Define your generation here. Generation What

لماذا يملك الرئيس وحده سلطة العفو؟

أثار وجود اسم رجل الأعمال «مجدي إبراهيم محمد طبيخة» ضمن كشوف العفو الرئاسي عن بعض المتهمين استياء البعض، لمجيء قرار العفو عن رجل الأعمال المتهم في قضية قتل، بعد أسبوعين فقط من صدور حكم محكمة النقض المصرية في الطعن المقدم من رجل الأعمال «المتهم» بتأييد الحكم بالسجن المؤبد.

وما أثار مزيدًا من الدهشة هو أن اسم «مجدي طبيخة» في قائمة العفو الرئاسي جاء تاليًا لاسم «صبري حلمي حنا»، الشهير بـ «صبري نخنوخ»، الذي أفرج عنه الرئيس السيسي، في أثناء قضائه حكمًا بـ «المؤبد» أيضًا، وذلك قبل إعادة محاكمته، التي لا تزال جارية الآن.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تتضمن فيها قوائم العفو متهمين من هذه النوعية، ففي يونيو 2017، صدر قرار بالعفو عن رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، المُدان بقتل الفنانة سوزان تميم. وفي سبتمبر 2016، صدر قرار بالعفو عن اللواء محسن شتا المحكوم عليه بالسجن لخمس سنوات بقضية مذبحة استاد بورسعيد.

العفو الشامل والعفو عن العقوبة

وبما أن الجرائم التي سبق وأدين بها هؤلاء هي من الجرائم ذات الخطورة المجتمعية، لكونها جرائم قتل وإحراز أسلحة مختلفة الأنواع، فإن هذا ما دفعنا للتعرض لمفهوم «العفو الرئاسي»، وهو قرار يصدر من رئيس الجمهورية بموجب صلاحياته في دستور 2014، وبنصّ المادة 155، وبمفادها فلرئيس الجمهورية، بعد أخذ رأى مجلس الوزراء، «العفو عن العقوبة، أو تخفيفها، ولا يكون العفو الشامل إلا بقانون، يُقر بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب».

حددت المادة 155 من الدستور نوعيَن من قرارات العفو، وهما قرار «العفو عن العقوبة»، وقرار «العفو الشامل». وليس الاثنان واحدًا، حيث شرح قانون العقوبات ضوابط لتطبيق قرار «العفو عن العقوبة»، تختلف عن تلك الخاصة بـ «العفو الشامل».

لا يُشترط وجود قانون سابق لصدور قرار «العفو عن العقوبة»، والذي يصدر من رئيس الجمهورية لمَن أدين بحكم قضائي، ويكون إما بإسقاط العقوبة كلها، أو بعض منها، أو إبدالها بعقوبة أخف، أما بالنسبة لقرار «العفو الشامل» فلابد لصدوره من قانون سابق يُقَر بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب.

ولا يشمل «العفو عن العقوبة»، سواء بإسقاطها أو بتخفيضها، العقوبات التبعية، إلا إذا نصّ قرار العفو على ذلك. ويُقصد بالعقوبات التبعية، في قانون العقوبات مثلًا، العزل من الوظائف الأميرية، وكذلك وضع المحكوم تحت مراقبة البوليس، ومنع التحلي بأي رتبة أو نيشان.

أما قرار «العفو الشامل» فلابد من صدوره في شكل قانون. وحسب نصّ المادة 155 من الدستور، فلابد أن يصدر بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب.

من السلطة المنفردة إلى استطلاع الرأي

بعد الضجة المجتمعية الناتجة عن استخدام الرئيس الأسبق محمد مرسي لصلاحياته المنصوص عليها بدستور سنة 2012، في العفو عن بعض العناصر التي تمثل خطورة مجتمعية، انطلاقًا من الحق الدستوري المنفرد لرئيس الجمهورية.

