Define your generation here. Generation What
حوار| نادية كامل: هكذا جرى إحياء صوت «المولودة»
عن أم وبنت لا تتوقفان عن الحديث سويًا
 
 
 
صورة عائلية من تصميم الفنانة هبة خليفة. في الصورة تظهر المخرجة والكاتبة نادية كامل مع والدتها - المصدر: من كتاب المولودة (دار الكرمة، 2018)
 

كان لي شرف قراءة كتاب «المولودة» لنادية كامل على هيئة مسودة. أرسلت لي كاتبته مسودته قبل صدوره عن دار «الكرمة» مطلع هذا العام. الكتاب شديد الإمتاع، ومكتوب بلغة فائقة السلاسة. بالعامية المصرية تحكي نائلة كامل، أم نادية وزوجة سعد كامل، الشخصية الهامة في الثقافة المصرية في الخمسينيات والستينيات، قصة حياتها.

«جدارية»، بحد تعبير الروائي محمود الورداني. تتناول سيرة ماري روزنتال، التي تتقاطع مع تاريخ مصر منذ النصف الأول من القرن العشرين حتى بدايات القرن الحادي والعشرين، مع لمحات هنا وهناك لإيطاليا، حيث ترجع بعض من أصول الأم، ولدول أوروبية أُخرى، لإسرائيل وللقضية الفلسطينية، بانوراما تحكيها الأم بتدفق لا يعيقه شيء.

من الصفحة الأولى للصفحة الأخيرة نقرأ كلامها ويخيل لنا أننا نسمع صوتها، من شاهدوا فيلم «سلطة بلدي» للكاتبة، والذي تظهر فيه الأم، سيفهمون هذا، ومن لم يشاهدوه مكتفين بقراءة الكتاب، سيحسونه.

تفاصيل وتفاصيل وتفاصيل، محكية كلها بإيقاع بالغ التشويق. نرى يوسف إدريس وجمال عبد الناصر وتحية كاريوكا، سيد مكاوي وثروت أباظة، نرى، بتعبير الصحفي خالد منصور، طريقة صنع مربى اللارنج متجاورة مع لقاء جوزيف تيتو بجمال عبد الناصر، أو لقاء حسني مبارك بسعد كامل.

نادية كامل. الصورة: رندا شعث - المصدر: رندا شعث

المرأة التي كانت ماري ثم أصبحت نائلة

بعد انتهاء القارئ من الكتاب، يتوقف لالتقاط أنفاسه، وللملمة الصورة العريضة التي فتحها هذا الكتاب أمامه. قبل القراءة، وأحيانًا بعدها، والأكيد أنه ليس أثناءها، يثور سؤال، أو أن هذا ما حدث لديّ أنا فقط، عن معنى عنوان «المولودة»، من هي المولودة؟ وأين ولدت؟ ولماذا استحقت أن توضع كعنوان للكتاب؟ لكن ببساطة شديدة؛ فماري روزنتال، ابنة الإيطالية المسيحية والمصري اليهودي، تحول اسمها إلى نائلة كامل، وبالتالي أصبح اسمها على جواز سفرها «نائلة كامل المولودة ماري إيلي روزنتال».

أثناء كتابتها، أحست نادية أن كلمة «المولودة» قد تشير لغرابة القدر، كما لإرادة الأم نفسها، كأنها وُلدت بطريقة وعاشت بطريقة أُخرى. في هذا الاسم يكمن، كما تقول، التوتر بين ما نختاره وما لا نختاره.

الخطابات الرسمية كانت تصل للأم بهذا الاسم. واكتشفت البنت هذا عندما سمعت البوسطجي ينادي على اسم أمها أسفل البيت: «نائلة كامل المولودة».

نزلت الابنة وسألت البوسطجي عن معنى الاسم. أراها الخطاب، وكان مطويًا، وبالتالي كان اسم «ماري إيلي روزنتال» مختبئًا.

لم يكن ظاهرًا على المظروف سوى «نائلة كامل المولودة».

احكِ عن الآخر «بعبله»

غلاف كتاب المولودة لنادية كامل (دار الكرمة- 2018)

في لقاء شخصي مع الكاتبة، عقب بداية قراءتي لمسودة الكتاب، كانت لي ملحوظة، بمفادها فقصة حياة الأجانب في مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، مُقدّمة في الكتاب بشكل شديد الإنسانية، أي بلا إدانة ولا تجميل. الأجانب فيهم لصوص ووقحاء وثرثارون، كما أن فيهم الحساسون والصادقون، الجيدون منهم لهم نواقصهم، والسيئون لديهم مميزاتهم، كما هم البشر عمومًا. فورما أخبرت نادية بهذا حتى علّقت أن هذا قد يكون هو الهدف الأعمق من كتابتها لهذا الكتاب.

