Define your generation here. Generation What

عن الشِعر وكرة القدم: تعالَ معي إلى كأس العالم

موسكو التي منذ عقود قليلة دفنت ديكتاتورية البروليتاريا بخشونة وغلظة، تستقبل الآن كرة القدم في بطولتها الأكبر (كأس العالم)، دون أن تنتبه فيما أظن إلى أنها تستقبل لعبة ديموقراطية تتفوق على أعرق الديموقراطيات، لأنها لو انتبهت قد ترتجف، خاصة أنها استبدلت ديكتاتورية بديكتاتورية، لذا سأبدأ مقالتي هكذا، ليس صحيحًا أن القش يحترق، إنها البلاد البليدة والحدائق المهملة، إنه الهتاف، إنه عصر الجماهير الغفيرة، ليس صحيحًا أنني لم أفق من نومي بعد، وأنني أشعر بالراحة لأن أحدًا لم يظهر، ولأنني تخيلت بطرسبرج راقصة باليه، والسماء فوقها قصيدة منسية، وحده ديستوفيسكي هو الذي قد ينبهني إلى أنه في البدء لم تكن الكلمة، اكتشفت ذلك عقب ولادتي، لأنني في أواسط الخمسينيات كنتُ طفلًا يعيش في حواري القاهرة، ويحلو له صباح كل يوم أن يغادر البيت ليشاهد الأطفال الآخرين الذين يمتلئون بالصياح والركض، الذين يمتلئون بالبهجة، أذكر أنه قد أتيح لي أيامها أن أركض أولًا وراء كل شيء، حتى استوت قدماي، فتعلمتُ الركض وراء أمي، ثم وراء أبي، ثم وراء أية كرة، الكرة الشَراب، والكرة الإسفنج، والكرة البالونة، والكرة الجلد، والكرة المستوردة، ولكني لمّا لعبت بالأخيرة أحسست وكأنني فقدت ماء بهجتي، على الرغم من أنها كانت أكثر خفة وأكثر صلابة، فيما بعد سأتذكرها كلما تذكرت ظهر مارلين مونرو، هل تذكرون مارلين مونرو، هل تذكرون ظهرها، إلا أنه، وهذا ما أحسه حتى الآن، كان ظهرًا طائشًا، مثله مثل الهواء المستعمل، وبعد أن كبرتُ وأصبحتُ قادرًا على المشي وحيدًا، أفهمني كل العقلاء أن الكبار لا يلعبون، وأنهم هكذا يصبحون كبارًا، فانفلقت نفسي إلى نصفين، أحدهما كان يصرُّ على اللعب سرًا، والآخر كان يتجهم، خاصة إذا واجهته امرأة أو فتاة، وكنت إذا انفردت بنفسي، لا أكتفي بالأحلام وممارسة العادات السرية، كنتُ أحيانًا أفكر في الصياح والركض، وأستعين على ذلك إما بمشاهدة مباريات الكرة في التليفزيون، وإما بمشاهدة نفسي عبر خيالي، وكأنني ألبس فانلة حمراء وشورتًا أبيض وجوربين أسودين وفردتي فوتبول سوداوين، وفيما بعد لن أكتفي بذلك، لأنني سوف ألاحق بعض الشعراء والكُتّاب الذين حكوا عن فشلهم في أن يكونوا لاعبين حقًا، وسوف أحبهم، قرأت سيرة الشاعر الروسي يفجيني يفتوشنكو «العمق الرمادي»، الذي كان يكتب الشعر في الليل، ويلعب كرة القدم في النهار، حتى أنهم جميعًا تنبأوا له بمستقبل زاهر كحارس مرمى، ولمّا أصبح زملاؤه نجوم كرة محترفين ظلوا يغبطونه لأنه صار شاعرًا، وقرأتُ بعض ذكريات نجيب محفوظ التي تُوقفنا على حدود صحراء العباسية، وفيها لعب وزامل حسين حجازي، عفوًا، الكابتن حسين حجازي، أسطورة الكرة المصرية فيما بعد، الغريب أن الشعراء العرب كانوا دائمًا أكثر جدية، ظنوا أن الشعر فقط علامة استفهام، فقط نبوءة ورؤيا، فقط أغنية في أذن الحاكم، وأحيانًا قليلة أغنية في أذن الشعب، وأحيانًا صراخ يتكرر، لم نسمع عن ألعاب السيّاب والبياتي ونزار قباني وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي، لم نسمع عن ألعاب سعيد عقل وأنسي الحاج، باستثناء ألعابهم مع النساء أو مع الحداثة أو مع الأنظمة