Define your generation here. Generation What

البحث عن حزب أغلبية

مَن يتذكر القصة التي كانت أجيال عديدة من المصريين تتعلّمها من كتب المطالعة الرشيدة حول الرجل الذي رمى سلة تين، كان قد صادفها في طريقه لحضور حفل عُرس، في الوحل، انتظارًا أو اشتهاءً لأطايب الوليمة، ثم عاد لينظف ثمرات التين من هذا الوحل، ليسكن عضة الجوع، بعد أن فاتته السفينة التي كانت تقل المدعوين إلى الشاطئ الآخر من النهر، حيث يُقام العُرس؟

لمَن تذكروا هذه القصة، أو مَن يقرأونها لأول مرة: هل تجدون فرقًا بينها، وبين الجهود التي يُقال إنها تُبذل حاليًا لتنشيط الحياة الحزبية، عن طريق تشكيل حزب أغلبية يساند الحكومة، أو يصبح ظهيرًا سياسيًا لرئيس الجمهورية، يقابله إعادة الروح لحزب الوفد على رأس تحالف معارض للحكومة بالاتفاق معها؟ وذلك بعد كل ما جرى من إقصاء، وتشويه، واضطهاد للأحزاب، وما تبعه، أو صاحبه من محاصرة ومحاربة منظمات المجتمع المدني، وتدجين النقابات المهنية والعمالية، وغرف التجارة والصناعة..إلخ. حتى أصبحت الحياة السياسية في مصر مثل الصحراء الجرداء، وحتى أصبح تعبير الناشط السياسي مرادفًا للخيانة الوطنية في الخطاب السائد، وصار كل حزب يختلف قليلًا أو كثيرًا مع سياسات الحكم متهمًا بالسعي لتخريب الوطن، وتحويله إلى نموذج مماثل لنماذج سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا.

بالطبع سيتساءل بعض القراء هنا، ولهم الحق في هذا التساؤل: وهل الأحزاب المصنّعة سلطويًا على نحو ما يُخطط لحزبي الموالاة والمعارضة، تحتاج أصلًا إلى حياة سياسية؟ أو هل ستضيف هذه الأحزاب سابقة التجهيز شيئًا ذا قيمة إلى هذه الحياة السياسية؟

والاجابة هي أنه مع هذين التحفظين المفهومين والمبررين تمامًا، فإنه حتى الأحزاب السلطوية يلزم لقيامها واستمرارها حد أدنى من البيئة المسيسة خارج الجهاز الإداري والأجهزة الأمنية للسلطة. ومما يثبت ذلك استمرار التعثر لخطة إنشاء حزب الأغلبية، بسبب غيبة أو فساد الثقافة السياسية، إذ كانت هذه الفكرة قد طُرحت لأول مرة منذ عامين، وعُقدت حولها جلسات تشاورية، عُرفت باسم «اجتماعات سهل حشيش» قرب الغردقة، ولكنها لم تسفر عن شيء يذكر.

وعندما تجدّد الحديث في الموضوع، وبدا أن الفكرة اكتسبت زخمًا جديدًا، بمناسبة إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي لفترة رئاسية ثانية، عادت العثرات لتعترض الطريق بقوة، وبحسب مَن اطلعوا على المناقشات فليست العقبات الدستورية هي التى حالت دون تحول «ائتلاف دعم مصر» إلى حزب أغلبية بالاندماج في حزب «مستقبل وطن»، ولكنه الصراع بين مَن يسمون أنفسهم «الحركيين» الذين نجحوا جزئيًا أو كليًا في حشد ما تيسر لهم من الناخبين لمصلحة الرئيس السيسى في الانتخابات الأخيرة، وبين وجهاء التمويل من رجال الأعمال، ووجهاء المناصب، الذين يتصدرون المشهد، دون أن تكون لهم قدرات حركية، لكنهم  يتشبثون، في الوقت نفسه، بمناصب الصفوف الأولى في حزب السلطة «الجديد»، علمًا بأن جميع الوجوه البارزة في الجناحين هم أعضاء بمجلس النواب، ويوالون الحكم، بما يعنيه ذلك من أن النسبة الغالبة منهم جاءت إلى مقاعدها ليس بجدارتها السياسية، وإنما باختيار الأجهزة لها، لغرض محدد ليس هو ممارسة السياسة، ولكن لتنفيذ التعليمات، أو لاستكمال الشكل، وهكذا ينعدم الحد الأدنى للشروط اللازمة لتنظيم حزبي متجانس، لقواعده الجماهيرية بعض الرأي، وليس كل الرأي طبعًا، في اختيار زعاماته، حتى وإن كان حزب السلطة. وتبقى المسألة كلها توزيع أدوار في مسرحية تُنسى بعد ليلة عرضها الأولى والأخيرة.