انقطع الكلام في هذه اللحظة، وكان لابد من إجراء الحوار الصحفي حتى أسمع المزيد عن هذه النقطة.

في رأي نادية، نحن غير قادرين على أخذ الأمور كما تحدث، إما نوستالجيا أو زينوفوبيا، إما عداء للأجانب أو محبة بلهاء في الماضي. الإقصاء هو ما يواجهه هذا الكتاب، تضيف، كلنا نعاني بدرجة أو بأُخرى من الإقصاء، وردي عليه هو بإيراد الحكايات كما حدثت، بـ «عبلها» كما نتذكرها.. والحكايات بدورها تجر وراءها كل شيء، السياسة والاقتصاد وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا.

هذا فقط، في رأي نادية، ما بمقدوره إفحام مَن يختزلون المواضيع والهويات، لأن الحكايات في هذه الحالة تكون أقرب إليهم من كلامهم هم أنفسهم:

«الخلفية اللي ماما حكت منها إن بيتنا مليان ذكريات وما بنرميش حاجة، مش من باب التمسك بالشيء لكن عشان فيه زي اتفاق ضمني إن كل تفصيلة من دول شايلة شوية ذكريات، مش هعرف افتكرها لو رميتها. الظرف دا لو مسكته هفتكر بتاع 17 حاجة، ولو رميته ممكن 15 ذكرى تضيع معاه، وما يفضلش منها إلا اسم «نائلة كامل المولودة ماري إيلي روزنتال» اللي كان مكتوب على الجواب. الفكرة هنا إن الحدوتة تيجي كحدوتة. مش كملخص لحدوتة، ولا كحالة تمثل حالات تانية ولا كتقويم أو سجل للأحداث. الفكرة إني أحط أكبر قدر ممكن من التفاصيل والأحداث كما نتذكرها وكما نفهمها».

اهتمت نادية بدقة الذاكرة، وليس بدقة الأحداث ولا التواريخ ولا الأسماء. في الكتاب نجد، كما هو الحال في الحقيقة، تداخلًا كبيرًا بين الحكايات العائلية. تعلمت نادية هذا من أمها التي كانت دائمًا ما تقول لها: «لو عايزة الدقة روحي لكتب التاريخ أو اسألي الناس، أنا باحكي زي ما انا عشت وزي ما أنا فاكرة».

المهم عند نادية كان أن تُكتب هذه القصص بحيث يُفهم منها شيء، ليس كأرشيف. تضيف: «هذا أفضل من أي خطبة ضد شيطنة الآخر: احكِ الحدوتة بعبلها».

عشر ثوان من الدموع

سعد كامل كما قدّمته الفنانة هبة خليفة. الصورة في الأصل من أرشيف العائلة

قبل كتاب «المولودة»، عُرض لنادية كامل في عام 2007 فيلم بعنوان «سلطة بلدي»، وفي الفيلم تصور نادية عائلتها، نرى أمها ونسمع صوتها شديد التميز.

أثار الفيلم ضجة لدى عرضه، لكون نادية فيه تقترح على أمها زيارة ابنة عمتها اليهودية سيرينا في تل أبيب، وتتلقف الأم الاقتراح وتذهب الاثنتان، بصحبة الأب سعد كامل، لإسرائيل لزيارة الأقارب هناك.

رغم أن هذه الزيارة لم تكن هي الهدف في الفيلم، الذي كان هدفه عرض «السلطة البلدي»، العائلة التي جاء أفرادها من أماكن شديدة الاختلاف ليلتقوا كلهم في لحظة معينة ومكان معين، إلا أن زيارة إسرائيل تمثل لحظة احتدام الأزمة العائلية، وهي بالتحديد ما شكلّت عنوان اهتمام النقاد، السلبي منه والإيجابي، بالفيلم.

التجربتان، الفيلم والكتاب، تتقاطعان في نقاط كثيرة، وتختلفان في نقاط أكثر. تحضر في الفيلم نائلة كامل، بصوتها ووجهها، كما يحضر سعد كامل، بينما لا يحضر في الكتاب سوى حكي الأم، وعلى قدر ما يبدو الفيلم مشغولًا بلحظة زمنية محددة، يبدو الكتاب مشغولًا بحياة كاملة. كما تتشابك ظروف نشأة كل من الفيلم والكتاب.