السياسية التي أجبرت شعراء آخرين على أن يصبحوا لاعبي سيرك، دون أن يشعروا بأن السياسة، أعني سياساتهم، أصبحت الشكل الأسوأ للإنسان، خاصة أنني رأيتهم خلسة وعلانية، في سرداب ما، وفي ميدان عام ما، رأيتهم يلصقون ظهورهم بالهواء ويكتبون على الحوائط قصائدهم التي تشبه يوميات الديكتاتور المسلح، الديكتاتور المنبوذ، مما أجبرني وأجبرنا وأجبرهم على اللجوء إلى اليأس، لولا أنني سمعت دبدبات أقدام الأُلتراس: طق طق طق، وصيحاتهم: يسقط يسقط يسقط، قلتُ: سيمنعونها، الدبدبات والصيحات، وقبل أن أتمّ قولي، وأموت من اليأس، قلتُ: ستظهر ثانية، طق طق طق، يسقط يسقط يسقط، فابتسمت، لكن ابتسامتي اتسعت عندما بالمصادفة البحتة قرأت إدورادو جاليانو أنه في سبتمبر سنة 2003 جرت مباراة كأس العالم للنساء، في نهاية المباراة، كانت الألمانيات هن البطلات، وفي سنة 2007 فزن بكأس العالم مرة ثانية، لم تكن هذه نزهة في ممر في الحديقة، من سنة 1955 إلى سنة 1970 كانت النساء الألمانيات ممنوعات من لعب كرة القدم، أيامها شرحت جمعية كرة القدم لماذا، لأنه في القتال من أجل الكرة تبهت الرشاقة الأنثوية، ويعاني الجسد والروح من الأذى، أما استعراض الجسد فيخترق قواعد السلوك والحشمة، بعد أن انتهيت من جاليانو، لم أفكر في إرنست هيمنجواي وعزيز نسين، وهما رياضيان بالكتابة أو بالفعل، فكرت أكثر في الاستعانة بالسيدة التي سوف أطلق عليها لقب الصديقة الفرويدية، لأنها تشك في كل دوافعي، ولما تمتاز به من دكتوراه في علم النفس، وخبرات في علم التأويل، لكنها فور أن قابلتها، وقبل أن أطرح عليها سؤالي، ضحكتْ وغمزتْ واستغرقتْ، وفاجأتني بالقول إن النساء نادرًا ما ينفعلن في أثناء فرجتهن على المباريات إلا لحظة إدخال الهدف، الجول، لحظة الإيلاج، عندئذ تصيح المرأة وهي في حالة شهوانية جزلة: جول جول جول، واصلت الصديقة الفرويدية كلامها، لا تعترض بحجة أن المرأة تمارس هذه الألعاب، فهي مثلها مثل كل كائن يمكن أن تتكيف منذ الصغر على هذه الممارسة، إلا أن ألعابها ستظل ألعابًا ذكورية صرفة، وفي غفلة من نفسها همست لي: هل تذكر السيدة مارتينا نافرتيلوفا، لاعبة التنس الأشهر، قلتُ: لم أحبها، قالت: لأنك رجعي ومتوحش، لقد كانت مثلية الجنس، ليزبيان يعني، لها زيجة أو زيجات مع زميلات، ولها اعتداءات متواترة على أُخريات، لقد كانت خارج وضعيتها كامرأة خالصة، لذا نبغت وتمكنت، إن بعض الآراء النسوية التي تحرص على الحرب ضد الرجل عن طريق الاستغناء عنه وعن عطاياه الجنسية، كما نادت جيرمين غرير، تحرص أيضًا على أن تقبل المرأة الخروج على وضعيتها الجنسية كامرأة في سبيل تحقيق أهدافها ونيل حقوقها، أي أن تكون مثلية بصفة مؤقتة، جيرمين غرير لا تنكر متعة امتلاء فرج المرأة بآلة الرجل، ولكنها تؤْثر الاستغناء عنها، طوال زمن النضال، وعليه فإن المرأة ستلعب الألعاب الذكورية، إن عقدة الخصاء التي طاردت المرأة كثيًرا، تطاردها في ميدان اللعب أيضًا، وأبرز هذه الألعاب هي كرة القدم، أرجو ألا تنسى أنني فرويدية جدًا، ثم صححت نفسها، أرجو ألا تنسى أنني من مدرسة التحليل النفسي، وأنني أفضل الاحتمال على القطع، وأنني مازلت أحب التمييز بين الكائنين، المرأة والرجل، كما أحب توحيدهما عن طريق شروط الغرام وشروط الجنس وشروط اللعب.