بالقطع تزداد الحالة بؤسًا عندما تنتقل محاولة تصنيع أو اصطناع حزب لتطبّق على مَن سيقومون بدور المعارضة، وهي محاولة تحمس لها أو تبناها – كما نعلم – الزعيم الجديد لحزب الوفد، وكان الرجل قد تحدث عن حاجة مصر إلى أربعة أحزاب. ولكن النتيجة لم تختلف عن نتائج محاولة إنشاء حزب للأغلبية.

لكن السؤال الذى يجب أن يشغلنا قبل وبعد هذه التفاصيل التي لا تعنى سوى استمرار الحركة في المكان، دون خطوة واحدة إلى الأمام هو : لماذا ظهرت الحاجة الآن إلى حزب الأغلبية، وإلى آخر معارض، أو يقوم بدور المعارضة؟

قبل الإجابة المباشرة نقتبس مما كتبه أحد الوزراء السابقين في حكومتَي حازم الببلاوي، وإبراهيم محلب. فقد كتب يقول إنه كان ضمن الوفد المرافق للرئيس السيسي في زيارته لروسيا بعد انتخابه مباشرة للرئاسة في الفترة الأولى، وفي أثناء الرحلة اُستدعى إلى الكابينة الرئاسية، وتحدث معه الرئيس حول ما يفكر فيه من مشروعات قومية عملاقة، فأبدى الوزير حماسه لكل ما سمعه، ولكنه أضاف أن رئيس الجمهورية يحتاج بجانب هذه المشروعات إلى إطار سياسي، وذلك ليضمن نجاحها. واقترح الوزير السابق عليه تشكيل حزب، أو الدفع بالمؤيدين لفكره ومشروعاته لتشكيل حزب يكون ظهيرًا لسيادته، حتى وإن لم يرأسه هو بنفسه، لكي يتولى هذا الحزب إدارة الحوار مع المجتمع، ومع القوى والتيارات السياسية الأُخرى، ولكي يوفر قناة لتبادل المعلومات والآراء داخل الكتلة المؤيدة للرئيس ذاتها، بحيث لا تتضارب المعلومات، ولا تتناقض الآراء، ولا يُعلن اليوم موقف، ويُطلب تبرير عكسه غدًا، وضرب الرجل للرئيس مثلًا بتجربة الرئيس الفرنسي الأشهر شارل ديجول، الذي كان سيء الظن بالأحزاب، عن حق، بما أن تناحرها كان هو السبب الرئيسي في عدم الاستقرار السياسي للبلاد فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهو ما تسبب بدوره في عدم قدرة الحكومات على توقع الحرب العالمية الثانية، والاستعداد لها، فكانت الهزيمة المدوية، والاحتلال النازي لنصف فرنسا، فلهذا السبب قرر ديجول بعد عودته للسلطة عام 1958 الحكم بعيدًا عن الأحزاب و مواقفها. ولكنه ما لبث أن اكتشف أنه يستحيل الاحتفاظ بتأييد الأغلبية الشعبية من دون إطار حزبي، فأوعز إلى أنصاره بتشكيل «التجمع من أجل الجمهورية»، الذي عُرف باسم «الحزب الديجولي»، رغم أن ديجول نفسه لم ينضم إليه رسميًا.

فماذا كان رد الرئيس السيسي؟ كَتَبَ الوزير السابق أنه اكتفى بإشارة عدم اقتناع بيده، ولم يقل كلمة واحدة.

إذن ما الجديد الذي جعل الرئيس يغيّر موقفه، وليس في ذلك ما يُعاب من حيث المبدأ؟

من الواضح أن «اجتماعات سهل حشيش»، التي سبقت الاشارة إليها كانت بمبادرة من البرلمانيين الموالين أنفسهم، ولم تحظ بمباركة السلطات العليا، التي اكتفت بالمتابعة أو المراقبة عن بعد، وعندما لم تسفر هذه المناقشات عن نتيجة إيجابية، فقد جُمّدت الخطة، أو أُهملت. أما هذه المرة الجديدة فهناك عدة مؤشرات على أن المبادرة جاءت من الأعلى، فكما نعلم برر أحد العسكريين المتقاعدين انضمامه إلى حزب الوفد، وحصوله على منصب قيادي فيه، بأن هذه الخطوة تأتي تنفيذًا لرغبة السيد الرئيس في تنشيط الحياة الحزبية، وكذلك أدلى عدد من النواب الموالين بتصريحات مشابهة.