هناك أكثر من أصل للفكرة وراء كتابة «المولودة»، تقول نادية، ولكن أول أصل، هو هاجس أن تُنسى القصص، وألا يعود بإمكانها حكيها بعد ذلك. أو، بتعبيرها في الفيلم «سلطة بلدي»: «لو الحواديت دي ما تحكتش هتفطس في القبور».

ثم، دائمًا ما كانت فكرة التسجيل مطروحة في البيت؛ الأب يكتب خواطره في جريدة الأخبار، والأم تكتب مقالاتها في مجلة «حواء»، وتحاول كتابة مذكراتها وتحكي الحكايات مجددًا لبنتيها، وجهاز التسجيل يحضر بين الحين والآخر ليوثق ما يقوله أبناء العائلة في بيتهم.

أما فكرة أن تجلس نادية مع نائلة وتسجل لها، فكان هذا في لحظة خطر على بال الابنة أن هذا هو المشروع الوحيد الذي يمكنها العمل عليه: «اكتشفت في لحظة إن كل الأبواب مقفولة. كنتُ بشتغل في السينما، بس جا على بالي إن عمري ما هاقدر أتعامل مع نظام السينما. لا هما قابليني ولا أنا قابلاهم، والوقت بيعدي ولازم أعمل حاجتي على إيدي».

جاءت بداية التسجيل في عام 2001، فكرت الابنة قبلها أنه لا يمكنها ترك مشروع التسجيل للصدفة، وبالتالي أخبرت أمها ووجدت لديها قبولًا شديدًا للفكرة، أكبر من العادي، ليس مجرد إعجاب.

«رد فعل غير عادي على سؤال أنا سألته غالبًا بطريقة غير عادية. هي حست فيّ همة وأنا حسيت فيها همة. كان في بالي إني هعمل فيلم عن حياة ماما. بس شكل الفيلم اتغيّر مع الوقت. كل ما الواحد بيحط إيده على حاجة، كل ما الشكل بييجي من الفكرة، مش بييجي من براها. وأنا بشتغل، ووأنا بسجل وماما بتحكي، اكتشفت إن فيه حاجات بتتغير. الموضوع مابيبقاش مجرد تسجيل للماضي، وإنما فيه حركة في الوعي والشخصية، لغاية ما جات لحظة إن ماما عيطت وهي بتحكي عن قرايبها اليهود اللي سافروا على فلسطين وقت إنشاء دولة إسرائيل».

خريطة مستوحاة من حكايات ماري- تصميم الفناة هبة خليفة

لماذا كانت هذه اللحظة فارقة؟ تشرح نادية، «لإن لا أنا، ولا هي كنّا نعرف إن الموضوع دا عامل زي الخرّاج، موضوع محبوس، وبالتالي الحكي جاب حكي لغاية ما وصلنا للدمل».

على مدار حكي الأم، كانت تكرر أنها تحب كل الناس، ولا تحكم على أحد ولا تقصي أحدًا. ولكن هذا المبدأ، لدى الحكي عن يهود العائلة الذين هاجروا إلى فلسطين، بدا وكأنه اصطدم بتناقض أساسي؛ كما لو أن هؤلاء اليهود قد جرى استثناؤهم من المبدأ.

كان الموضوع، بحسب نادية، هو مثل «درج جوابات عاوزين نفتحه. طلع إن الواحد لو فتح الدرج الحاجات بتتغير وبتتطور، فهي أصبحت عاوزة تفصل بين موقفها السياسي ضد إسرائيل وموقفها الإنساني من أفراد عيلتها أو من أي حد. طول الوقت هي بتفصل بين الاتنين، في السجن فصلت بين مواقفها السياسية ومواقف زميلاتها، فازاي عملت كدا مع عيلتها؟ وهل هي عاوزة تكمل كدا؟ وهل نبيل [حفيدها] هيفهم القصص دي لو هي ما حلتش المشكلة دي؟».

