Define your generation here. Generation What
قوانين الصحافة والإعلام الجديدة: فك وتركيب لمزيد من السيطرة
 
 

في جلسة 6 مايو الماضي، سأل رئيس مجلس النواب علي عبد العال، أسامة هيكل، رئيس لجنة الثقافة والإعلام، عن مصير مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام، ورد عليه هيكل بأنه بنهاية الأسبوع سيكون مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام أمام رئيس البرلمان. ولكن في 10 يونيو الجاري، بدلًا من أن يحيل هيكل إلى الجلسة العامة للبرلمان قانون واحد لتنظيم الصحافة والإعلام، أحال ثلاث مشروعات قوانين.

ويوم الثلاثاء 12 يونيو، وافق البرلمان على إصدار القوانين الثلاث، كما وافق على مقترح هيكل بإلغاء قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، الذي أقره البرلمان في ديسمبر 2016، وأصدره الرئيس عبدالفتاح السيسي في الشهر نفسه، وشكل بموجبه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام.

القوانين الثلاثة الجديدة هي «تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، و«الهيئة الوطنية للصحافة»، و«الهيئة الوطنية للإعلام».

أثارت هذه التطورات جدلًا كانت بدايته مع إحالة الحكومة في 12 ديسمبر 2016 مشروع قانون الصحافة والإعلام الموحد إلى مجلس النواب، حيث طالبت لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان وقتها تقسيم القانون الموحد إلى قانونين، الأول لتشكيل المجلس والهيئتين الذين استحدثها الدستور، «المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام»، كبديل عن وزارة الإعلام والمجلس الأعلى للصحافة واتحاد الإذاعة والتليفزيون، والثاني لتنظيم مهنة الصحافة والإعلام.

وفي المقابل اعترضت نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة وعدد من أعضاء اللجنة التي شاركت  في إعداد مشروع القانون الموحد على التقسيم، غير أن رئيس البرلمان انحاز إلى رأي لجنة الثقافة والإعلام بحجة أن الدستور اشترط موافقة المؤسسات الصحفية والإعلامية على القوانين المرتبطة بعملها، ما يتطلب تشكيل المؤسسات، ثم أخذ رأيها في قانون تنظيم المهنة، وهو ما تبعه موافقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضائه، في 14 ديسمبر 2016 على إصدار القانون الأول، على وعد بأن يتبعه القانون الثاني في غضون شهر من تشكيل تلك المجالس.

وبعد مرور عام ونصف من الموافقة على القانون الأول، بدلًا من أن يقر البرلمان القانون الثاني، فاجئ هيكل الجميع بالتراجع عن القرار الذي اتخذه البرلمان بتقسيم مشروع قانون الصحافة والإعلام الموحد إلى قانونين، وبتقديم رؤية ثانية للتعامل مع مشروع القانون الموحد، تقوم على تقسيمه إلى ثلاثة قوانين. جاء ذلك مثيرًا لتساؤلات حول أسباب تغيير مسار تقنين وتنظيم المهنة وارتباط ذلك باختصاصات جديدة ضمها القانون للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ومصير المجالس التي تم تأسيسها بالفعل.

اختصاصات جديدة.. وأخرى متضاربة

تقول النائبة جليلة عثمان إنها فوجئت بمطالبة النائب هيكل للبرلمان بالموافقة على ثلاث مشروعات قوانين، بدلًا من قانون تنظيم الصحافة والإعلام المنتظر. وتضيف عثمان لـ «مدى مصر» أنها حضرت جميع  اجتماعات لجنة الثقافة والإعلام المخصصة لمناقشة مشروع القانون حتى بداية شهر أبريل الماضي، وكانت اللجنة وقتها تناقش مواد مشروع قانون تنظيم المهنة فقط، ثم تغيبت عن حضور اللجنة لانشغالها بمتابعة انتخابات النقابات العمالية، لتفاجئ بمطالبة هيكل للبرلمان بإلغاء قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، وقوانين تنظيم الصحافة والإعلام من جديد.