وبحسب نصّ المادة 149 من هذا الدستور، تعمد دستور 2014 إلزام رئيس الجمهورية أن يستطلع رأى مجلس الوزراء تجاه قرار العفو قبل اتخاذه. ولكن ذلك على نحو جعل من رأي مجلس الوزراء لا يتعدى في أفضل الأحوال الرأي الاستشاري، إن كان له وجود من حيث الواقع.

وإذا كان من السلطة الدستورية لرئيس الدولة إصدار قرارات بالعفو عن بعض المتهمين، وإذا كان الفقه القانوني استقر على أن مثل هذه القرارات تُعد من قبيل أعمال السيادة، وبالتالي تخرج عن رقابة القضاء، إلا أن التطور في المفهومين القانوني والدستوري في العالم يحد من سلطة رئيس الدولة في استخدام هذه الصلاحية بشكل منفرد، حيث أوجب الدستور الفرنسي لسنة 1958 مثلًا أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى، والذي يصدر رأيه بناء على توصية من وزير العدل.

في المجمل، يؤيد كاتب هذه السطور وجهة النظر الداعية إلى عدم جعل سلطة رئيس الدولة مطلقة في هذا المقام، ما يعني أنه من الواجب أن تكون هناك شروط للعفو الرئاسي، ويجب أن تُحدد حالته، وألا يترك برمته لرئيس الدولة. فمن حق الشعب معرفة سبب صدور العفو عن بعض المجرمين، ونوعية الجرائم الصادر بصددها قرار العفو.

بالإضافة إلى أن هناك مَن يشير لاستثناء بعض الجرائم من قرارات العفو، وأهمها جريمة القتل، لما تمثله من خطورة مجتمعية، بالإضافة إلى إقرار بعض النظم القانونية بلزوم قضاء المحكوم عليه لمدة زمنية محددة من العقوبة، حتى يمكن أن يشمله قرار العفو، أو قائمة العفو الرئاسي.

وأتفق كثيرًا مع وجهات النظر التي تميل إلى عدم تعليق الأمور برغبة رئيس الدولة، في غيبة بعض السلطات الأُخرى ذات الصلة أو دون مشاركتها. ولابد أن تكون هذه الجهة في تلك الحالة هي مؤسسة القضاء، ما يوجد نوعًا من الرقابة أو التشاركية، من قِبل جهة معنية بالأمر يمكنها تحديد من يستحق العفو ومن لا يستحقه.

وإن كنت أميل إلى التطورات الحديثة في علم العقاب، ودور المؤسسات العقابية، وتطور بعض النظم إلى البُعد عن العقوبات السالبة للحرية قدر المستطاع، وعدم اللجوء إليها إلا في أضيق النُطق وفي مجموعة من الجرائم التي تمثل خطورة حقيقية على أمن المجتمع، واللجوء بدلًا من العقوبات السالبة للحرية إلى البدائل الحديثة التي تناولتها العلوم الاجتماعية، والمطبقة في بعض البلدان، لكن في حالة المحكوم عليهم داخل السجون بالتحديد، والذين هم بالتالي موضوع للعفو الرئاسي، فيجب أن تبتعد هذه القرارات عن مسميات القرارات السيادية، أو تصاغ النصوص الدستورية المنظمة لها على نحو يسمح بإعادة إصدار قوانين تنظم الموضوع برمته، وتضع شروطًا صالحة للتطبيق، وقوائم للجرائم التي يشملها قرارات العفو، كما تحدد حدود السلطات المشاركة في صناعة ما يسمى بـ «قرار العفو» أو بـ «قانون العفو»، بحيث لا ينفرد به رئيس الدولة، كما هو وارد بالدستور المصري الأخير، والذي صحيح أنه يشير نصيًا لضرورة مشاركة مجلس الوزراء في القرار، إلا أن هذا، حتى لو صدق، لا يخرج الموضوع برمته من حدود وسلطان السلطة التنفيذية برئاسة رئيس الدولة، ما يحول، في المحصلة الأخيرة، دون الرقابة الحقيقية على آلية اتخاذ قرارات كتلك.

اعلان
 
 
طارق عبد العال