النقطة الأخيرة بالغة الأهمية بالنسبة لماري: «نبيل (حفيدها) ممكن مايفهمش إنها تروح تشوف قرايب لها في إسرائيل، ودي المشكلة المتوقعة، زي ما ممكن ما يفهمش إن له قرايب في إسرائيل – من ناحية جدته، إزاي وازاي نونا تروح تحط إيدها في إيد الناس دي؟ لكن فيه كمان المشكلة الأعمق: إزاي جدته تقاطع أهلها؟ هي مش بالظبط قاطعتهم. هي كإنها عملت لهم نوع من«البلوك النفسي، نوع من الإنكار، حطت الحاجة في الدرج وقالت أنا ماليش دعوة بيها. والمشكلة هنا إن مصداقيتنا على المحك؛ هي مش مبسوطة من اللي عملته. وزي ما يكون ظهر لها خطر، دا تأويلي أنا للي حصل، كإنها استشعرت إن نبيل ممكن يحل المشكلة دي بإنه يسقطها هي نفسها زي ما هي أسقطت أهلها وعملت لهم بلوك نفسي. فبقى فيه عندها – وعندي بالتبعية –  تأمّل عميق لفكرة إنه إزاي الواحد يستدرج نفسه، بكل صدقه ونواياه الحسنة، لإنه يخون المبدأ اللي هو ماشي عليه، لأن المبدأ في مواقف معينة عايز تأمّل وشجاعة، مش مجرد أحكام قاطعة واضحة».

في أوائل الألفينيات، البنت والأم، كانتا، يحكيان ويسجلان ويناقشان. وجدت الابنة أن هناك، بتعبيرها «شيئًا يتحرك» أثناء الحكي، فقررت تسجيل هذا «الشيء» بالكاميرا، على أساس أنه قد يصلح لأن يكون مادة تُستخدم في فيلم «سلطة بلدي». وعلى هذا الأساس فرّغت الحوار.

أغلب الحكايات محكية من قبل في البيت، ولكن أثناء التسجيل، كان الحكي يأخذ مسارًا آخر؛ مسار التأمل في معنى الحكايات، باعتبارها تفسر الأزمة الواقعة في علاقة البنت بالأم، وفي نهاية التسجيل، بينما الأم تحكي عن أهلها، انفعلت وقالت قبل أن تجهش بالبكاء: «أحب أشوف سيرينا».

هذه اللحظة موجودة في الفيلم. هي الجزء الوحيد الذي أخذته نادية من التسجيلات كلها للفيلم: زيارة سيرينا.

«من ضمن كل المجهود الكبير اللي عملته في الفيلم، ما أخدتش من التسجيل غير العشر الثواني اللي بتعيط فيهم. كل الباقي رفض يدخل في الفيلم عشان الإيقاع والحكي ولأن الفيلم أصبح عن الحاضر، عن قصة بتحصل لنا في الزمن المضارع، التسجيل كان عايز إيقاع إن الواحد يمزمز القصص، يشوف اللي بيربط بينها ويخلي الحواديت تتنفس. فاكرة إني وأنا بشتغل على الفيلم، قلت الحواديت دي هتفرغ لها تمامًا بعد ما يخلص الفيلم. عندي كنز كبير يسمح لي إني أستنى وأعمله كتاب لما ييجي وقته».

ماري وسعد

ومتى جاء وقته؟

«بعد ما ماتت بسنة. لو كان عندي فلوس أكتر يمكن كنتُ أقدر أجيب خدمة أكبر لماما وهي عيانة. كانت عيانة في الفترة اللي ما بين موت بابا وموتها. نظريًا، لو كان معايا فلوس كنتُ هبتدي أشتغل وهي موجودة. نظريا ماكانش فيه حاجة تمنع. لكن ماقدرتش أشتغل وقتها خالص. مرض ماما كان حاجة كبيرة وماكانش عندي إمكانيات. بس لو كان معايا فلوس ما كنتش القصة حتبقى هي القصة، قصتنا قصة ناس ما معهاش فلوس وما حاولتش تحمي نفسها ماديًا».

التسجيل، وتسميه نادية «التسجيل الكبير»، كان بالنسبة لهما شيئًا مثل «قعدة العرب»: «خلاص، بقى فيه مرجعية، فيه أحاديثنا  بنقرا من خلالها الأحداث القديمة، وعلاقتنا إحنا الاتنين. بقى فيه نوع من المصالحة، خرجنا منها بفهم للخلاف وللتواطؤ الأصيل اللي كان بيننا، واللي كان راح أيام مراهقتي وشبابي».