كانت أدوات ألعابنا التي نغرفها من مخزن الطبيعة أو مخزن البيئة تبدو لنا خالدة

اللعب ضرورة

عمومًا إذا كان اللعب حاجة أساسية مثله في ذلك مثل الطعام والشراب والنوم والتنفس والرقص والجنس والفن، فإنّ تأخّر بعض هذه الحاجات في الترتيب لا يعني أنه تأخر في المستوى والدرجة، صحيح أنه لكي تلعب لا ينبغي أن تكون جائعًا أو عطشًا أو محرومًا من النوم، لا يمكن أن تلعب وأنت مخنوق دون تنفس، بعض هذه الحاجات يتطلب أن تناله آنيًّا وكل لحظة كالتنفس، ولا يمكن أن يقوم به أحد غيرك نيابة عنك، بعضه يتطلب أن تناله في أوقات متقاربة كالشراب والطعام ولا يمكن أيضًا أن يقوم به أحد غيرك نيابة عنك، البعض الآخر من هذه الحاجات يمكن أن يتأخّر، يمكن أن تنوي القيام به ولا تتجاوز حد النية، يمكن أن تحلم فقط بالقيام به، يمكن أن تقمعه، يمكن ألا تقوم به نهائيًا، لذا فإن هذا البعض الآخر يقبل أن يتحوّل إلى عمل، إلى مهنة يحترفها بعض البشر، الرقص حاجة أساسية ولكننا لن نموت إذا لم نرقص، فينا أشياء ستموت، لكننا لن نموت، الجنس حاجة أساسية يمكن أن نحيا من دونها، كأننا رهبان أو راهبات، قد نتشوه، لكننا سنحيا، اللعب كذلك، وعليه فقد ظهر ومنذ أزمنة بعيدة راقصون محترفون وراقصات، كنتُ أشتهي «تاييس» أناتول فرانس، التي رأيتها بعين الفلاح، وليس بعين الكاهن، وسهير زكي، وتحية كاريوكا وقد اشتهاها أيضًا إدوارد سعيد، وظهر لاعبون محترفون ولاعبات، وبائعو هوى وبائعات، كلهم يمارسون الرقص أو الحب أو اللعب نيابة عمَن لا يمارسونها، وهذه الإنابة تحقق غطاء تعويضيًا للحاجات الأساسية عند المحرومين، صحيح أن المجتمعات البدائية أقل لجوءًا إلى الاحتراف من المجتمعات الحديثة، لأن الجماعات البدائية منظمة في سبيل ضمان البقاء الجماعي في ظروف الوجود بالغة الصعوبة، وكل فرد ملزم بالمشاركة في الإنتاج، وعمل كل فرد ضروري لبقاء الجماعة، والتنظيم الاجتماعي في هذه الجماعات ينزع إلى الاحتفاظ بالحد الأقصى من المساواة بين أفرادها، وصحيح أن المجتمعات البدائية أيضًا كانت لا تعرف غير الفعل، إنه شرط البقاء، بينما المجتمعات الحديثة المشكّلة من طبقات اجتماعية حيث لا يمكن لكل أعضاء هذه المجتمعات تكريس أنفسهم لما اصطلح على تسميته بنشاطات وقت الفراغ، لذا سوف تسود الإنابة والمشاهدة على الفعل، الاحتراف غربة عن الفعل، الاحتراف اغتراب، الاحتراف يجعل أغلبيتنا عاجزة ويتيح لتقسيم العمل أن يصنع عجزنا في غفلة منّا.