على الجانب الآخر، تحدد لجنة الثقافة والإعلام في تقريرها الذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه، أسباب مطالبتها بإصدار قانون يجمع بين قواعد تنظيم مهنة الصحافة والإعلام وبين تشكيل واختصاصات المجلس الأعلى للإعلام، في وجود فجوات عملية ظهرت نتيجة للتطور التكنولوجي السريع والمتلاحق في وسائل الإعلام والصحافة ووسائل التواصل المجتمعي.

ويقول النائب نادر عبد القادر، أمين سر لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان، إن اللجنة عندما اقترحت في ديسمبر 2016 تقسيم مشروع قانون الصحافة والإعلام الموحد، كان بناءً على توصية قسم التشريع بمجلس الدولة بضرورة تشكيل المؤسسات أولًا ثم أخذ رأيها في قانون تنظيم المهنة.

ويضيف أنه بعد تشكيل المجلس الأعلى للإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام، ظهر نوع من أنوع تضارب الاختصاصات، ووجدت اللجنة أنه من الأحوط أن نجمع المواد الخاصة بكل جهة من الجهات الثلاثة في قانون مستقل، أي قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، حتى لا تتداخل الاختصاصات.

ويوضح عبد القادر أن مشروعات القوانين الثلاثة هي: «قانون واحد بثلاثة أوجه» كما أطلق عليها وزير شؤون مجلس النواب عمر مروان، مضيفًا أن التقسيم هو جهد تنظيمي قامت به اللجنة، ولم يغير في محتوى المواد المتفق عليها من قبل المؤسسات الإعلامية والصحفية، وتكمن أهميته في أنه يمنع أي هيئة من الهيئات من التغول على صلاحيات الأخرى، أو يكون هناك تداخل بين اختصاصات المجلس الأعلى وأيًا من الهيئتين.

النائب جلال عوارة، وكيل لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان، على الجانب الآخر يقول إن تقسيم مشروع القانون الموحد في البداية إلى قانونين، كان استجابة للدستور، الذي اشترط موافقة الهيئات والمؤسسات الإعلامية على مشاريع القوانين المتعلقة بها قبل إصدارها، وتقسيمه إلى ثلاثة قوانين الآن فرضته الضرورة.

ويضيف عوارة لـ «مدى مصر» أن التطبيق العملي كشف عن ضرورة وجود مجلس أعلى للإعلام يضع استراتيجية الدولة المصرية في الإعلام، ومتابعة تنفيذها، لأنه بنص الدستور المجلس هو المسؤول عن  حماية المجتمع، وحماية المتلقي، وحماية المهنة، ومن ثم لابد أن يسأل المجلس الهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام عن أعمالها.

ويوضح عوارة أن التقسيم يجري حتى لا تتحول كل هيئة إلى «عزبة» تعمل دون رقابة، إلى جانب دوره في تنظيم عمل الوسائل الصحفية والإعلامية الخاصة، خاصة أن الفترة السابقة لم تشهد أي دور للمجلس في مساءلة الهيئة الوطنية للصحافة عن خططها لزيادة التوزيع بالنسبة للإصدارات الصحفية المملوكة للدولة، ولا للهيئة الوطنية للإعلام عن تطوير محتوى ما يقدمه التليفزيون المصري وأسباب عدم منافسته للإعلام الخاص، ما يؤكد أن التقسيم الجديد جاء ليتولى المجلس الأعلى للإعلام دوره في ضبط المشهد الصحفي والإعلامي في مصر بما يتماشى مع رؤية الدولة المصرية، حسب النائب.

ويلفت عوارة إلى أنه منذ عرض مشروع القانون الموحد على اللجنة عام 2016، كان يرى ضرورة إعداد البرلمان لمشروعات قوانين جديدة للصحافة والإعلام وإجراء حوار مجتمعي حولها، خاصة أن فكرة وجود قانون واحد يجمع الأحكام المتعلقة بالصحافة والإعلام، غير دستورية، لكن غالبية أعضاء اللجنة رفضوا المقترح، وتمسكوا بمشروع القانون الموحد، لأن الجماعة الصحفية والإعلامية توافقت على نصوصه.

