأساسي محاولة رومانسية غير مؤثرة لإنقاذ هذا التراث المعماري، ليذكرنا بصراع دكتور مفيد أبوالغار ضد المعلمة فضة المعداوي في مسلسل «الراية البيضا» حول قصر أثري ينتهي بهزيمة الفكرة الرومانسية وانتصار البيزنس، أم مجرد توثيق حيزات لشخصيات تشعر بالنوستالوجيا والانزعاج مثلها مثل صانع الفيلم ! الحقيقة لم أستطع تحديد هوية الفيلم فهي مشتتة بين كل الأفكار السابقة، ولا يوجد رابط قوي يربط بينها سوى النوستالوجيا.

من ناحية أخرى، فيلم ثيمته الأساسية عن عمارة الإسكندرية، يبشِّر بالتأكيد بصورة مميزة، وهو ما حاول صناع الفيلم تحقيقه، من خلال التركيز على جماليات المباني القديمة والقليلة المتبقية، بعد مذبحة المباني الأثرية التي شهدتها الإسكندرية في آخر ثمانية أعوام، وهو ما نجح بشكل كبير في تنفيذه مدير التصوير محمد الحديدي، بلقطات ثابتة ومقرَّبة لجماليات المباني من تماثيل وتفاصيل فنية، تميزها عن العمارة الحديثة المصمتة.

لكن هذه الهوية البصرية المميزة للفيلم، تضيع عند انتقاله لتصوير الشخصيات، لنكون أمام هوية مرتبكة، بلقطات ثابتة أحيانًا، ومتحركة أحيانًا أخرى، مع استخدام لمختلَف الكادرات الممكنة لرصد حركة الشخصيات، وهي تفعل شئ ما.

 قد يرجع ذلك الارتباك بشكل كبير إلى تباعد الفترات الزمنية، التى تم التصوير فيها، وهو ما قد يعود لتعسّر الحصول على إنتاج كافٍ لاستمرار التصوير لفترات منتظمة. بشكل عام عانت الكادرات من الفقر، فرغم تتبعها لبعض التفاصيل الصغيرة للشخصيات، كطريقة تدخين السجائر، أو الاستماع للموسيقى، وعملية تصوير النباتات، إلا أنها لم تكن غنية بالقدر الكافٍ، فمثلًا مدير التصوير، وهو يصور نفسه، يتكلم في أحد اللقطات، تغلّب على خواء الكادر بطبق من الكمثرى.

نوستالجيا السينما: الفيلم رقم 1001 في حياة كومبارس

 

تتشابه ثيمتي «المدينة» و«السينما»، في الاحتمالية العالية لكليهما، في استدرار النوستالجيا، لاعتمادهما على العلاقة الحميمية المركبة التي يصنعها الساكن مع المدينة، أو المتفرج مع السينما. تلك العلاقة، التي بمرور الوقت تصنع الذكريات، وتصبح النوستالجيا وحشًا يلتهم صاحبه،  لأنها تضفي هالة قداسة معيّنة، تقلل من احتمالية التناول الموضوعي.

«عندي صورة»، هو فيلم عن نوستالجيا مخرجه محمد زيدان لتاريخ السينما المصرية، من خلال اقتفاء أثر أحد أشهر  كومبارساتها. أو بالأحرى، كان من المفترض أن يكون كذلك، لولا ظهور كمال الحمصاني الذي خرّب أحلامه وأنقذ الفيلم.

«عندي صورة» هو الفيلم رقم 1001 في حياة أقدم كومبارس في مصر، والفيلم التسجيلي الأول لمخرجه السكندري محمد زيدان بعد فترة ليست بقصيرة عمل بها كمساعد مخرج. وخلال هذه الفترة تردد كثيرًا قبل أن يتخذ قرارًا بصناعة فيلمه الأول.

عادة ما تكون التجربة الأولى هي الأصعب للمخرج، مابين كل الأفكار والأحلام التي يريد طرحها وتحقيقها وما بين الشك في قدرته على ذلك، وهو ما أظهره زيدان بشكل واضح في فيلمه، ما يجعلنا أمام تجربة صادقة، وتعبر عن صانعها وشخصيته، بدون ادعاء أو بهرجة.

