Define your generation here. Generation What
مصر وإثيوبيا تقتربان من «ملء سد النهضة»
 
 
السيسي ورئيس وزراء الإثيوبي في القاهرة
 

قالت مصادر مصرية وإثيوبية متطابقة إن الخلاصة الأهم للزيارة التي قام بها رئيس وزراء إثيوبيا «أبي أحمد» إلى القاهرة الأحد الماضي، واستمرت لثلاثة أيام، هي حدوث تفاهم مباشر بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الحكومة الإثيوبية حول بدء صياغة اتفاق قانوني يخص ملء سد النهضة الإثيوبي، وذلك في ضوء اقتراب أديس أبابا من اكتمال أعمال بناء الخزان، الذي سيتمّ ملؤه بنحو 75 مليار متر مكعب على ثلاث مراحل لأغراض توليد ضخم للكهرباء.

وبحسب ذات المصادر، فرغم ما أبداه «أبي أحمد»  من لطف كبير، وتعبيرات متكررة حول «تفهم» إثيوبيا الكامل لأهمية ملف مياه النيل بالنسبة للشعب المصري وبالتالي تأثير «أي مشكلة كبيرة» في هذا الملف على «موقف الرئيس (السيسي)»، فإنه أيضًا أبدى بشكل واضح اعتزام بلاده التحرك نحو الملء الأول للخزان في خريف العام الجاري.

يقول مصدر دبلوماسي إثيوبي مُطلِّع على تفاصيل المفاوضات: «إن الأجواء كانت إيجابية جدًا بين الرئيسين. ولكن رئيس وزراء إثيوبيا والرئيس المصري يمثلان مصالح بلدين فكان حديثهما ودودًا، وإن كان صريحًا لأبعد مدى» .

 وبحسب مصدر دبلوماسي مصري، قام السيسي بتوديع رئيس الوزراء الإثيوبي في مطار القاهرة، وذلك بعد زيارة استغرقت ثلاثة أيام. وذلك لإبداء مصر الحرص على وجود ندية في العلاقات بين البلدين لتجاوز شكاوي إثيوبيا لوسطاء، من بينهم الإمارات العربية المتحدة، واسرائيل، وعدد من الدول الأوروبية، وكشفت هذه الشكاوى أن القاهرة تتعامل مع أديس أبابا بتعالٍ غير مبرر. في حين تجد إثيوبيا دعمًا كبيرًا من كل دول حوض النيل بما في ذلك دولة المصب الأُخرى؛ السودان.

وكان «أبي أحمد» قد قام بالفعل خلال الأسابيع القليلة الماضية بزيارة كل من أوغندا والسودان، حيث حصد دعمًا كبيرًا فيما يتعلق بحق إثيوبيا في المضي قُدُمًا في سد النهضة، الذي بدأ بناؤه قبل ست سنوات، والمفترض أن يشهد العام الجاري احتفالات شعبية ضخمة بالبدء في الملء الأول.

بحسب المصدر الإثيوبي، فإن السيسي وأبي قد أقرا بأن الوقت قد حان للبدء في التفاهم على اتفاقية ملء السد، بينما أكد المصدر المصري أن الاتفاق كان حول «التفاوض»، وليس «التفاهم» .

ويفترض أن تشمل هذه الاتفاقية كافة التفاصيل الفنية المتعلقة بسُبل الملء ومدته.

وبحسب المصادر المصرية التي تحدثت مع «مدى مصر» عبر الشهور الماضية، فإن «مدة الملء» هي الأمر الوحيد الذي ستفاوض مصر عليه بدون هوادة لأنها بتوقيعها على اتفاقية الخرطوم مع إثيوبيا والسودان في 2015 قد أنهت قانونيًا كل التحفظات على بناء السد بما فيها كل تعليق كانت القاهرة قد ضمنته لعدد من الجهات المانحة التي كانت توفر دعمًا لإثيوبيا. ويمثَل هذا الاتفاق اعترافًا، بل قبولًا مصريًا بحق إثيوبيا في بناء السد دون أي شروط تتعلق بتفاصيل البناء أو الملء أو التشغيل.

وترفض إثيوبيا بصورة قاطعة ربط كمية المياه بمعدل سقوط الأمطار سنويًا، وهو ما كرره أبي أحمد خلال زيارته للقاهرة. وتصرّ أديس أبابا على أن أقصى ما يمكن أن تقدّمه هو التوصل لتفاهم حول متوسط لسقوط الأمطار، ومتوسط مستوى المياه في بحيرة أسوان يتمّ على أساسها تقدير حق إثيوبيا في الملء، وهو الأمر الذي لا ترتاح له مصر لأن الحديث عن متوسط سقوط الأمطار يتجاوز احتمالات فعلية في السنوات المقبلة من الأمطار المتراجعة، وهو ما يضع مصر في موقف بالغ الحساسية.

تزيد هذه الحساسية في ضوء أن الخرطوم أبلغ أديس أبابا والقاهرة عبر الشهور الماضية، بحسب مصادر مصرية وسودانية وإثيوبية، أن القاهرة اعتادت أن تأخذ إلي جانب حصتها السنوية المقررة بنحو 55 مليار متر مكعب حصة السودان التي تقدر بنحو 18 مليار متر مكعب، وذلك لمدة سنوات نظرًا لعدم استخدام السودان لها.