ويوضح عوارة أن القوانين الثلاث التي أقرها البرلمان مؤخرًا، غالبية موادها مستمدة من المشروع الموحد، كما أن البرلمان استطلع بشأنها رأي المؤسسات الصحفية والإعلامية جميعها، بما فيها التي شُكلت بموجب قانون التنظيم المؤسسي، تنفيذًا للدستور.  

وينص الدستور في مواده «211» و«212» و«213» على أخذ رأي كل من المجلس الأعلى للإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام في مشروعات القوانين، واللوائح المتعلقة بمجال عملها.

في المقابل، يقول كارم محمود، سكرتير عام نقابة الصحفيين السابق وعضو اللجنة الوطنية للتشريعات الإعلامية التي أعدت مشروع قانون الصحافة والإعلام الموحد، إن هناك اختلاف بين مشروعات القوانين التي وافق عليها البرلمان، ومشروع القانون الذي شارك في إعداده، مضيفًا لـ «مدى مصر» أن مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي وافق عليه البرلمان أعطى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام صلاحيات جديدة، تتجاوز مهنة الصحافة والإعلام إلى مصادرة المجال العام وتقييد الحريات بشكل عام.

من جانبه، يؤكد عبد القادر أن اللجنة لم تستحدث مواد جديدة غير التي عُرضت على المؤسسات الإعلامية، موضحًا أن التعديلات التي أدخلتها اللجنة على مواد مشروع القانون الموحد ترتبط بالتطور الذي شهدته البلاد منذ وقت إعداد القانون الموحد قبل ثلاث سنوات إلى الآن.

ويضرب عبد القادر المثل بالمادة الخاصة برأس مال الشركة التي تُنشأ قناة تليفزيونية، مضيفًا أنه في عام 2016 نص مشروع القانون على أن تكون 25 مليون جنيه، ولكن بعد تحرير سعر الصرف اقترح المشروع الحالي أن تكون 50 مليون جنيه، وهو مبلغ زهيد إذا عرفنا أن أجر عمرو أديب مثلًا الآن 50 مليون جنيه.

كما يشير أمين سر لجنة الثقافة والإعلام كذلك إلى المواد الخاصة بتشكيل كلا من المجلس الأعلى للإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام من 9 أعضاء بدلًا من 13، موضحًا أن تعديلها جاء تماشيًا مع المطبق في الكثير من دول العالم.

حجب المواقع بدأ قبل القانون

وهو ما يختلف معه محمود، موضحًا أنه بخلاف رؤوس الأموال الخاصة بالمؤسسات الإعلامية، أعطى القانون صلاحيات جديدة للمجلس الأعلى للإعلام في حجب المواقع الإلكترونية، مدللًا بأن مشروع القانون الموحد الذي شارك في إعداده لم يمنح للمجلس سلطة فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام حتى في زمن الحرب.

ويوضح محمود أن المادة الثالثة من القانون 3 «استثناءً»، فقد أجازت فرض رقابة فى زمن الحرب، أو حال التعبئة العامة، على أن يكون بأمر من النيابة العامة، بناء على طلب الجهة الإدارية المختصة بالتحفظ على نسخ الصحيفة الورقية، أو حذف المادة المخالفة لتعليمات الرقابة في حالة نشرها في صحيفة إلكترونية، أو وقف إعادة بثها في الوسيلة الإعلامية، على أن تعرض النيابة الأمر على الدائرة المختصة في محكمة الاستئناف التي يتبعها المركز الرئيسي للصحيفة أو الوسيلة الإعلامية، وذلك خلال 24 ساعة من صدور قرارها لتأييده من المحكمة في حالة صلته بالسبب الذي أعلنت من أجله حالة الحرب، أو حالة التعبئة العامة، أو إلغائه.

ويضيف سكرتير عام نقابة الصحفيين السابق، أن مشروع القانون الجديد استبدل المجلس الأعلى للإعلام بالنيابة العامة، وأجاز للمجلس في المادة الثالثة منه في زمن الحرب أو التعبئة العامة، أن يصدر قرارًا بضبط نسخ الصحيفة الورقية أوحذف أو حجب المادة المخالفة لتعليمات الرقابة في حالة نشرها في صحيفة إلكترونية، أو موقع إلكتروني أو وقف إعادة بثها في الوسيلة الإعلامية، على أن يكون لذوي الشأن الطعن على القرار الصادر بذلك أمام محكمة القضاء الإداري.