الجلسات المطوّلة في البيت كانت مقصورة على البنت وأمها. أحيانًا كانت الأم تذهب لسؤال الأب، سعد كامل، عن أمر ما، وتعود إليها، وأحيانًا تغادر الابنة لتسأل عن أمر آخر، ولكن الجلسات عمومًا كانت مقتصرة عليهما، وبالتالي جلسات التسجيل: «قعداتي أنا وماما كان طابعها بيتغير لما حد تاني يبقى موجود. بترجع لحالة الحكي المفتوح  لما نكون إحنا بس لوحدنا».

لن تجد كل امرأة رجلًا مثل سعد كامل

قبل موت الأم في 2012، حاولت نادية إطلاعها على كلامها، على ما حكته لها أثناء دوران جهاز التسجيل. في الأوراق المكتوبة، وضعت الأجزاء التي تتكلم عن نفس الحقبة أو عن نفس الأشخاص، بجوار بعضها، حتى لا تجهد الأم أثناء القراءة، حتى تفهم ما الذي قالته.

لم تكن قدرة الأم على العمل الذهني كبيرة في أيامها الأخيرة. ومع هذا، أجرت بعض التصويبات البسيطة في معلومات معينة، ولكن الاعتراض الأبرز على إيراد قصة عبد الستار الطويلة، الزوج الأول لها، والذي تزوجته كتكنيك من الحزب لتفادي المراقبة الأمنية. بررت الأم اعتراضها بأنها قصة شخصية ولا تهم أحدًا.

هذا الموضوع كان حساسًا للغاية لدى الأم، ولدى الابنة أيضًا. في طفولتها، عرفت نادية قصة عبد الستار الطويلة من الآخرين، لا من أمها. وقتها رجعت البيت وسألت أمها عن صحة القصة فأجابت أنها «صحيحة بس ماحبش أتكلم في الموضوع دا».

لكن اعتراض الأم على إيراد القصة كان ليؤدي إلى نوع من الرقابة الذاتية في رأي نادية. «إحنا مش عاملين رقابة. إنتي بالقصة دي إديتيني نوع من الصراحة اللازمة»، قالت الابنة للأم، ثم قررت: «لو لقيت حاجات في الجوابات هدخّلها، ولو فيه حاجة بصوت عالي في التسجيلات هوطيها على نبرتك، يعني حاشيل واحط، بس إنك تخليني أعمل رقابة ذاتية دا موضوع تاني، دا هيخلي الرقابة مسيطرة عليّ. مش هاعرف!».

هل كانت محرجة من القصة؟

«مش عارفة. ماكانتش تحب تتكلم في القصة دي إطلاقًا. كان فيه درجة كبيرة من الاستفزاز والقرف إن الحكاية دي حصلت أصلًا. ويبدو إن جزء كبير من خلافي معاها كان بسبب القصص دي، وإن ماكانش بشكل مباشر. كانت بتعتقد إني ممكن أؤذي نفسي مع الرجالة وإن مش كل واحدة هتلاقي واحد زي سعد كامل. هي حست إن تجربة عبد الستار هي  تجربة بلا عائد. كانت خايفة جدًا إني أبعزق عمري في حاجة زي كدا. طبعًا دا مش محكي، دي وجهة نظري أنا. لكن أنا باشوف إن هي في كبرها عرفت تتأمل في القصة، وتشوف إنها بتعكس عوار كبير في العمل السري والديمقراطية المركزية وتأثيرها على الفرد».

التسجيل بدأ عام 2001 وانتهى (كلمة «انتهى» غير دقيقة، تعقب نادية)، مع اكتمال عمل نادية على الفيلم، عام 2005. ومن 2005 وحتى 2012، سنة وفاة الأم، لم يتوقف الحديث بين الاثنتين، يجتران المعاني والذكريات وما إلى ذلك.

سأمتلك النص، لن أستأذن منه

ما لفت نظري أكثر من أي شيء، على امتداد قراءة 550 صفحة، هو كيفية تحرير الكتاب. مادة سمعية جبارة، تمتد لعشرات الساعات، كيف جُمعت كلها في كتاب واحد، ويكون، لجانب أهميته البالغة، شيقًا وممتعًا لهذه الدرجة؟

لم تقم نادية وحدها بتفريغ كل كلام أمها. كثيرًا ما كانت تطلب من الأصدقاء مساعدتها في تفريغ ساعتين مثلًا أو ثلاث.