الرجوع إلى فرويد

صديقتي الفرويدية الجميلة ستردد بإعجاب جملة فرويد، كل امرأة تسكنها بغيّ، ثم ستوضح أن البغاء ينطوي على رغبة في التعدد، وكأن كل امرأة تسكنها رغبة في التعدد، بعد ذلك ستحوِّر جملة فرويد لتطال بها مستوى آخر من أصول التكوين: كل إنسان تسكنه بغيّ، رجلًا كان أو امرأة، كل إنسان يسكنه راقص أو لاعب أو فنان أو كاهن أو نبي، وهذا قد يكون سببًا آخر وجيهًا للحاجة إلى احتراف مهن الرقص والبغاء والفن واللعب والكهانة والنبوة، يجب مراعاة التفاوت الاجتماعي الظاهر بين هذه المهن من حيث الازدراء والتقديس، بعضها ازدراه الناس في زمن، وقدسوه في آخر، وإذا كان أو كانت البغيّ تعتمد في الترويج لمهنتها على قوّاد متمرس فإن كرة القدم صنعت دعاتها المتمرسين، ربما يكونون مذيعين وصحفيين، ربما يكونون قادة، فلا شك أنه بعد اكتشاف الوسائل المسموعة والمرئية في القرن العشرين أعادت هذه التقنيات بإمكانيات هائلة، أعادت شكل هذه المهن، وكذلك ما تتضمنه من أفكار وأساليب، كما أعادت إنتاج بعض مضمونها وبعض محتواها.

ومثلما الرقص والفن والجنس أنشطة حيوية تسعى إلى التواصل مع الآخر، فإن اللعب تواصل مع الآخر، حتى لو لم يكن بينكما لسان، الضحك والبكاء والنظرات ولمس الأيادي والتقبيل، كلها يمكن أن تكون تواصلًا مع الآخر دون لسان، في شارع الاستقلال بإسطنبول وذات مساء يوم سبت، حيث يحظر على السيارات دخول الشارع، ويظهر المشاة كأنهم محيط عميق وواسع من البشر، رأيتُ بعض الفتيات والفتيان يقفون متناثرين رافعين ورافعات لافتات تدل على أنهم شيوعيون، يقفون صامتين، اقتربت منهم ودون كلام كنتُ أسلم على الواحد أو على الواحدة، وأقبلها، وتقبلني، ونشعر معًا بالامتنان والتواصل، نشعر بأمميتنا، اللعب أيضًا تواصل دون لسان، كرة القدم بكثرة عدد لاعبيها ومتفرجيها تواصل أكبر دون لسان، صديقتي الفرويدية ستعترف أنها تكره اللعب إذا صار تعويضًا عن الإحباطات والهزائم، إذا صار لعبًا مستعملًا، وستعترف أيضًا أنها تنظر إلى اللعب بريبة عندما يترتب عليه أن يتوحد المشاهد مع اللاعب، صحيح أن هذا التوحد يختلف كلية عن التوحد مع بطل فيلم، أو مع شخصية تاريخية أو روائية، يختلف في الدرجة والنوع، يختلف في النكهة، فبعضها يحمل بذور الفكر أو العقيدة أو الأخلاق أو الإحساس العاطفي، وبعضها لا يحمل غير قشور العصبية، التوحد في كرة القدم قد لا يكون مع فرد، إنه غالبًا مع فريق، ثم وأحيانا عن طريق الاصطفاء قد يتحول إلى توحد مع أحد أفراد هذا الفريق، وها نحن، وبعد أن يتقدم بنا العمر نتعب أحيانًا ونشكو من نقص قدرتنا على التوحد، ليس لأن الفن أو اللعب أصبح في مرتبة أدنى، كما قد تميل بنا أكاذيبنا عن أنفسنا، ولكن لأن الحماسة التي هي الوقود الضروري لماكينة التوحد، أصبحت أقل، ليس بسبب التقدم في العمر ذاته، ولكن بسبب أن التقدم في العمر قد يعني زيادة محصول الإجابات على محصول الأسئلة، وكل إجابة هي إغلاق لنافذة، وكل سؤال هو شق، هو فتحة، هو فرج، هكذا بلغة صديقتي الفرويدية، كل إجابة تضخيم لأسوار الحصانة حول الذات، وكأن الذات المحصنة هي بزاوية نظر أُخرى، ذات آيلة للسقوط، ذات شائخة، فالشيخوخة أيضًا تعادل زيادة محصول الإجابات، الشيخوخة تعادل اعتزال اللعب، فيما يحتاج التوحد إلى شقوق وفتحات وفروج ونوافذ ولعب أكثر.

