Define your generation here. Generation What
مصر وفرنسا في ليبيا.. تباعد بين مساري حليفين
«القاهرة» تدعم حفتر في مسار موازٍ لجهود باريس الدبلوماسية ومبعوث الأمم المتحدة
 
 
 

فيما بدأ وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان أمس، الخميس، زيارة لمصر، بدا أن التنسيق على المستوى الدبلوماسي بين البلدين حول إيجاد حلول للوضع الليبي يتجه نحو التباعد.

وذكرت الخارجية الفرنسية في بيان صدر أمس، الخميس، أن الزيارة تستهدف التشديد على أهمية تنفيذ البيان السياسي الذي أُعتمد إبان المؤتمر الدولي بشأن ليبيا في باريس «تنفيذًا كاملًا وعلى وجه السرعة»، مشيرة إلى أن الزيارة جاءت بتكليف من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

 يتزامن ذلك مع استمرار العمليات العسكرية للجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر لتأكيد سيطرته على مدينة درنة، ومنطقة الهلال النفطي؛ وهي التحركات التي تدعمها مصر.

وبينما عززت فرنسا جهودها الدبلوماسية لخلق حل سياسي للحرب الليبية،عبّرت مصر عن عدم ارتياحها لأن يشمل هذا الحل شخصيات ومجموعات إسلامية بعينها.

في مايو الماضي، ترأّس إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، قمّة جمعت بين رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السرّاج، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، واللواء خليفة حفتر. وقد انتهت هذه القمة إلى إصدار بيان مشترك يلتزم بـ «وضع الأساس الدستوري للانتخابات واعتماد القوانين الانتخابية اللازمة بحلول 16 سبتمبر 2018 وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في 10 ديسمبر 2018». لكن هذا البيان لم يتطوّر ليكون اتفاقًا نهائيًا.

في الوقت نفسه، كانت القاهرة تسير في اتجاه مغاير بحسب ما قال عدد من الدبلوماسيين لـ «مدى مصر»، وذلك رغم التشابه الظاهر بين القاهرة وباريس بشأن الوضع الليبي.

وبحسب مصدر دبلوماسي أوروبي مقيم بمصر، طلب عدم ذِكر اسمه، فإن «فرنسا تعتقد أنه يمكنها المضي وحدها، في ضوء تعاونها الوثيق مع غسان سلامة (المبعوث الأممي إلى ليبيا)، إلا إن الوضع في ليبيا معقد بدرجة تتجاوز توقعات فرنسا».

وبحسب المصدر، فإن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أعرب لنظيره الفرنسي قبل قمّة باريس أن مصر «غير مرتاحة» لعقد هذا المؤتمر، مضيفًا أن مصر ترى أن باريس تبالغ في تقييمها لقدرة المبعوث الأممي على قراءة الوضع الليبي.

في الوقت نفسه، قال مصدر دبلوماسي أوروبي في القاهرة إن مصر تلوم سلامة صراحة على الجهد الفرنسي، وتعتبر أن المبعوث الأممي يحيد عن طبيعة مهمته، وذلك بسبب التقارب الكبير جدًا مع فرنسا، بل  تتحدث «القاهرة» عن أن هناك حاجة لمبعوث أممي جديد، بحسب الدبلوماسي الأوروبي.

كما قال أحد معاوني غسان سلامة لـ «مدى مصر» إن القاهرة أبلغت المبعوث الأممي أنها تقوم بدور موازٍ لما تحاول الأمم المتحدة القيام به.

وبحسب الدبلوماسي المصري، فإن التعليقات التي أرسلها السيسي لماكرون قُبيل القمة الليبية توضح أسباب القلق المصري من دور سلامة في ليبيا. إذ قال المصدر إن تعليقات السيسي ركزت على دعوة أطراف إسلامية مدعومة من تركيا وقطر للمؤتمر، وكان الموقف المصري عادةً لا يمانع إشراك هذه الأطراف في المفاوضات، مع الحرص على ألا يساعدهم ذلك في الوصول للسلطة.

جاءت تعليقات السيسي في سياق الموقف المصري، الذي يلخصه الدبلوماسي المصري في شقين؛ أولهما دعم جهود حفتر بمختلف الطرق، وثانيهما، محاولة بناء كيان سياسي لا يستثني الإسلاميين بالكامل.