في 2013 كانت نادية في رام الله في زيارة تستمر لثلاثة أشهر. وكانت لديها صديقة تعمل في وكالة أنباء فلسطينية. عرضت عليها الصديقة مقر عملها كمكان للكتابة. عملت هناك نادية بدأب، ولكن المهم أنها وصلت لـ «مسكة» للمشروع:

«فهمت إني مش هبدأ من التفريغ. التفريغ موجود كدرابزين، علشان أرجع له كل ما أحب أفتكر تفاصيل معينة وأدور على القصة. قلت مش هينفع أعمل تحرير للنص لإن المصدر مش التسجيل. المصدر هو  اللي أنا عارفاه، وصوتها في ودني. كل حاجة لازم أكتبها بشكل طازج. قلت همتلك النص، مش هستأذن منه. الحتة دي لو عاوزاها هقولها، والحتة دي حلوة، لكن مالهاش مكان لكن فكرتني بقصة تانية، فبعد سنتين ابتدي أقول ممكن أجيب الحتة اللي عاجباني هنا. هتبقى أوضح أو هتخلي الإيقاع دمه أخف، أو هتدي اللمحة المناسبة في الشخصية».

هل تتذكرين جزءًا بعينه قمت فيه بهذا؟

«كل الكتاب بالطريقة دي. لكن فاكرة مثال: أنا ابتديت الكتاب بالقصة اللي أبوها، جدي، اتطرد فيها من الشغل. كنت فاكرة جملة مامتها، جدتي، قالتها لأمي: إن الفقر دخل بيتهم مع ولادتها. حسيت إن الجملة دي مدخل مهم، وبالتالي كانت الفكرة إني لازم أبدأ بأجواء البيت عشان الموضوع دا ميبقاش تقيل في الأول. الوضع كان إني برا وجوا التسجيل، برا وجوا الجوابات، ومعايا ذاكرتي أنا، أنا نفسي جزء من الملفات. أنا عارفة الست، كإن الشخصية في كياني تقريبًا، وباكتب بإيحاء منها. لو كنت بعمل مجرد تحرير لكلامها كان لازم أكتب شوية بصوتي وشوية بصوتها. أقول كلمات زي «وجلست» و«قالت»، ودا كان هيبقى ظريف، مش غلط، علشان أتكلم بحريتي؛ أقتبس من التسجيل، وأتصرف في الباقي. في الحالة دي لازم ألتزم بالتسجيل، مش بس القصص اللي فيه، كمان الطريقة اللي اتقال بها في ظرف التسجيل المعين دا».

***

ولكن هذا لم يكن له داعٍ، وتوضح أنها لم تكن تريد قول كل شيء، بل كانت تحاول- فقط- قصّ القصة بصوت الأم.

الآن، في الوضع الحالي للكتاب، وبينما القصة محكية من الألف للياء بصوت الأم، تتصور نادية  أن ماري لو قرأت الكتاب كانت لتسعد جدًا، «بالغرابة وبالسحر اللي كانت بتحب توحي به».

الفكرة في رأس البنت كانت أنها تتخيل شخصية أمها، ماذا لو أحبت هي نفسها كتابة ما سبق وحكته، كيف كانت لتحب أن تكتبه وكيف كانت تحب لصوتها أن يخرج؟ كانت تهتم جدًا بهذا، «مش عارفة أقول لك، كانت بتكلمني!».

رغم هذا، رغم أن نادية قررت عدم «استئذان التسجيل»، فهي لا تدعي أنها تدخلت بنسبة 100%:

«أنا خدت كل معرفتي بالشخصية مش بس التسجيل، وكل الملحوظات اللي عندي، مع كلامها، مع كل الجوابات والمذكرات والصور والتسجيلات مع حاجات ما كنتش أعرف إنها موجودة واتفاجئت بيها وأنا بوضب أرشيف البيت، وحاولت بكل الأدوات دي إني أغزل الكتاب دا بصوتها».