 محمد زيان مخرج سكندري مغرم بالسينما المصرية، وبتاريخها، فهو يحفظ عن ظهر قلب كل أسماء ممثليها، حتى نجوم الصف الثالث، فكان من الطبيعي أن يكون فيلمه الأول عن المهمشين في تاريخها أو كما أسماهم «ديكور إنسان الفيلم»، وهم الكومبارسات، وتحديدًا عن مطاوع عويس .

توابل الفيلم

فكرة فيلم تسجيلي عن كومبارس قد تبدو رومانسية حالمة بل ساذجة كتقرير للقناة الثانية المصرية، لكن المختلِف  هنا هو رؤية مخرج يمتزج فيها هوسه بالسينما مع نوستالجيا سكندرية أصيلة، مع شفافية في التناول، ماجعلني أشاهد فيلمًا مختلفًا، أنقذه من الوقوع في فخ العادية بطل آخر للفيلم بجوار الكومبارس  مطاوع عويس، وهو مساعد المخرج كمال الحمصاني.

كمال الحمصاني

وصف زيدان الكومبارسات بأنهم «توابل الفيلم اللي ما بيتكتبش أساميهم على التترات»، وفي «عندي صورة» كان الحمصاني هو توابل الفيلم، ولم يكتف زيدان بذلك بل جعل الحمصاني مساعدًا له، وكان ذلك بالنسبة لي هو «الفيلم»؛ علاقة جيلين مختلفين عمريًا وسينمائيًا، فالحمصاني يأتي من زمن الثمانينيات والتسعينيات، من عالم السينما التجارية بنجومها ونجماتها وكاميرات السينما، والخام، أو الهالة السحرية لـ«اللوكيشن». أما زيدان فيأتي من جيل الألفية والسينما المستقلة بكاميرتها الديجتال، التي تعاني من قلة الإنتاج، والتي تُصنع الأفلام فيها بأقل الإمكانيات الممكنة.

ما بين عالم البهرجة وعالم التقشف السينمائي، والصراع ما بين المخرج والمساعد، وبينهما الممثل الكومبارس في أول بطولة له، في فيلم لا يفهمه، جعل للفيلم نكهة خاصة، وبصمة واضحة لمخرج غارق في حب السينما.

طرق متعددة لحب السينما

«السينما نصب لذيذ» جملة حقيقية، فمن بداية شراء المشاهد للتذكرة ودخول قاعة العرض وإطفاء الأضواء، هناك اتفاق ضمني بين صناع الفيلم والمشاهد بأن ما سيحدث هو تمثيل وغير حقيقي، هو كذب بيّن، ولكنك كمشاهد سوف تنفعل به وتتأثر.

الحمصاني وزيدان كلاهما يحب السينما، ولكن بشكل مختلف، فرغم ثقافة الحمصاني السينمائية التى يتباهى بها من وقت لآخر، فقد صوّره زيدان كمن لا يهتم بالمضمون بل بالشكل والصورة، وهو ما يظهر بشكل واضح في مشهد توجيهه للمصور، لانعكاسات ضوء الشمس على العدسة، في درس يبدو ساذجًا. الحمصاني يريدُ فيلمًا منضبط بصريًا، بينما الفيلمان السكندريان، اللذان نتكلم عنهما هنا، يتعاملان بشكل مرتجل مع الصورة.

نوستالجيا الثورة: نهايات سعيدة

«وأنا كل ما اشتاق أليها أروح وأسأل عليها عليها»، و«ارحل .. ارحل» ما بين أغنية من التسعينات نسمعها في مشهد فَرَح (زفاف)، وبين هتاف ثورة يناير الشهير في شوارع الإسكندرية يبدأ فيلم «نهايات سعيدة» ليضعنا في حالة نوستالجيا مزدوجة لزمنين؛ الأول تسعينيات مبارك، حيث كانت الحياة بسيطة، لدرجة أن الحبيب لما يشتاق لحبيبته بيروح ببساطة يسأل عليها عليها، وزمن آخر نضج فيه هذا الجيل أو تخيل أنه نضج، وأخذ يهتف «ارحل ارحل» برومانسية لا يدرك تبعاتها.

أحلام كبيرة .. أحلام صغيرة

ندى رياض مخرجة سكندرية في علاقة غير مستقرة مع أيمن الأمير، الذي بدوره في علاقة غير مستقرة مع بلده. يقرر أيمن السفر وتندلع الثورة في شوارع الإسكندرية، لتختبرها ندى بمفردها بدون أيمن. نعرف هذا كله وندي في طريقها، لتقله من المطار إلى الاسكندرية، وكلها حماس لتخبره عن تجربة الثورة، وتجربة فيلمها، وأحلامها الكبيرة والصغيرة ومشاعرها التى اختبرتها في هذه التجارب.

