Define your generation here. Generation What

النجوم والعالم

في 6 أكتوبر 2013 ألقي القبض على الطالب عبد الرحمن الجندي، 22 سنة، حين كان يستقل هو ووالده سيارة خاصة في ميدان رمسيس بالقاهرة، حيث كانت المظاهرات مشتعلة في ذلك الوقت احتجاجًا على عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. أدانتهما محكمة الجنايات مع أكثر من 60 آخرين بتهم «القتل، والشروع في القتل، وإتلاف منشآت عامة وخاصة، وحيازة أسلحة وذخائر»، وقضت في 30 سبتمبر 2014 بسجنهما 15 عامًا، والمراقبة لمدة خمس سنوات، و20 ألف غرامة لكل منهما. وفي مارس 2016، رفضت محكمة النقض الطعن المقدم منهما وأيدت الحكم السابق ضدهما.

كان الجندي قد حصل على منحة لدراسة الهندسة في الجامعة الألمانية بالقاهرة، وذلك لتفوقه الدراسي في المرحلة الثانوية، وذلك قبل أن يُلقى القبض عليه، ولم يكن أكمل عامه الـ 18 وقتها. وبسبب حكم السجن، فقد فرصته في استكمال تعليمه بالجامعة الألمانية، والتحق بكلية الهندسة بجامعة عين شمس لاستكمال تعليمه من محبسه.

كتبت هذه المقالة باللغة الإنجليزية في الأصل لمسابقة مقال شباب العالم (2018)، ووصلت فيها إلى النهائيات. ننشرها كما وردت لنا بعد أن ترجمها الكاتب للعربية.

المحرر

هناك أغنية اسمها «نور واحد كمان» (One More Light) لفرقة Linkin Park تقول: «تفرق إيه لو نجم انطفى، في سما فيها مليون نجم، بيرعش.. يرعش».. هكذا أرى نفسى: نجم واحد في سماء واسعة، حالكة السواد، ومطرزة بالملايين والملايين من النجوم، كلها تعاني، كلها تكافح، فمن سيلاحظ لو أني -نجم واحد موجود- ارتعشت ومِتّ؟ من، حقًا، سيهتم؟

أنا فى السجن. سجين رأي في مصر. مصر التي طالما ارتبطت في خيال الأجانب بالأهرامات والجِمَال، ثم، في خيالنا نحن، بالربيع العربي، ومؤخرًا، بأشياء أخرى أقل بهجة.

ولكني لا أمسك القلم لأكتب عن مصر، أو عن السجن، أو حتى عن نفسي. ليس بالتحديد. أنا هنا أتكلم عن النجوم والكواكب، عن عالمنا. في السجن تفكر، تفكر كثيرًا. ومؤخرًا وجدت نفسي أتأمل كوني مجرد نجم واحد، ليس له أهمية في العالم، وأوصلني هذا لسؤال ظل يطاردني لأيام: هل أستطيع تغيير العالم؟

إذا كنت ممن حالفهم الحظ فشاهدوا كوكبنا عن بعد يطفو في الفضاء، ربما وصفته ككرة عظيمة، زرقاء مشوبة بالخضرة، مضيئة متألقة، تمنحك إحساسًا بالضآلة وكأنك في حضرة الله نفسه.

وهذا يعطينا درسًا قاسيًا في عدم الحكم على الكتاب من غلافه.

فكوكبنا الحبيب منكوب. ممتلئ لحافته بالظلام والشر والكراهية. الإحصائيات صادمة، حقًا. إن بحثت في تاريخ هذا الكوكب الأزرق وسكانه، ستلجم النتائج لسانك.