كل ما اكتشفته نادية من أرشيف أمها كان يفهّمها أشياء أُخرى. توضح: «عارف لما تجيلك معلومة فتركب على ذكرى تانية فتوضح لك حاجة تالتة؟»

إزاي فهمك للشخصية تمت ترجمته في الكتابة نفسها؟

«بطرق كتير. مثلًا أبقى قاعدة بفكر هبدأ الكتاب إزاي، فأروح أدور على قصتين تلاتة من اللي أنا عاوزاهم يبقوا في الأول. زي قصة الفقر مثلًا والبارفان والغراب وعلاقتها بجارها، إزاي دا هيركب على بعضه عشان أدي فكرة عن جو البيت بتاعها ودا رايح فين؟ إيه فايدة الأجواء دي دراميًا: هل هو مشهد أرشيفي نسمعه ونتصعب على أيام زمان؟ فكرت إنه حيوصلنا لاكتشاف ماري لهوياتها المتعددة المعقدة؛ إزاي اكتشفت إنها خوجاية، وازاي اكتشفت إن إبوها يهودي وإن أمها اشتراكية، إلى آخره. فعليًا، أي حاجة كنت بحس إن لها علاقة بالنص كنت بحطها، سواء موجودة في التسجيل أو في دماغي أو من أسئلة أو معلومات عندي. ساعات كنت بلاقي قصص عاجباني لكن مش عارفة إيه معناها. أقعد تلات أيام، أطبخ ألعب أتمشى لغاية ما دماغي تسرح والمعنى ينور فيها. فأجري على الكمبيوتر أكتب المعنى وبعدين أدور على آثار من التسجيلات، عشان أكتبهم زي ما هم. أي قصة أو تعبير أو لفتة حلوة، ومفيدة لتقوية الصوت والسرد والشخصية من التسجيلات، حاولت ما تقعش مني».

***

موقف قد يكون دالًا على هذا: صديقة لنادية علقت أن كلام ماري عن الحبس كان مقتضبًا للغاية في الكتاب، بحيث قد يبدو منه أنها لم تتأثر. علقت نادية أن هذه هي ماري، لا تحب الإسهاب في الكلام عن معاناتها. ردت الصديقة أن الكلام كان مقتضبًا بشكل متطرف، وأضافت كأنها تلتمس العذر لنادية: «بس أكيد هي ما قالتش أكتر من كدا، هتعملي إيه يعني، هتحطي الكلام في بقها؟».

استوقفت نادية سؤال «ماري ما قالتش الكلام دا فين؟»، ثم أجابت على نفسها بأن قصد الصديقة «في التسجيل»، حاولت أن تشرح لها أن التسجيل ليس المقياس، وإنما المقياس هو طبيعة ماري التي لا تحب الإسهاب في شرح معاناتها. هل حرّفت نادية كلام أمها إذن؟ يمكن، تجيب نادية: «باغيّر كلام التسجيل براحتي، لكن مش باغيّر شخصيتها».

الصوت الذي أهتدي به

أول «طلعة»، بتعبيرها، كانت الأربعون صفحة المكتوبة في رام الله، والتي صحيح أنها  تغيرت هذه مرات عديدة، جرت «صنفرتهم» مرات عديدة، ولكن من ناحية السرد، كانت هي حجر الأساس بالنسبة لكتاب نادية، «نحن سنبدأ من هنا»، تقول.

أما أول مسودة مكتملة، فأنجزت عام 2014. كل ما فعلته نادية بعدها أنها قرأت الكتاب عدة مرات. العلاقة بالصياغة الأصلية للتفريغ  انتهت تمامًا مع أول مسودة. ثم ظهرت خمس مسودات توالدت من بعضها البعض، تتذكر فيها نادية مثلًا قصة بعينها، أو تظهر مشكلة في السلاسة فتحاول استدعاء قصة أخرى لتنعيم الإيقاع مثلًا.

ردود فعل مَن قرأوا المسودات، ورد فعلها هي نفسها لدى إعادة القراءة، كانت مطمئنة بالنسبة لها.

بعد انقطاع صلتها تمامًا بالتفريغات الأصلية، رجعت قبل النشر  لقصة أو اثنتين، من القصص التي حررتها مرارًا وتكرارًا، فوجدت أن الكلام لا يزال يُسمع بصوت الأم:

«كنت خايفة إني لما أقرا عينة من التفريغ بعد أربع سنين شغل هاحس باغتراب، أو بغرابة، وصحيح الكلام متغيّر والترتيب متغيّر. لكن الصوت اللي كان في ودني، واللي أنا شغالة به، لسا هو هو. الناس اللي كانت تعرف ماما وبتقرا الكتاب كانوا بيفتكروا صوتها، والناس اللي ماتعرفهاش كانوا بيقولوا لي إنه صوت قوي».

لغات عديدة، وللعربية الكلمة الأخيرة

من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة، تتكلم الأم في الكتاب بالعامية المصرية.

تخبرني نادية أن كثيرين ممَن قرأوا الكتاب أحسوا بلكنة ما في صوت الأم.