ويؤكد محمود أن مشروع القانون الموحد الذي شارك في إعداده لم يعرف عقوبة الحجب، واكتفى بفرض غرامات مالية، بينما اعتبر مشروع القانون الذي أعدته لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان، الحجب عقوبة أساسية، ففي الوقت الذي عاقب مشروع القانون الموحد الوسيلة الصحفية، أو المؤسسة الإعلامية، أو الموقع الإلكتروني على المخالفات المتعلقة بالترخيص بفرض غرامة مالية لا تقل عن مليون جنيه ولا تزيد عن مليونى جنيه، فضلًا عن إلغاء الترخيص، تضمن مشروع القانون الجديد، إلى جانب هاتين العقوبتين، عقوبة حجب الموقع.

ويستحدث مشروع القانون، بحسب محمود، نصًا يلزم أي شخص أو جهة تريد تأسيس موقع إلكتروني، حتى ولو كان محتواها لا يندرج ضمن النشاط الصحفي أو الإعلامي، بالحصول على ترخيص من المجلس الأعلى للإعلام.

تضمن مشروع القانون لأول مرة في تاريخ التشريعات المصرية آلية قانونية للتعامل مع المواقع الإلكترونية، التي عرفها بأنها «الصفحة أو الرابط أو التطبيق الإلكتروني المرخص له والذي يقدم من خلاله محتوى صحفي أو إعلامي أو إعلاني أيًا كان نصيًا أو سمعيًا أو مرئيًا ثابتًا أو متحركًا أو متعدد الوسائط، ويصدر باسم معين وله عنوان ونطاق إلكتروني محدد، وينشأ أو يستضاف أو يتم النفاذ إليه من خلال شبكة المعلومات الدولية».

من جانبه، يقول أحمد خير، مدير مركز دعم تقنية المعلومات، إن جميع مواد مشروع القانون المتعلقة بالمواقع الإلكترونية تحتاج إلى إعادة صياغة من قبل متخصصين في تكنولوجيا المعلومات، لافتًا إلى أن المشروع استخدم تعريف واسع جدا للموقع الإلكتروني، بما يجعل أي صفحة أو حساب شخصي على فيسبوك أو تويتر أو يوتيوب
أو غيرها موقعًا إلكترونيًا يخضع لسلطة المجلس الأعلى للإعلام.

كما يضيف لـ «مدى مصر» أن المادة السادسة من قانون «تنظيم الصحافة والإعلام» الذي وافق عليه البرلمان، أعطت للمجلس سلطات واسعة في الترخيص والحجب ووقف النشاط لأي موقع إلكتروني، بغض النظر عن المحتوى الذي يقدمه، فإذا قام صاحب مطعم كشري مثلًا بعمل صفحة إلكترونية على فيسبوك للترويج لمطعمه، فبموجب القانون لا بد من أخذ تصريح من المجلس، ويجوز للمجلس حجب الصفحة أو وقف نشاطها.

«مشروع القانون الجديد لم يوحد إجراءات الترخيص والتصريح للمواقع الإلكترونية التي تبث محتوى صحفي، والمواقع التي تبث محتوى إعلامي»، حسب الدكتور محمد سمير، أستاذ النظم السياسية والقانون الدستوري، الذي يوضح أنه فيما يتعلق بالمواقع التي تبث محتوى صحفي اشترط المشروع، في المادة 34، لتأسيسها أن يكون رأسمالها  100 ألف جنيه، أما المواقع الإلكترونية التي تبث محتوى إعلامي، فاشترط في المادة 53 منه ألا يقل رأس مال الشركة المرخص به عن 2.5 مليون جنيه للمحطة أو القناة التليفزيونية الرقمية على الموقع الإلكتروني، كما اشترط في المادة 59 أن يؤدي الراغبون في إنشاء أو تشغيل موقع إلكتروني إلى المجلس الأعلى رسم لا يتجاوز 50 ألف جنيه، دون تحديد موقف المواقع الإلكترونية الصحفية من هذا الرسم.