ويقرّ مصدر مصري حكومي آخر أن الرئيس السوداني عمر البشير يرفض تغيير موقفه الداعم لإثيوبيا في حال لم تتحرك القاهرة نحو القبول بالطلب السوداني بالتفاوض بشكل مباشر حول ملف حلايب وشلاتين الحدودي، وهي المنطقة التي يصرّ السودان على تبعيتها لبلادها، أو قبول مصر بالتحكيم الدولي في هذا الملف. بينما تقترح القاهرة أن تتحوّل المنطقة الحدودية لمنطقة تكامل صناعي، مع رفضها لمقترحي الخرطوم.

التفاوض حول اتفاقية الملء

بحسب المصادر المصرية، فإن التفاوض على اتفاقية الملء لن يكون أمرًا سهلًا؛ بسبب التفاصيل الفنية المعقدة، والتباين الكبير بين المدة التي تقترحها القاهرة وتتراوح بين 7و 10 سنوات، بينما تقترح أديس أبابا أن تكون المدة ثلاث سنوات، وذلك بعد أن كانت القاهرة قد بدأت التفاوض بمقترح أن يحدث ذلك خلال عشرين عامًا.

كما يقول المصدر الحكومي المصري: «الإثيوبيون أهدروا سنوات طويلة في التفاوض وفي إبداء حسن النية، وتقديم الوعود دون أي التزام حقيقي علي الورق، بل إنهم كانوا في بعض المفاوضات يقرون بالموافقة على بعض المطالب التي يتقدم بها الوفد المصري، ثم يرفضون التوقيع على ما أقروه أثناء جلسات التفاوض» . ويضيف الحكومي المصري: «سنرى ماذا سيفعلون إزاء الملء»، ويوضح أن إثيوبيا كانت في البداية تعتزم بناء سد مختلف، وذلك من حيث التصميم، وأيضًا الطاقة التخزينية.

ولكن أديس أبابا قامت بتعديلات كبيرة في التصميمات أدت لمضاعفة الطاقة التخزينية الأصلية دون الرجوع لمصر، وبالتالي فإن أحدًا لا يستطيع أن يقطع بأن أمورًا مماثلة لن تقع في المستقبل، بحسب المصدر المصري.

فيما يقول المصدر الإثيوبي إن اجتماعات لمجموعات فنية تمثل مصر والسودان وإثيوبيا ستعقد خلال الأيام القليلة المقبلة للنظر في التفاصيل الفنية وتقديم مقترحات واضحة بشأنها للوفود الرسمية التي ستعاود اجتماعات لوزراء خارجية، والمياه، ومديري المخابرات بالبلدان الثلاثة، «وذلك سيحدث خلال النصف الثاني من شهر يونيو على الأرجح»، بحسب المصدر. وتعرف هذه الاجتماعات بـ «آلية الاجتماعات التساعية» ، والتي تمّ إطلاقها قبل شهور قليلة.

ومن المقرر أن يُصاغ نص مبدئي في القاهرة لاتفاقية الملء تشارك فيها الجهات المعنية ليتمّ عرضه على الرئيس خلال ما لايزيد  عن شهر، ليتمّ مراجعته بوصفه المقترح المصري الذي سيتمّ وضعه على المائدة مقابل مقترح إثيوبي.

وتجري القاهرة اتصالات دبلوماسية وسياسية رفيعة المستوى لضمان تجاوب إثيوبيا مع إطالة عملية ملء خزان السد خاصة في المرحلة الأولى، وذلك بالتزامن مع عملية صياغة الاتفاق.

وبحسب مصدر مصري ثالث، يمثل هذا الاتفاق ورقة الإنقاذ الأخيرة لمصر، في حال تمسكت فيه بتفاصيل تقلّل إلى أقصي درجة ممكنة من الضرر المائي الذي سيلحق بها حتمًا، أو ورقة الإذعان الأخيرة في حال ما اضطرت القاهرة للخضوع للضغوط الإثيوبية بالسير في اتجاه ملء السد دون اتفاقية مشتركة في ضوء الإقرار المصري بحق أديس أبابا في بناء وتشغيل السد، «ليس فقط بموجب اتفاقية الخرطوم 2015، ولكن أيضًا بموجب التصريحات العديدة التي صدرت في هذا الشأن من القاهرة على أعلي مستوي»، بحسب المصدر نفسه.

ويضيف: «لقد كانت هناك مقترحات تمّ التداول بشأنها أن تتحرك مصر لإسقاط اتفاقية الخرطوم خاصة أنها لم تحظ في أي مرحلة بموافقة المجلس التشريعي. ولكن السلطة التنفيذية رفضت الأمر قطعيًا، كما أنها رفضت التحرك على مسار قانوني أو سياسي دولي لممارسة الضغط على إثيوبيا.. والآن فعلينا أن نمضي قُدُمًا نحو صياغة هذا الاتفاق بأكبر قدر ممكن من التحسب» .

فيما تسعى القاهرة لإنشاء أُسس للتعاون المشترك المتعمق مع إثيوبيا والسودان لضمان تحسين الأجواء في العلاقات مع البلدين، بحسب المصادر.

ويقول الدبلوماسي الإثيوبي، ونظيره السوداني، إن بلديهما يحرصان على التعاون مع مصر. لكن مع توقع أن تبدي القاهرة تفهمًا لمطالب إثيوبيا، والتي تتعلق بالأساس بطبيعة العلاقات المصرية الإريترية، وذلك في ضوء العلاقات المعقدة بين إثيوبيا وإريتريا، فضلًا على اعتراض أديس أبابا على التواجد العسكري المصري غير المبرر بدولة القرن الإفريقي، بحسب وجهة النظر الإثيوبية. كما ينتظر السودان تفهمًا مصريًا مماثلًا فيما يخص ملف حلايب وشلاتين، وإدارة الحدود بين البلدين الجارين.

اعلان
 
 
أسمهان سليمان