عندما كنتُ صغيرًا، يااااه، منذ خمسين سنة أو أكثر، كانت الطبيعة والبيئة الاجتماعية، هما الممولان الأكثر سخاء، هما المانحان لنا أدوات ألعابنا، كنا ندخن السجائر التي نصنعها من ورق الذرة المحشو بشُرّابة كوز الذرة، ونصنع الصنارة من البوص، ونتراهن على نوى المشمش، ونجهز الكرة الشراب من نفايات الأقمشة التي ندسّها في جورب قديم نعطيه شكل الاستدارة، وإذا شئنا كرة أفضل ذات مكانة أعلى وساعدتنا الظروف جهزنا كرة من الإسفنج المضغوط بخيوط الدوبار، ثم نغطيها بمادة لاصقة يبيعها العجلاتي القريب ويسميها (الكُلّة)، كانت أدوات ألعابنا التي نغرفها من مخزن الطبيعة أو مخزن البيئة تبدو لنا خالدة، تبدو وكأننا لن نفقدها أبدًا، كنا لا نصطدم بموت أدوات ألعابنا، لم نتدرب معها على الموت، لذا عندما صادفنا موت أقربائنا وأصدقائنا والغرباء أصابتنا الغرابة والهلع، ومازلنا لم نتدرب على الموت بعد، لابد أن الثورات التكنولوجية تؤثر تأثيرًا عميقًا فينا وفيما حولنا، فالألعاب الإلكترونية المنتشرة بين أيدي الأطفال الآن ذات عمر لابد أن تفسد بعده أو حينه، والأطفال تعودوا على فناء ألعابهم، تعودوا على قبول فكرة الفناء والموت منذ وقت مبكر، فما دامت ألعابهم تموت فإن كل شيء يمكن أن يموت.

كرة القدم لعبة إلهيّة

اعتقدتُ دائمًا أن كرة القدم لعبة إلهيّة ممنوحة للجميع، وأنها عطاء للفقراء قبل سواهم