يمكنك أن تبدأ بالحروب وأسبابها، ثم تزيد القراءة في آثارها المباشرة وغير المباشرة على الإنسانية. انتقل بعد ذلك إلى الدكتاتوريات واقرأ عن القمع والتعذيب في بلاد العالم وعدد سجناء الرأي المحبوسين وكم الذين قُتِلوا لأنهم عبَّروا عن وجهة نظر. ثم غُص في الديمقراطيات المزعومة، الموبوءة بالعنصرية والفقر والطبقية. وإن بقيت لديك طاقة، فابحث عن الأرقام التي تحكي عن الاغتصاب والتحرش الجنسي والعنف الأسري والقتل العشوائي في جميع أنحاء العالم. وعندما تنتهي من هذا، اقرأ عن التطرف والإرهاب في الأديان والمعتقدات كلها، وكيف يبرر المتطرفون والإرهابيون أفعالهم وينامون في سلام كل ليلة. ثم اختم كل ذلك بقراءة «عقيدة الصدمة» لناعومى كلاين، واستعد لأن تصعق من العقليات الملتوية التي تحكم كوكبنا، والنظام العالمي الذي يُنَمِّى الكوارث ويزدهر بالبؤس ويرى في المآسي الإنسانية فرصًا للاستثمار وفي الحروب والنزاعات الكارثية أسواقًا يمكن استغلالها. لاحظ أني لم أذكر شيئًا عن الجرائم في حق الكوكب نفسه: التعدين والاستخلاص والتكسير والتجريف والسرطنة. يكفي. سأتوقف الآن.

هذا هو العالم الذي نعيش فيه. عالم من النفاق وإصدار الأحكام. عالم يتغذى على الكراهية والغضب والعنصرية. عالم تعودنا عليه فلم نعد حتى نلحظه.

وحين وصلت إلى هنا، وجدتني أعود للسؤال الحائم حولي: هل أستطيع تغيير العالم؟

قضيت ساعات كثيرة في سجني، الذي قارب الخمس سنوات، في قراءة السير الذاتية لأولئك الذين أصبحوا رموزًا للتغيير أو التحول. قرأت سيرة المهاتما غاندى ونيلسون مانديلا وتشي جيفارا ومارتن لوثر كينج ومالكولم إكس ومالالا، وأيضًا بعض الشخصيات الدينية. وبينما أنا أقرأ بدأ رابط ما يظهر لي.

لكن، وقبل أن أحكي عن هذا الرابط، أود أن أحكي لكم عن شيء آخر.

فى كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب»، يقترح علينا المفكر والسياسي البوسنيّ، علي عزت بيجوفتش، تعريفًا للمصطلحين: «الحضارة» و«الثقافة». وهو مختلف عن ذلك المتعارف عليه من أن «الثقافة» -إذا استعرنا كلمات «إيمي سيزار- هي «مَلبَسُنا، ووضعية رأسنا، ومشيَتُنا، وكيف نربط رباط العنق»، بينما «الحضارة» منظومة مركبة -تعتبر ظاهرة متقدمة- من التطور والتنظيم الاجتماعي.

يُعَرِّف بيجوفتش «الحضارة» بأنها كل تقدم مادي تحرزه البشرية في مسيرتها، كالتكنولوجيا والعلوم بكافة أشكالها، ثم ينتقل إلى الثقافة فيعرفها بأنها كل تقدم تحققه البشرية على الصعيد الروحاني وفي مجالات الفنون. ثم يضع سؤاله: هل كونك «متحضرًا» يعني بالضرورة أنك «مثقف»؟ وهل كون لديك «ثقافة» يعني امتلاكك لما يُسمَّى الآن «حضارة»؟ ورَدّه على هذا السؤال هو: لا؛ كونك أحدهما لا يعني بالضرورة كونك الآخر. ويعضد رؤيته بضرب مثل بسكان القارة الأمريكية الأصليين وكيف أبادهم القادمون الجدد ذوو البشرة البيضاء، وأيضًا باختطاف الإفريقيين والإتجار فيهم واستعمالهم كعبيد، ثم بتأسيس نظام الفصل العنصري. وما يريد إثباته هو أن تحَضُّر مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية -التحضر طبقًا لتعريفه-  لم يمنعهم من ارتكاب المجازر والجرائم ضد الإنسانية. وهذا أبعد ما يكون عن «الثقافة».

عودةً إلى ذلك الرابط الذي كان قد بدأ فى الظهور: هو يتكون بشكل رئيسي من جزءين. الأول أن معظم هؤلاء الرموز الذين قرأت عنهم كانوا -وفقًا لتعريف علي عزت بيجوفتش- أصحاب ثقافة. إذا درست دوافعهم ومحركاتهم عن قُرب ستجد أن معظمها كان بعيدًا عن أي رغبة مادية، إن لم تكن دوافعها روحانية وإنسانية خالصة. حتى تشي جيفارا، الذي لم ينأ بنفسه عما اعتبره عنفًا ضروريًا، قال إن دماء الثوار تتجمد في عروقهم بالوصول إلى مقاعد السلطة.