ويشير خير كذلك إلى أن مشروع القانون لم يضع أي ضوابط لتنظيم عمل المواقع الإلكترونية في الواقع، حيث لم يفرق بين الموقع الإلكتروني الذي يقدم محتوى صحفي مكتوب، والذي يقدم محتوى مكتوب ومرئي في نفس الوقت، كما تجاهل تحديد الوضع القانوني للموقع الصادر عن مؤسسة صحفية لها إصدارات ورقية، وكذلك التابع لوسيلة إعلامية مرئية أو مسموعة، فلم يحدد إذا كان مطلوب مثلًا من الموقع الإلكتروني الذي يقدم  محتوى مكتوب أن يأخذ تصريح من المجلس، وإذا تضمن هذا المحتوى فيديو أو بث مباشر، فهل يكون عليه أن يأخذ تصريح آخر.

وكذلك يتساءل خير عن وضع الوسيلة الإعلامية التي ستحصل على ترخيص من المجلس الأعلى، هل مطلوب منها أن تحصل على ترخيص آخر إذا أنشأت موقعًا إلكترونيًا تعيد إذاعة برامجها فيه أو تروج لها من خلاله.

ويفسر مدير مركز دعم لتقنية المعلومات الأمر بعدم فهم معدي القانون لطبيعة عمل المواقع الإلكترونية أو رغبتهم في تحدي التكنولوجيا والعودة للوراء.

ويضيف سمير لـ «مدى مصر» أن مشروع القانون تجاهل تحديد آلية توفيق أوضاع المواقع الإلكترونية الموجودة قبل صدور القانون، ما يعطي للمجلس الأعلى سلطات غير مقيدة تجاه تلك المواقع، مضيفًا أن المادة 42 من مشروع القانون تحدثت عن الصحف القائمة قبل صدور القانون، وحددت شروط الترخيص لها بممارسة النشاط الصحفي، ولكنها تجاهلت ذكر أي ضوابط خاصة بالموقع الإلكتروني.

وبخلاف المواد المتعلقة بتنظيم المواقع الإلكترونية؛ يعتبر أستاذ النظم السياسية والقانون الدستوري، أن المادة 19 تعد من أخطر مواد القانون الذي وافق عليه البرلمان مؤخرًا، موضحًا أنه بموجب تلك المادة المستحدثة، يخضع مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام الأخير، المواطنين غير المشتغلين بالصحافة والإعلام لسلطاته، بما يشبه تطبيق قانون نقابة الأطباء على غير الأطباء.

فبينما تنص المادة الأولى من مواد إصدار مشروع القانون الجديد على أن «تسري أحكامه على جميع الكيانات والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية وفقًا لأحكام القانون المرافق، ويستثنى من ذلك الموقع أو الوسيلة والحساب الإلكتروني الشخصي». غير أن المادة 19 من القانون تضمنت «استثناء من حكم المادة الأولى من مواد إصدار هذا القانون، يلتزم بأحكام هذه المادة أي موقع إلكتروني شخصي، أو مدونة إلكترونية شخصية، أو حساب  إلكترونى شخصى يبلغ عدد متابعيه 5000 متابع أو أكثر. ومع عدم الإخلال بالمسؤولية القانونية المترتبة على مخالفة أحكام هذه المادة يجب على المجلس الأعلى اتخاذ الإجراء المناسب حيال المخالفة وله في سبيل ذلك، وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه».

ويفسر سمير إنه بموجب هذا الاستثناء، يحق للمجلس الأعلى للإعلام فور صدور القانون أن يخضع كل من لديهم صفحات شخصية أو حساب شخصي على أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي للضوابط والعقوبات التي تضمنها القانون طالما كان لديهم 5000 متابع على الأقل، أي أن القانون، سيسري على من يطلق عليهم social influencer بغض النظر عن مهنتهم أو أي صفة أخرى.

ويوضح سمير أن للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة مراقبة المحتوى المنشور عليها واتخاذ الإجراءات القانونية بما فيها الحجب أو الوقف للحساب الشخصي، حسب أستاذ النظم السياسية والقانون الدستوري.