تنفي الابنة وجود اللكنة تمامًا، ومعها الحق، ولكن يبدو لي أن هناك تفسيرًا لإحساس القراء باللكنة، فصحيح أن الأم تحكي بعامية مصرية سليمة تمامًا، إلا أنها تحكيها ببراءة وصدق شديدين، هي أبعد ما تكون عن عامية المثقفين كما نعرفها. يمكنها نقد نظرية عن طريق النطق بجملة مثل «مش عارفة! ماحبيتش النظرية دي»، بحجج مرتبة وشديدة المنطقية، ولكن أيضًا بلغة شديدة البساطة.

في البيت، كانت الأم أصلًا تتكلم بالعربية طول الوقت. لم تكن تتحدث مع ابنتها بلغة أُخرى إلا في ظروف نادرة، عندما يحضران برنامجًا بالفرنسية فيعقبان عليه بالفرنسية، أو عندما يكون بجوارهما شخص آخر ولا يريدان منه فهم ما يقولانه. ولكن طول الوقت اللغة الأصلية هي العربية.

«كنت متخيلة إنها لما تتعب في الآخر، هتنقل على لغة تانية، وماحدش كان هيستغرب منها ساعتها. كنت متخيلة إني هشوفها بتلخبط وبتتكلم بالطلياني على فرنساوي في الآخر، لكن لاقيتها بتتكلم بالعربي لحد آخر كلمة».

بل أنه في لحظة ما، أثناء التسجيل، عرضت الابنة على الأم الانتقال للغة أُخرى. فكرت البنت أن الأم ربما تجبر نفسها على الكلام بالعربية وأن هذا قد يكون شاقًا عليها. ووافقت الأم، بدأت تتكلم بالفرنسية، ثم أعلنت أنها تريد المواصلة بالعربية مبررة هذا بأنها تفكر بالعربية قبل أن تتكلم بالفرنسية. الغريب، والذي لا تجد نادية تفسيرًا له، أنها اختارت الفرنسية لتنتقل إليها قبل أن تفشل محاولتها، وليس لغتها الأم، الإيطالية.

الأم كانت لديها طريقة رائعة في الانتقال بين الفصحى والعامية، تقول الابنة. كانت دقيقة جدًا في اختيار الكلمات. تدرك معنى الكلمة المستخدمة:

«هي أول واحدة مثلًا أسمعه يقول كلمة فلول، وأنا عندي عشر سنين يعني في السبعينيات. بتحكيلي قصص الجيش الإيطالي اللي أمها حكيتها لها فقالت لي فلول جيش الفاتيكان، فأنا أسألها يعني إيه فلول فتقولي إنها بواقي الجيش».

في الكتاب، استخدمت نادية هذه العلاقة بين العامية والفصحى، محاولة تطويع الكلمة العامية لتبدو كفصحى، أو العكس، حتى لو لم تستخدم الأم نفس الكلمة المشار إليها: «زي أي شخصية بتكتبها، بتستخدم  الخواص اللغوية بتاعتها حتى لو ما سجلتش في ملاحظاتك إنها قالت الكلمة اللي أنت استخدمتها بالتحديد».

دارت مناقشة خفيفة بين نادية ودار نشر «الكرمة» عندما قررت نشر الكتاب. كل الكلمات والأسماء ذات الأصول اللاتينية وضعتها في الكتاب باللاتينية، ولكنها سببت «كركبة» كبيرة في النص، خاصة في الفصل الأول لأنه يدور في أوساط الخواجات. ثم قيل لها في دار النشر إن سياسة الدار تقتضي حذف كل الكلمات اللاتينية.  فاعترضت وطالبت بحل وسط، وجرى التوصل له:

«كل أسماء الأعلام اللي من أصول أوروبية تتكتب بالحروف العربي زي ما كانوا عاوزين، مثلًا خالي برتو وجدي إيليا. لكن الجمل والتعبيرات والاقتباسات، زي  الاقتباس من الكوميديا الإلهية لدانتي مثلًا، تتكتب باللاتيني والترجمة العربي تيجي بشكل طبيعي في متن النص. ساعتها اللاتيني ممكن يدي نكهة من غير ما يطغي على النص، زي اللمون في كيكة البلح اللي كانت ماري بتعملها لو زاد يروح طعم البلح، ولو اتشال ينطفي الطعم برضه».

اعلان
 
 
نائل الطوخي