بينما شكك مساعد غسان سلامة في إمكانية تحقيق الأجندة المصرية على الأرض، وأوضح: «القاهرة تصرّ على توحيد جميع الفصائل تحت مظلة حفتر. وفي الحقيقة مصر لا تستطيع أن تستبدل العملية السياسية التي تشمل جزءًا أوسع من الإسلاميين».

كما أن موقف مصر من الإسلاميين  في ليبيا مُعقّد، فقد سبق وأن حصل حفتر على دعم قوات من «الجماعة الدينية المدخلية»، المدعومة من المملكة العربية السعودية، وذلك من أجل تعزيز وجوده العسكري في مناطق رئيسية من بنغازي، وأجدابيا (بالقرب من الهلال النفطي)، والجبل الأخضر إلى جنوب البلاد.  ورغم ذلك استمر دعم مصر لحفتر.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، كانت الاشتباكات المسلحة تتفاقم في خليج سدرة، وذلك في صراع بين الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر من جهة، ولواء الدفاع عن بنغازي وقوات حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم الجضران من جهة أُخرى.

الهدف من الاشتباكات؛ إحكام السيطرة على المنشآت النفطية، خاصة مع استعادة الجيش الوطني السيطرة على محطات النفط الأساسية، وذلك مع إعلان المتحدث باسم قوات حفتر نيّة الجيش السيطرة على كافة المنشآت وصولًا إلى شركة النفط الوطنية في بنغازي.

وقال ضابط رفيع المستوى في الجيش الوطني الليبي، مُطَّلِع على العمليات العسكرية في منطقة الهلال النفطي، لـ «مدى مصر»، طلب عدم ذكر اسمه، إن قوات حفتر، بدعم من القوات الجوية المصرية، نفذت غارات جوية في منتصف يونيو الجاري لاستعادة المحطات الاستراتيجية للنفط بعد أن سيطرت قوات لواء الدفاع عن بنغازي وقوات حرس المنشآت النفطية على محطتي النفط في رأس لانوف، وسدرة، في 14 يونيو الجاري.

وقاد الجضران الحصار لمدة ثلاث سنوات من عام 2013 حتى عام 2016 على محطات نفط الهلال وحاول بيع النفط بشكل مستقل عن الحكومة، إلى أن سيطر «ائتلاف حفتر»، على الموانئ في سبتمبر 2016.

ليست هذه أول مرة تدعم فيها مصر حفتر ميدانيًا. وكانت مصادر مصرية قد قالت لـ «مدى مصر»، في وقت سابق، إن القوات الجوية المصرية قامت بغارات جوية على مدينة درنة المحاصرة شرقي ليبيا، في أكتوبر 2017، وهي ذات المدينة التي اتخذها الجهاديين الإسلاميين كقاعدة لهم.

وبحسب جلال حرشاوي، الباحث في جامعة باريس 8، فإن محطات النفط تعتبر من مصادر الدعم الإستراتيجية الرئيسية لحفتر التي تمكنه من أن يثبت لداعميه الدوليين أنه قادر على الحفاظ على تدفق النفط دون انقطاع.

ويوضح حرشاوي أن أحد أعظم إنجازات حفتر في السنوات الأربعة منذ اندلاع الحرب الأهلية الليبية هو «الأسلوب السلس نسبيًا، الخالي من العنف، الذي تمكن به الجيش الوطني الليبي من استعادة محطات نفط الهلال من سيطرة ابراهيم الجضران في منتصف سبتمبر 2016».

وبعد فترة وجيزة من سيطرته على محطات النفط، أعلن حفتر أن جميع عائدات النفط ستذهب إلى بنك ليبيا المركزي، ومقر طرابلس، كما كلّف «المؤسسة الوطنية للنفط»، وتقع بالمدينة نفسها، بمهمة الإشراف على إنتاج النفط.

وبحسب حرشاوي، فإن «الكثير من الشرعية الدولية التي يتمتع بها حفتر اليوم تنبع اليوم من هذا الإنجاز الرئيسي»، ويضيف أن اهتمام مصر يرجع لتخوفها من إمكانية فقدان السياق الذي يضع حفتر على رأس جيش ليبي قوي، والدفاع عن محطات النفط، التي هي بمثابة أصول  أساسية استراتيجية. ويوضح: «لا تملك الأطراف الدولية الداعمة للقادة الليبيين رفاهية أن تسمح لضعفه العسكري أن يظهر أمام العالم بأكمله».