الجزء الثاني من الرابط كان هذا: معظم هؤلاء الناس تم اغتيالهم. مرورًا باغتيال مارتن لوثر كينج إلى مالكولم إكس إلى تشي جيفارا إلى محاولة اغتيال المراهقة مالالا، وآخرين. أسئلة كثيرة بدأت تقفز إلى ذهني. لماذا يكره هذا العالم المصلحين لهذه الدرجة؟ ما مصدر آلية الدفاع العنيدة هذه ضد كل أنواع التغيير الجيد؟ هل هذا الكوكب شرير بطبيعته؟ هل يتطلب فرض التغيير حدًا أدنى من ظلام الروح؟ وهل في هذه الحالة، عندما تتخلى عن مبادئك لتحقق التغيير، هل يعتبر هذا تغييرًا؟ أم أنك ببساطة تكيفت مع تقاليد الشر؟ هل ستتكيف؟ أم ستوصم بالهرطقة والكُفر؟ هل تغير أي شيء عبر الزمن؟ أم أننا فقط أتقنّا تركيب الأقنعة على دوافعنا الوضيعة، وتزيين أفعالنا السامة بالشعارات الكاذبة؟ هل نحن فقط مطيعون، نلعب أدوارنا المحددة مسبقًا؟

هل نستطيع تغيير العالم؟

فى روايته «المدينة تنتصر دائمًا»، يقدم عمر روبرت هاملتون للقارئ السؤال الوجودي المرهب: «هل تفضل أن تجد المعنى في معاناة لا نهائية، أم تعاني لا نهائيًا في إيجاد معنى؟»، توقفت لفترة طويلة عند هذا السؤال متأملًا في مدلولاته. إنه ببساطة يسأل إن كنت تفضل أن تعيش حقيقة قبيحة، أم كذبة جميلة. هل تختار أن تجد غاية في هدف ميئوس منه، لأنك أجبن من أن تبحث لا نهائيًا عن الغاية الحقيقية؟

أنا شخصيًا كنت قد فاض كيلي بكل الكذبات الجميلة، وقررت الغوص في بحر القبح بحثًا عن شيء حقيقي، فتعثرت في الكثير من خيبة الأمل، وتعرضت للكثير من الألم، وتعرَّضَت أحلامي المثالية للسحق المستمر.

كنت في السابعة عشرة حين سجنوني، والآن، وأنا في الثانية والعشرين، عقليتي قد أعيد تشكيلها بالكامل؛ كل ما كان مهمًا من قبل، لم يعد من الأهمية بمكان. أدركت أخيرًا أن الأشياء التي تهم بحق هي الأشياء الصغيرة. اكتشفت أخيرًا أنك بعد أن تستيقظ من الكذبات الجميلة، وتغوص فى الحقيقة القبيحة، في اللحظة التي تظن فيها أنك لن تستطيع أن تتحمل المزيد، ستصل أخيرًا إلى الحقيقة الجميلة: المنح الصغيرة، الأشياء التي تهم بحق، والسر الذي طالما ألهم الشعراء والفنانين.

الحب. الحب غير المشروط بكل صوره. حب الأبوين، حب الإخوة، حب الأصدقاء، الحب الرومانسي، والحب الممتزج بالسلام عندما تشعر بحضور الله في قلبك. أفعال الخير الصغيرة، مواقف التضحية العظيمة، المشاهدات الجميلة للإيثار، التجلي المدمع للعين عندما تستوعب حقيقة أنك لم تفقد أملك في البشرية، وأننا أكبر من مجموع أجزائنا، وأن واحدًا وواحدًا أحيانًا يساويان أكثر من اثنين.

وبهذا اللهب المُتَّقِد جديدًا في قلبي، عدت وواجهت السؤال: هل أستطيع تغيير العالم؟

تذكرون عندما تحدثت عن النجوم والكواكب والعالم؟ في مادة العلوم بالمدرسة الابتدائية تعلمنا أن النجوم هي أجساد ضخمة تحترق داخليًا فتنتج كمًا عظيمًا من الحرارة والضوء، بينما الكواكب أجساد معتمة قد تعكس أحيانًا أضواء النجوم فتبدو لوهلة من الزمن وكأنها مضيئة.