اعتقدتُ دائمًا أن كرة القدم لعبة إلهية ممنوحة للجميع، وأنها عطاء للفقراء قبل سواهم، ولكنها لأسباب أضخم وأكبر من دليل الرجل الذكي أصبحت منحة لغير الفقراء، وأصبحنا لا نملك أن نلعب، أصبحنا نستعين بالفرجة لنعوض ما فقدناه، اغترابنا صار أكيدًا، في «أرخص ليالي» ليوسف إدريس لن يستطيع الفلاح الفقير أن يذهب إلى المولد أو المقهى أو إلى أي مكان لأنه لا يملك ثمن متعته، وسوف يضطر آخر الليل أن ينام فوق زوجته، في طفولتنا لعبنا كرة القدم لأنها كانت أرخص الليالي، أذكر أسماء الفرق التي كوّناها أيام ذاك، وكيف كانت تنمّ عن رغبة إخافة الخصوم وادعاء القوة، فريق الأسد المرعب، فريق الشياطين الحُمر، ثم فيما بعد امتزجت القوة المزعومة بالسخرية المزعومة وداخلتها، فأصبح اسم الفريق: «الجوع الكافر»، وعندما استولى التليفزيون على أحلامنا، وأوهامنا بدأنا نتشيع، وأصبحت من أنصار الأهلي المصري، كنت أشتهي أن أردد أسماء لاعبيه وأن أجمع صورهم في ألبومات، ضبطها أبي، فلم يسخر مني، اندمج وشاركني تشيعي، وعرف مثلي أسماء اللاعبين، ومثلي أخذ يرددها، صالح سليم، طارق سليم، رفعت الفناجيلي، بكيتُ عندما عرفتُ خبر موته بائسًا وفقيرًا، وطه إسماعيل، وميمي الشربيني، وفؤاد أبو غيده، وسعيد أبو النور، ومروان كنفاني، إلخ إلخ، لم أر أبي يرقص قط، لم يلعب الكرة في حياته قط، ولكن حاجته الأساسية إلى اللعب انفجرت بمصاحبتي، وغمرته وعاشها بالمشاهدة والفرجة والتوحد معتمدًا على وكلائه من اللاعبين، وقيامهم بإشباع حاجته بدلًا من قيامه هو بإشباعها، في العام الثامن والستين من القرن الماضي، عام ما بعد النكسة، اعتقدتُ أنني يجب أن ألعب الكرة لنفسي وللآخرين، اعتقدتُ أنني يجب أن أزامل رفعت الفناجيلي، ذهبتُ في رحلة خائبة إلى النادي الأهلي، عند باب النادي، الأصح أمام بوابته الكبيرة استوقفني رجل الأمن وأبلغني، أنا الأبله، أن الرياضة توقفت، أن كرة القدم توقفت، أن النادي صار معكسرًا تدريبيًا للملتحقين بالدفاع المدني، كان كابوس هزيمة 67 التي خففناها إلى نكسة مازال يسقط من السماء، مازال يدق رؤوسنا.

كأنها فترة التوافق

يلذ لي الآن أن أذكر ما ذكره أنثروبولوجيون عديدون حول عادة موجودة بين كثير من الشعوب البدائية، قوامها تنظيم احتفالات وافرة عقب مواسم الحصاد، وقد وصفت الأنثروبولوجية مارجريت ميد هذه الاحتفالات بين قبيلة أرابيش البابوانية (غينيا الجديدة) فمَن يجمعون محصولًا أعلى من المتوسط يدعون ذويهم وجيرانهم كافة وتستمر الاحتفالات إلى أن يستهلك أغلب الفائض، وتضيف مارجريت ميد أن هذه الاحتفالات تمثل سبيلًا كافيًا لمنع أي فرد من مراكمة ثروات، وقد درس الأنثروبولوجي آشي العادات والنظام الخاص لقبيلة هوبي التي تحيا في جنوبي الولايات المتحدة الأميركية، وخلافًا لمجتمعنا يعتبر هذا المجتمع مبدأ المنافسة الفردية مبدأ معيبًا من الناحية الأخلاقية، ولا يسجل أطفال هوبي أهدافًا، كما لا يعرفون مَن الذي فاز في ألعابهم ورياضاتهم.

التوحد في كرة القدم قد لا يكون مع فرد، إنه غالبًا مع فريق، ثم وأحيانا عن طريق الاصطفاء قد يتحول إلى توحد مع أحد أفراد هذا الفريق