وفي 25 يونيو الجاري، قررت القيادة العامة للجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، السيطرة على محطات النفط لتُدار من قِبل مؤسسة النفط بشرق ليبيا، وذلك بدلًا من «المؤسسة الوطنية للنفط»، فضلًا عن إدارة الحكومة المؤقتة لعائدات النفط، وذلك بخلاف الوضع الذي كان قائمًا منذ سبتمبر 2016.

وقد رفضت المؤسسة الوطنية للنفط تحركات حفتر، واعتبرتها «تجاوزًا لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والقانون الليبي، وقانون العقوبات»، بحسب بيان، صدر الإثنين الماضي.

وبحسب حرشاوي، فإن «هذا التحرك يسير عكس توجه السياسة الفرنسية».

وعقب هذا القرار، أصدرت حكومة فرنسا، إلى جانب إيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، بيانًا مُشتركًا، مساء الأربعاء، عبروا فيه عن «قلقهم العميق» بشأن نقل حقول النفط إلى «سيطرة كيان آخر غير الكيان الشرعي المتمثل في الشركة الوطنية للنفط في بنغازي» . كما أدان المجلس الرئاسي لحكومة التوافق الوطني  هذه الخطوة، في بيان أصدره الثلاثاء الماضي.

فيما قال حرشاوي إن «فرنسا بالتأكيد لا تؤيد هذا النوع من التلاعب.. يبدو أن الدبلوماسيين الفرنسيين يفقدون سيطرتهم على ما يسعى حفتر إلى تحقيقه بتلك الخطوة». وأضاف: «على النقيض من ذلك، فإن الإمارات ومصر قادرتان تمامًا على تشجيع هذه الديناميكية» ، ويفسر هذا التحرك على المستوى المحلي بأنه محاولة لإرضاء الانفصاليين في الجزء الشرقي من البلاد.

لكن حرشاوي اعتبر أن قرار حفتر بشأن السيطرة على محطات النفط قد يكون علامة على موقف متغير من قمة باريس، وأضاف الباحث موضحًا: «لعبة الانتخابات التي تسعى فرنسا إليها لن تناسب حفتر، إلا إذا كان يعتقد أن لديه فرصة للسيطرة على طرابلس عبر مزيج من المفاوضات واستخدام القوة».

وبحسب حرشاوي، فإن ثقة حفتر في إمكانية الدخول إلى طرابلس قد تكون اهتزت بعض الشيء خلال الأيام القليلة التي تلت «قتال الهلال النفطي»، ويقول: «في هذه الحالة، فإن الطريقة الوحيدة لإيذاء ومعاقبة حكومة التوافق الوطني في طرابلس هي القيام بهذا النوع من التحرك».

بالتزامن مع سيطرة الجيش الوطني الليبي على محطات الهلال النفطي، نشرت مجلة «الأهرام العربي»  الأسبوعية المملوكة لمصر، مقابلة مع خليفة حفتر، والذي أكد على التزامه بالعملية الانتخابية التي تمّ تحديدها في قمة باريس، والتي حُدد ديسمبر المقبل موعدًا لإجرائها.

فيما انتقد حفتر أيضًا الوضع الأمني في طرابلس، حيث مقر حكومة التوافق الوطني، فقال بالمقابلة نفسها: «لا تزال قضية طرابلس والوضع الأمني هناك مصدر قلق الليبيين والمجتمع الدولي. والتنسيق المحلي والإقليمي والدولي مستمر للتعامل مع الوضع».

وبحسب حرشاوي، فإن خطوات قائد «الجيش الوطني» على الأرض تعتبر «دليلًا على أنه لا يعتقد بأن انتخابات حقيقية وصالحة وسلمية سوف تجري بحلول نهاية العام»، وأضاف الباحث موضحًا: «لو أن حفتر يؤمن بأن هناك أي فرصة لإجراء انتخابات وطنية سلمية بحلول يوم 10 ديسمبر 2018، لكان امتنع عن أن يقوم وحده بإغضاب المؤسسات الاقتصادية الأساسية في ليبيا كدولة».

ومع نهاية العام الماضي، بدا أن الاتفاقية السياسية بشأن ليبيا، الموقّعة في منتجع الصخيرات بالمغرب عام 2015، تركت الحرب الأهلية الليبية دون مسار واضح.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان 
شريفة معتز