هذا نحن: بعضنا نجوم، وبعضنا كواكب. ونحن نُكَوِّن العالم. كانت المشكلة أني نظرت للعالم ككيان منفصل، بينما هو في الحقيقة لا شيء إلا نحن. والمفتاح -المفتاح الأوحد والوحيد- لنغير العالم للأفضل، هو أن نغير قدرًا كافيًا من حيوات الناس للأفضل.

والآن وقد أدركت هذه الحقيقة الجميلة، ليس لدى غير أن أبشر بها وأسعى لأقنع أكبر عدد ممكن من الناس باعتناقها.

السبيل الوحيد لإعطاء هذه الحياة معنى هو أن تُحَوِّل حيوات الآخرين. أن ترى العالم على أنه مكون من أفراد، وأن تسلك مسلكًا متمهلًا وفعال ومخلصًا مع كل واحد منهم.

فردًا فردًا.

الوسيلة الوحيدة هي أن تكون نجمًا.

أن تشع ضوءًا ودفئًا في كل مكان تخطو فيه، أن تشاهد وجوه الكواكب حولك تضيء كلما تعرضت لك، وإن كنت محظوظًا -إن كنت الأكثر حظًا على الإطلاق- ستشهد البعض وهو يتحول إلى نجمه الخاص الساطع، بفضل تواجدك أنت في مداره.

هل حدث أن حضرت حفلًا موسيقيًا، سُلِّطَت فيه بقعة الضوء على عازف البيانو وهو يسكب روحه تتدفق من أصابعه، يهتز كالممسوس شغفًا، متوحدًا مع موسيقاه والكل يحدق في انبهار، يشعرون بوجود شيء أكبر منهم جميعًا، لا يستطيع أيٌ منهم تحديده بالضبط، لكنهم جميعًا يحسونه. وفي تلك اللحظة تجتاح القشعريرة أجسادهم وترى الضوء ينعكس على وجوههم من تلك الشمس المتوهجة على المسرح.

في تلك اللحظة تتغير حيوات. في هذه الثانية نرى الحب والتغيير والتحول والإنسانية  ينصهرون معًا.

تشهد هذه اللحظة في أفعال كبيرة وصغيرة، في سطر من أغنية أو صفحة من كتاب، في حديث من على منبر، في ابتسامة ولمسة حانية، في كلمة أو فعل. ومهمتك هي أن تمتص من ضوئها ما يكفي لتصبح نجمًا فتعيد إشعاع هذه اللحظة في أكبر عدد ممكن من الحيوات.

طريق التغيير شاق وطويل. ولكن، في الحقيقة، ليس المهم هو الوصول إلى نهايته؛ المهم أن تسير عليه ما دمت حيًا.

كنت ألعب كرة السلة، وأحب هذا القول من فيلم Coach Carter، فهو يلخص كل شيء: «خوفنا الأعمق ليس أننا غير أكفاء؛ خوفنا الأعمق هو أننا أقوياء فوق حدود الخيال. أكثر ما يخيفنا ليس ظلامنا بل نورنا. أن نُصَغِّر من شأننا لا يخدم العالم في شيء. لا نور ولا تنوير في أن تنكمش حتى لا تُقلِق من حولك. كلنا فينا أن نكون متألقين كالأطفال. ليس هذا مقصورًا على بعض منا، بل هو فينا جميعًا. وعندما نطلق العنان لضوئنا فنحن -وبلا وعي منا- نعطي الإذن لمن حولنا بأن يفعلوا كذلك. عندما نتحرر من مخاوفنا، فإن مجرد وجودنا -وبشكل تلقائي- يحرر الآخرين».

هل أستطيع تغيير العالم؟ ربما ليس بشكل مباشر، لكني أستطيع تغيير عالم شخص واحد لدقيقة واحدة، ثم شخص آخر ودقيقة أخرى، ثم..

على الأقل، أتمنى أن أفعل.

وبذلك عندما «ينطفي نجم» آخر سيكون قد أدى الدور الذي خُلِق ليؤديه في العالم.

اعلان
 
 
عبد الرحمن الجندي