ويلفت سمير إلى أن مشروع القانون أعطى للمجلس الأعلى صلاحيات تتجاوز الهدف الذي أعد من أجله لتنظيم مهنة الصحافة والإعلام، موضحًا أنه بموجبه يصبح للمجلس سلطة على العامة.

ويؤكد سمير أن الأوقع أن يكون تنظيم محتوى واستخدام الفضاء الإلكتروني في قانون آخر، بحيث تكون فيه سلطة اتخاذ تلك الإجراءات على الحسابات الشخصية للأشخاص من غير الصحفيين والإعلاميين، للقضاء وللمحكمة المختصة لا للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

وهو ما يتفق معه مدير مركز دعم لتقنية المعلومات، واصفًا المادة 19 من مشروع القانون كأنها تطبيق لقانون تنظيم الاجتماعات المعروف بـ «التظاهر» على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وتصادر حق المواطنين في التواصل والحصول على المعلومة من خلال شخص ما، بما يعد  تعدي على مساحة الحرية الشخصية للمواطنين.

ويشير خير إلى تضمن مشروع القانون كثير من المخالفات الدستورية، حيث أعادت المادة 29 الحبس الاحتياطي في جرائم النشر والعلانية، وربط المشروع بين الحبس وبين ارتكاب جرائم غير محددة مثل «التحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو… ».

الجماعة الصحفية والقوانين الجديدة

يلفت عبد القادر إلى أن تقسيم القانون جاء بعد أن شاركت كافة الجهات المعنية في إعداد مواد المشروع والموافقة عليه، مضيفًا أن اللجنة عرضت مواد مشروع القانون قبل تقسيمه على نقابة الصحفيين، والهيئة الوطنية للإعلام، ونقابة الإعلاميين، وغرفة صناعة الإعلام، والعديد من المؤسسات التي فرضها الدستور، والتي لم يفرضها.

وبحسب التقرير الذي أوضحت فيه لجنة الثقافة والإعلام بالبرلمان الإجراءات التي اتخذتها اللجنة قبل مناقشة القانون، خاطب البرلمان تسعة جهات هي: «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ونقابة الصحفيين، ونقابة الإعلاميين، وغرفة صناعة الإعلام، وجهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وقطاع التشريع بوزارة العدل» لتقديم مقترحاتهم وملاحظاتهم حول مشروع القانون.

وردت الجهات التسعة على البرلمان بإرسال ملاحظاتها والمواد التي تريد تعديلها في مشروع القانون، لكن اللجنة لم تستجب كليًا سوى لرأي  قطاع التشريع بوزارة العدل حول أربع مواد، تتعلق بعدم إمكانية الجمع بين ملكية صحيفة يومية والمساهمة في صحيفة يومية أخرى، وبالشروط الواجب توافرها في مالك الوسيلة الإعلامية، والمادة المتعلقة باستثناء المؤسسات الإعلامية العامة المملوكة للدولة من قيمة رأس المال المحددة لإنشاء قناة تليفزيونية أوغيرها، إضافة إلى النص المرتبط بعدم جواز تملك الشركة لأكثر من سبع قنوات تليفزيونية، وهو الرأي الذي جاء متفقًا مع  رؤية اللجنة لتلك النصوص.

ويفيد التقرير أن اللجنة اطمأنت إلى رأي «تشريع وزارة العدل» واستحسنته وعملت بمقتضاه، وبالمقابل يذكر التقرير فيما يتعلق بملاحظات نقابة الصحفيين، إن النقابة طالبت بتعديل 16 مادة بمشروع القانون، «قررت اللجنة عدم الأخذ بالكثير منها»، حسب التقرير.

مشروعات قوانين الصحافة والإعلام الثلاث التي تنتظر رأي مجلس الدولة يتوافر فيها «شبهات عدم الدستورية» حسب مصدر قضائي بمجلس الدولة، الذي أضاف لـ «مدى مصر» أن المشاريع التي أقرها البرلمان فرقت بين أصحاب المراكز المتساوية، ووضعت ضوابط للصحفي الذي يعمل في مؤسسة صحفية قومية، وضوابط أخرى للصحفي الذي يعمل في مؤسسة صحفية خاصة، بدلًا من وضع قواعد لتنظيم مهنة الصحافة تطبق على جميع الصحفيين.