ننتقل الآن للإجابة المباشرة على السؤال: ما الجديد الذي جعل الرئيس يغيّر موقفه الرافض لتشكيل حزب أغلبية موالٍ له، وللحياة الحزبية بصفة عامة؟

بالتأكيد فإن أول ما يتبادر إلى الذهن، هو الحديث المتواتر في كل الدوائر المؤيدة والمعارضة عن انخفاض شعبية الرئيس السيسي، فضلًا عن انخفاض شعبية سياساته الرئيسية، خاصة تلك المُسماة بسياسات الإصلاح الاقتصادي، في ضوء الارتفاع غير المحتمل لأسعار السلع الاستهلاكية، والنقل، دون تقدُّم يُذكر في مجال الخدمات الأساسية، أو الاستثمار، أو الانتاجية بصفة عامة، فضلًا عن الخلاف حول أولويات الإنفاق العام «الكثيف»، وحول تفاقم المديونية الداخلية والخارجية.

يلي ذلك الدرس المستخلص من تجربة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إذ اتضح أن الاعتماد على العلاقة المباشرة بين الرئيس والناخبين، لم تكف هذه المرة لإخراج المواطنين من بيوتهم، والتوجه إلى لجان الانتخابات، مثلما كان الحال في انتخابات الرئاسة عام 2014، فقد راحت سكرة الفرحة بسقوط «الإخوان»، وتفويض السيسي على بياض، وجاءت فكرة المراجعة والتقويم ، وهذا ما لايمكن الأخذ والرد معه، إلا من خلال القنوات السياسية الحزبية وحدها، لأن تلك هى مهمتها، وهذا هو دورها. كما يتبلور داخل صفوف الموالاة منذ بعض الوقت اتجاه قوى لتعديل أو تغيير الدستور من أجل إلغاء قيد الفترتين الرئاستين. وكما نشر هنا في «مدى مصر»، منذ أسبوعين، فقد أكد مصدر بالأمانة العامة لمجلس النواب أن مشروع التعديل سوف يُقدّم إلى البرلمان خلال الدورة البرلمانية التي تبدأ في خريف العام الحالي، بل يتردد بدوائر أحزاب معارضة أن النيّة تتجه إلى وضع مشروع دستور جديد بالكامل، وبالطبع فهذه معركة سياسية من الطراز الأول، ولما كانت تجربة الانتخابات الرئاسية، في مارس الماضى، قد أكدت وجود صعوبات جمّة أمام «الموالاة» لجذب الحشد والتأييد، ولما كانت الحاجة إلى الحشد والتأييد سوف تصبح أكثر إلحاحًا لتمرير التعديلات الدستورية، أو لتمرير مشروع دستور جديد، فإن تشكيل حزب أغلبية قد يكون الحل الوحيد المتاح، وحبذا لو ظهر حزب معارض، أو ائتلاف من أحزاب معارضة بقيادة «الوفد» (كما هي الخطة الأصلية) يقرر التوافق مع حزب الأغلبية على تأييد تلك الخطوات، ويساهم في الحشد والتأييد لها.

إننا نعلم أن دعوات المقاطعة لانتخابات الرئاسة الأخيرة قد سببت حرجًا بلغ حد الضيق للنظام، وللرئيس خصوصًا في الخارج الأوروبي والأمريكي، وقد يؤدى وجود تشكيلات حزبية تساند خطة مدّ فترات بقاء الرئيس السيسي في منصبه إلى سحب البساط (أو سرقة الكاميرا) من دعوات الرفض والمقاطعة، خاصة إذا كان بين المساندين أحزاب «معارضة».

هذه إذن هي الأسباب التي جعلت النظام يعيد اكتشاف مزايا وجود حركة حزبية، أو جعلته هو الذى يحاول بنفسه تنظيف ثمرات التين من الوحل الذي ألقاها فيه، كما علمتنا كتب القراءة الرشيدة. لكن في قصتنا الواقعية هذه فربما تكون ثمار التين قد غارت في أعماق الوحل، بحيث لايمكن استعادة ما ضاع في هذه المدة القصيرة، أو بحيث لا يُسمن، ولا يُغنى من جوع ما قد يُعثر عليه من البقايا.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد