Define your generation here. Generation What
«حرب كرموز».. السينما في خدمة الشرطة والشعب
 
 

«25 يناير» تاريخ مرتبط بحدثين، الأول يظهر لك كل عند كتابة هذه الأرقام، في مستطيل بحث جوجل، فتظهر لك  النتائج المتصلة بأحداث ثورة 2011، وكيف ثار الشعب المصري على نظام الحكم، ولقَّن الشرطة درسًا صعب نسيانه. أما الحدث الأخر فهو «عيد الشرطة المصرية» والذي يدرّس في معظم الكتب الدراسية الخاصة بالتاريخ في المراحل المبكرة من التعليم المصري، ويحكي عن يوم 25 يناير 1952، وعن بسالة الشرطة المصرية ودفاعها عن مبنى مركز شرطة الإسماعيلية عندما حاصرتها قوات الاحتلال الإنجليزية، بالدبابات والأسلحة الثقيلة، ما أدي لحدوث مجزرة راح ضحيتها كثير من أفراد الشرطة.

ما بين اهتمام المنتج محمد السبكي بالتاريخ المشرف للشرطة المصرية، وحلمه بإنتاج فيلم لـ«جان كلود فان دام» يخرج لنا فيلم «حرب كرموز»، من إخراج المخرج الخارق بيتر ميمي، في عيد فطر عام 2018، ليحقق أعلى إيراد يومي في شباك تذاكر السينما المصرية.

فيديو تريلر حرب كرموز

إنستجرام محمد السبكي

عند إلقاء نظرة سريعة على أكونت الإنستجرام الخاص بالمنتج محمد السبكي؛ تجده مكرسًا تمامًا خلال الستة أشهر الماضية لفيلم «حرب كرموز»، بداية من فيديوهات إمضاء العقود مع أبطاله، مرورًا بصور وفيديوهات من اللوكيشن، وحتى البوسترات والفيديوهات التي تصوّر صراع الجمهور أمام السينمات لمشاهدة الفيلم.

السبكي يعلم أنه يصنع الـ«ماستر بيس» الخاصة به، قطعته الفنية النادرة التي يهديها للسينما المصرية. جميع من يعمل في السينما التجارية يعلم أن من أحلام محمد السبكي العمل مع فان دام، وهو ما أكده بيتر ميمي في منشور على فيس بوك سوف نتطرق له باستفاضة بعد قليل.

أتخيل محمد السبكي غارقًا في أحلامه وهو يرفع فيديو على إنستجرام وفان دام يمضي عقد الفيلم وبعدها يسأله الحاج محمد، كعادته مع كل من يمضي معه: «مرضي؟»، فيرد فان دام بعربية غير سليمة «حسبي الله ونعم الوكيل».

ولكن منه لله التعويم الذي قضى على أحلام كثير من المصريين، ومنهم محمد السبكي فاستقطاب نجم موهوب مثل فان دام يكلف «شيء وشويات» في هذا الزمن الصعب، ولكن السبكي لا يستسلم، ويأتي بممثل أكشن آخر، «على قد الإيد» وهو الممثل الإنجليزي «سكود أدكنز»، الذي لا يعرف الكثير اسمه ويشتهر باسم شخصية قدمها في فيلم هوليودي «بويكا»، ليصبح «حرب كرموز» أول فيلم مصري يمثل فيه ممثل من هوليود، ويذكرنا بالفيلم المصري الذي صُوِّر بالكامل في هوليود كما جاء في إعلانه «تايه في أمريكا».

caption

السبكي مع الممثل بويكا

فيس بوك بيتر ميمي

صفحة الفيسبوك الخاصة بـ«حرب كرموز» تؤكد على أن الفيلم تخطى أعلى إيراد يومي في السينما المصرية، ليسبق «هروب اضطراري». هذا بالطبع، بصرف النظر، أن الحسبة في الحالتين، تجاهلت أن ثمن تذكرة السينما قد تضاعف عشرات المرات خلال العشر سنوات الماضية، وأن الإيراد اليومي أو إيراد الفيلم بشكل عام، لم يعد معبرًا عن إجمالي عدد المشاهدين. والحسبة الأدق تكون بإجمالي عدد التذاكر المباعة للفيلم، وأيضًا مع الوضع في الاعتبار نسبة الزيادة السكانية، ولكن هذه حسبة معقدة بالطبع بالنسبة لهم، والأسهل حسبة الفلوس.