ويشير نائب لرئيس مجلس الدولة، فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن مشروعات القوانين لم تراع تنظيم المهنة بنفس القدر الذي راعت فيه وضع مواد فضفاضة، تطبيقها يكرس الوضع الحالي من التضييق على الصحفيين والإعلاميين، وحبسهم بموجب مصطلحات مطاطة مثل «مقتضيات الأمن القومي، والتحريض على مخالفة القانون، ويدعو إلى العنصرية، وإذا ثبت أن النشر أو البت كان بسوء نية، والتمييز بين المواطنين، وامتهان الأديان السماوية أو للعقائد الدينية»، والأكثر من ذلك منعهم من ممارسة المهنة.

ويضيف أن البرلمان كان عليه أن يُضمن قوانين الصحافة والإعلام نصًا لاستحداث نيابات ومحاكم متخصصة في قضايا النشر والصحافة والإعلام والرأي، على غرار المحاكم الاقتصادية وغيرها، يتم تشكيلها من قضاة وأعضاء نيابة على وعي بحدود حرية الرأي، والفرق بين الرأي والتحريض حتى لا تكون الأحكام الصادرة ضد الصحفيين والإعلاميين والكتاب والأدباء وفقا للأهواء الشخصية لتأويلات النصوص المطاطة للقوانين.

مصير المجالس الحالية

تحدد النائبة جليلة عثمان، أبرز الآثار المترتبة على  إصدار القوانين الثلاث الجديدة في حل المجلس الأعلى للإعلام الحالي، و«الوطنية للصحافة»، و«الوطنية للإعلام»، موضحة أن مشروعات القوانين التي وافق عليها البرلمان، وأرسلها إلى مجلس الدولة لضبط الصياغة النهائية، ألغت قانون تشكيل تلك الجهات، ونصت على تشكيل جديد للمجلس والهيئتين.

وتوضح النائبة أنه يجب على المجلس والهيئتين إنهاء عملهم فور سريان مواد القانون، على أن ترشح الجهات المعنية لرئيس الجمهورية الأعضاء الجدد، تمهيدًا لإصداره قرارات جمهورية بتعيين المجالس الجديدة، موضحة أنه لا يوجد ما يمنع من إعادة تعيين رؤساء وبعض أعضاء المجالس الحالية مرة أخرى.

وينص مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام في المادة الرابعة من مواد إصداره على إلغاء قانون التنظيم المؤسسي رقم 92 لسنة 2016، وقانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996.

على الجانب الآخر، يعتبر النائب نادر عبد القادر أن مصير المجالس الحالية بعد إقرار مشروعات القوانين لم يحدد بعد، مضيفًا أن «الأمر شائك»، ويحمل أكثر من وجهة نظر، فهناك من يرى انتهاء عمل المجلس والهيئتين الحاليين فور إصدار القانون، وهناك من يرى استمرارهم إلى لحين تشكيل المجالس الجديدة.

فيما يكشف حاتم زكريا عضو المجلس الأعلى للإعلام إن المجالس الحالية ستستمر في تسيير الأعمال لحين إعلان رئيس الجمهورية التشكيل الجديد للمجلس والهيئتين، مضيفًا لـ «مدى مصر» أنه على غرار ما حدث مع الحكومة حينما قدمت استقالتها، واستمرت في تسيير الأعمال حتى حلف الحكومة الجديدة لليمين، سيمارس المجلس الأعلى للإعلام والهيئتان أعمالهم إلى حين تشكيل المجالس الجديدة حتى لا تحدث فجوة. أما رئيس الهيئة الوطنية للصحافة كرم جبر فرفض التعليق على مصير الهيئة بعد إقرار القوانين الثلاثة، قائلًا لـ «مدى مصر» إن القانون ما زال مقترحًا وعندما يصدق عليه من الرئيس السيسي نتحدث عنه.

اعلان