أحلام ندى الصغيرة تقولها بوضوح وبدون خجل: ركوب العجل، تناول الآيس كريم على البحر، ركوب المراجيح. أحلام صغيرة تضافرت مع الأحلام الكبيرة بالتغيير لمجتمع أكثر تقبلًا للآخر. تحكي ندى لأيمن عن الشاب الذي قابلته يوم 28 يناير واعتذر لها عن معاكسته لها في الماضي، ويعدها بعدم تكرر الأمر مرة أخرى، فنحن في عهد جديد وزمن جديد يحترم فيه المصريون بعضهم ونفسهم قبل أي شئ آخر.

«يوم ماهتفنا (ثورة ثورة حتى النصر) كان كل واحد يقصد حاجة مختلفة» تقول ندى بعد استحضار هذه الحالة النوستالجية للأيام السحرية للثورة، ثم تبدأ في تجسيد حالة الانهيارات الأسرية والصدقات، وتفكك العلاقات بسبب اختلاف وجهات النظر، من خلال شخصيات صورتها، في فترة سفر أيمن، ومنها والدها ووالدتها اللذين شاركا في الثورة على استحياء ولكنهما يهاجمانها بشدة الآن، ويصفونها بالسذاجة والرومانسية، بل وبالتعالي، وخاصة التعالي على الأجيال السابقة. وهو ما تعترف به ندى بشكل واضح «يوم بعد يوم بحس إني كنت ساذجة قوي» بعد أن تحكي عن زيارتها لأحد مصابين الثورة الذي طلب منها ارتداء الحجاب احترامًا للمجتمع.

شفت الجنة مقدمًا.. نوستالجيا من نوع آخر

هناك شخص آخر صورته ندى، يقولها صريحة، أن الله جعله يشاهد الجنة مقدمًا، لأنه عاش في مصر في عصرها الذهبي، فمع أنه قد زار وعمل في البرازيل والمكسيك و بلاد أخرى ساحرة، إلا أنه يقر أن الجنة على الأرض كانت في مصر، ولكن قبل الثورة – ثورة 52 بالتأكيد –  هذا رجل يشعر بنوستالجيا لزمن آخر لم تختبره ندى ولا أيمن.

نهايات سعيدة أم نهايات حزينة

«أنا فشلت». رغم قسوة اعتراف صانعة الفيلم بالفشل الملموس للثورة بشكل صريح، وحتى تصريحها بفشل محاولاتها نسيان حالة نوستالجيا هذه الثورة: «ليه بفتكر الوشوش والأحداث مع إن أغلب الناس بتحاول تنسى»، ورغم تساؤلاتها البريئة «احنا كنا ممكن نعمل ايه مختلف عشان نوصل لنتيجة غير دي»، ورغم ما يوحي به عنوان الفيلم «نهايات سعيدة»، لكن دعونا نتذكر المشهد الأول بالفيلم: «أنا كل ما أشتاق اليها»، حيث يبدو أن هذه هي النهاية السعيدة الوحيدة التى اقتنصتها ندى، من زوجهاأيمن، بإقناعه بعدم مغادرة مصر مرة أخرى بالرغم من فشل الثورة. ربما كانت الأحلام الصغيرة هي الأهم بعد انهيار الأحلام الكبيرة .. ربما.

يربط فيلم ندى بين اختيار البقاء في المدينة، وبين الثورة، جاعلًا النوستالجيا في حد ذاتها قيمة هامة، حتى في حال الفشل وتغير الزمن. تقول ندى: «كل اللي شايفاه دلوقتي هو صورتي وأنا أكبر في السن وقاعدة بتفرج على الفيلم ده، وأول ما يشتغل بفتكر أنا هنا ليه».

«سوف تطاردك المدينة» و«عندي صورة» و«نهايات سعيدة» ثلاثة أفلام عن النوستالجيا، الأول عن نوستالجيا المدينة العريقة الكوزموبوليتانية، والثاني انطلق من نوستالجيا للسينما، والثالث عن نوستالجيا الثورة، والثلاثة خرجوا من من الإسكندرية المدينة المدّرة للنوستالجيا، التي ألصق شاهين، باسمها في أول أفلام سيرته الذاتية، أداة استفهام «ليه؟».

اعلان