لكن هذا لا يمنع أن «حرب كرموز» كما جاء على أفيشه هو فيلم العيد الأول، فيلم كسَّر الدنيا، ولكن هذا ليس بالساهل، وهو ما يشرحه المخرج بيتر ميمي في بوست تاريخي على صفحته الشخصية على فيس بوك، بعنوان «أسرار حربية» . من حق ميمي بعد ثلاثة أو أربعة أفلام غير ناجحة تجاريًا جرب نفسه فيها على مدار ثلاث سنوات، ثم بعدها يصبح الحصان الرابح الذي تحقق أفلامه إيرادات تاريخية، ومسلسلاته تأتي بأعلى نسب مشاهدة، أن يكتب «بوست» للتاريخ يوضح فيه كيف ظهر «حرب كرموز» بهذا الشكل الذي يقارب الكمال الفني. يوضّح في أول البوست أنها فكرة المنتج محمد السبكي من الأساس: «فيلم عن الاحتلال الإنجليزي». ورغم غرابة الفكرة إلا أن ميمي أعجب بها وحاول عرضها على اثنين من «أهم» المؤلفين ولكنهما رفضا، فأصبح مضطرًا لكتابتها بنفسه، ثم عرض السيناريو على صاحب الفكرة والمنتج، الذي تحمس للغاية، وقرر بدلًا  من صناعة دبابتين تاريخيتين طالبه بهما ميمي للتخديم على الفيلم، صناعة خمس للعدو أو في عين العدو.

في مرحلة التحضير، يذكر ميمي أيضًا مشاهدته لأكثر من 1000 صورة، و15 ساعة تسجيلية، والأهم قراءة خمسة كتب عن المرحلة، لكي يظهر الفيلم بدون أخطاء تاريخية، ونعرف من البوست أيضًا المعلومة الأهم وهي أن محمد السبكي، هو من أشرف بنفسه على الأزياء وملابس المجموعات، حتى أنه خصص لكل فرد شماعة باسمه، وهو ما يوضح حجم بذخ المنتج واهتمامه بالتفاصيل. بالطبع، حصد بوست ميمي أكثر من أربعة آلاف وخمسمئة إعجاب وقلوب وايموجي اندهاش.

حرب الكليشيهات

الكليشيه هو الفعل أو القول الذي استحلب استخدامه، وأصبح غير مثير ومبتذل، وأحيانًا يدعو للسخرية، وهو ما سيشعر به أى متابع أو مهتم بالسينما المصرية عند مشاهدة «حرب كرموز»، فهو فيلم كليشيه. تشعر بكل شيء مبتذل، في كل جملة، وكل مشهد، فإذا كنت مازلت متحمسًا لمشاهدته حتى هذه السطور؛ أرجوك توقف عن القراءة، لأن السطور القادمة سوف «تحرق» لك بعض «الكليشيهات»، التي سوف تدهشك، فمثلًا هناك الفتاة العذراء المغتصبة من قبل جنود إنجليز. بوضوح تمثّل العذراء مصر، والشرطة تدافع عن شرفها. أيضًا هناك شخصية فتاة الليل، والتي بعد ظهورها بالفيلم، تتوب في ثاني مشهد لها فقط علي يد الضابط  يوسف المصري.

هناك  أيضًا مشهد عندما يقطع الإنجليز المياه عن قسم البوليس، يدعو المصريون الشرفاء في نفس واحد «يا رب يا رب» فتمطر الدنيا، ولا يشعرون بالعطش.  ناهيك عن التحولات الدرامية العجائبية في الشخصيات المصرية من أشرار ولكن يميلون لكفة الحق المصرية في النهاية.

ولا تنتهي كليشيهات الفيلم، عند لزمة «أمك صاحبتي» التي لا تفارق لسان محمود حميدة طوال الفيلم، والتي يشرح المخرج في منشوره، كيف أقنع حميدة بها بعد أن كان رافضًا لاستخدامها، والتي تذكرنا بإفيهات نادية الجندي الباقية «سلّم لي على البتنجان» و«خالتي بتسلم عليك». في النهاية انبهر الجمهور بجودة الصورة، والملابس، وتجسيد تلك المرحلة التاريخية على شاشة السينما، والتي ظهرت آخر مرة منذ 27 سنة في فيلم «شمس الزناتي»، ودفع سعر التذاكر ليشاهد فيلمًا لا يلعب إلا على الكليشيه الذي يرتاح معه، لكن الإضافة هنا، أن الكليشيه «مصروف عليه» جيدًا.

أن تكون محمد السبكي

سوف يذكر تاريخ السينما المصرية محمد السبكي كواحد من أهم و أذكى منتجي الأفلام في مصر. منتج يعرف ذوق جمهوره، محب حقيقي للسينما على طريقته الخاصة، عنده الحساسية المميزة التي تمكنه من إنتاج أفلام تحقق إيرادات عالية، ويرضى عنها النظام في نفس الوقت. فالجميع يتذكر دور السبكي في استمرار «عجلة إنتاج» الأفلام في سنوات ما بعد الثورة،  في الوقت الذي تخوف فيه معظم المنتجين من ضخ أموال في الصناعة، ما يجعله منقذًا حقيقيًا للسينما في تلك المرحلة، بصرف النظر عن جودة ما يقدمه فنيًا.

محمد السبكي بالبندقية

عمل السبكي مع محمد خان في أول مشواره الفني من خلال شركته هو وأخيه أحمد في فيلم «مستر كاراتيه» عام 1993، استغل انفتاح ما بعد الثورة وصنع «حلاوة روح» مع هيفاء وهبي، وبصرف النظر أنه نسخة من فيلم «ميلينا» الإيطالي، إلا أنه قرر كسر بعض قيود الرقابة، وتقديم فيلم «جريء»، قوبل بتوقيف عرضه بقرار من رئيس الوزراء وقتها. أيضًا نذكر كيف خاض السبكي  معركة أخرى مع رئيس غرفة صناعة السينما محمد حسن رمزي، على الهواء، بسبب التلاعب في الإيرادات، وكشف فيها كيف تدار دور العرض بشكل غير عادل ويدافع بقوة عن فيلمه «المواطن برص».

هذا هو محمد السبكي الذي يستمع بحرص لتصريحات رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي، عندما طلب عدم ظهور العشوائيات في السينما، فيتوقف تمامًا عن تصوير أفلام في العشوائيات، على عكس المخرج والبرلماني خالد يوسف القريب من دوائر النظام، والذي أظهر العشوائيات في فيلمه «كارما».

لم يتوقف ذكاء السبكي عند تجنب المناطق المحظورة، بل أخذ يستشعر بحسه الإنتاجي، الملاعب المحببة للنظام،  المهتم هذه الأيام بغسل صورته إعلاميًا، والذي يمارس دور رقابي شديد من خلال المجلس الأعلى للإعلام، الذي يضرب بمقص من حديد، كل متجاوز، وأصبح في حالة يقظة دائمة لأي جملة يرى أنها «خارجة» أو « مسيئة» في أي فيلم أو مسلسل، حتى أنها زايدت على مسلسلات في رمضان 2018، مثل «كلبش» و«نسر الصعيد»، وقالت أنهما يسيئان للشرطة، مع أنهما كتبا بالأساس لإظهار الجانب الإيجابي من ضباط الشرطة.

ولكن الحاج محمد السبكي يحلق بعيدًا، عن كل هذه الضوضاء، يستشف مزاج النظام ومزاج الجماهير، ويصنع فيلمًا  «تاريخيًا»، ليبدو من الخارج أنه عمل فني من الطراز الرفيع على غير ما تعودنا من السبكي، وفي الوقت نفسه، يحقق رغبته بصناعة فيلم «أكشن» ببطل هوليوودي، ومستوحى من حادثة بطولة تاريخية، ولكن لا يصوّر الحادثة نفسها، حتى لا يقع في المقارنات التاريخية والتعنتات الرقابية، والأهم يجسد بطولة وبسالة ونبل ضابط شرطة، له شخصية كاريزماتية كبطل شعبي، مضمون أنه سيعجب الجماهير، فهو ابن بلد جدع، يدافع عن الشرف، ليخرج الجميع مَرضِي. يغسل السبكي سمعته بأنه منتج شعبيات رخيصة، وتغسل الدولة صورتها بتلميع  تاريخ الشرطة، ويستمتع الجمهور بمشاهد أكشن مثل التي كانت منتشرة أيام ما بدأ السبكي رحلته في الصناعة، ولتصبح السينما في خدمة الشرطة والشعب.

اعلان