يلذ لي أيضًا أن أذكر ما روّجه أصدقائي الأمميون الذين زاملوني في الجامعة حول أن أنظمة الحكم وأجهزتها الأيديولوجية تستخدم كرة القدم في سبيل إلهاء شعوبها عن أنفسهم، واكتشفت أن هذا التخريج أصبح مبتذلًا لشيوع استخدامه، وظللتُ أتعلق بلعبتي، كنتُ أحس طوال الوقت أن هذه اللعبة قادرة على أن تنفلت من كل رباط يحاول أن يحكمها، فإذا استخدمتها الأنظمة كأُلهيةٍ، فإن الأنظمة ذاتها لا تستطيع أن تتحكم بها تمامًا، إنها أحد العروض القليلة التي لا يحكمها سيناريو محبوك سابق على العرض، وجمهورها المؤلف من طبقات متفاوتة لا يمكن لحشود الأمن المحيطة أن تمسك ردود أفعاله، لا يمكن أن تأمن وتعتقد أنها تمسك لجامه، سأحاول أن أنصرف بعيدًا، ربما أمكنني أن أتذكر روايات أبي المعاطي أبي النجا، ومحمد البساطي، وفيها أماكن كثيرة لكرة القدم، وفيلم «الحريف» لمحمد خان، ورواية ألمانية مترجمة بعنوان «خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء» لبيتر هاندكه، ورواية أُخرى لرشيد بوجدرة بعنوان «ضربة جزاء»، وأعمالًا قليلة أُخرى لم تستجب لفكرة تعالي المثقف على كرة القدم، في الثمانينيات، اتفق معي أحد شعراء السبعينيات – يتميز بالكبرياء والصلافة – أن نلتقي في مقهى بارادي بميدان الدقي بالقاهرة، وهو مكان مكشوف، وعندما اقتربتُ من المقهى، رأيت الشاعر يقرأ صفحة الرياضة بصحيفة المساء، أشهر جريدة رياضية في تلك الأيام، وبمجرد أن لمحني قلب الصفحة بعصبية وسرعة، سأحاول أن أنصرف بعيدًا بعض الشيء، ربما أمكنني أن أتذكر سيرة ألبير كامو، حين حاول أن يغالب فرديته وأن يقمعها ويحصنها ويزرع فيها بعض الإحساس بروح الفريق، عندها قرر أن يلعب كرة القدم، ربما أمكنني أن أتذكر صديقي الشاعر اللبناني، اللالبناني، عباس بيضون الذي يحب كرة القدم، ولكنه يخشى منها، فهو يرى فيها ابتذالًا وسوقية ينبعثان معًا من إذكائها الدائم للشعور القومي ونزعاته الضيقة، يرى عباس على سبيل المثال أن الفريق الفرنسي قد يكون الفريق الأقل نزوعًا إلى الزهو القومي، بسبب تعدد أعراقه وأجناسه وتعدد ألوان بشرة لاعبيه، لا أستطيع أن أتغافل عن صورة عباس الذي يحمل جرابًا ثقيلًا ويمشي كراهب ماركسي سابق كما يقول عن نفسه، فيما أعتقد أن الجراب لم يعد يضم أوراقًا تتحدث عن أنه لا يمكن الاعتراف برسالة ثورية ما لبرجوازية الأمم المستعمرة، يمكن أن تقول الأمم التابعة، ونصف المستعمرة، بل على العكس من ذلك بالضبط، فبرجوازية الأقطار المتأخرة بمجرد أن تبدأ في القدرة على مضغ الطعام تتطور كوكالة للرأسمال الأجنبي، وبالرغم من عدائها الحسود لهذا الرأسمال فإنها تقف، وستقف وإياه في معسكر واحد في جميع المواقف الفاصلة، وأن الدولة القومية تقوم بوصفها الأرضية الأنسب والأكثر طبيعية وفائدة للعلاقات الرأسمالية، لابد أن جراب عباس يحتوي أوراقًا تنكر دائمًا على الدولة البرجوازية الحق في أن تفرض على أقلية قومية ما إقامة جبرية أو حتى لغة رسمية، وترى أحيانًا أو دائمًا أن مهمة هذه الدولة، مهمتها المقدسة، هي أن تربط على أوثق نحو ممكن وعبر انضباط طبقي طوعي شغيلة مختلف القوميات في كلٍّ واحد، لذا لن يرفض عباس الذهاب إلى كل مناطق الإثنيات، المهم، أنه ستظل على الرغم من عباس وعلى الرغم مني، ستظل كرة القدم قادرة على الانفلات من كل رباط يحاول أن يحكمها، فهي تعمل وتنوجد أحيانًا وكأنها حرب رمزية، انتصاراتها رمزية، وهزائمها رمزية، والصراع فيها رمزي، ولاعبوها مناضلون رمزيون، وجماهيرها شعوب رمزية، والملعب ذاته ساحة قتال رمزية، لاعبو كرة القدم ممثلون يلعبون أدوارهم على مسرح لا يسمح لغير الشباب بالمشاركة الفعلية، في كواليس هذا المسرح شيوخ ومدربون ومديرون ورجال مال وكهنة ومفسرون، إنهم كلهم أهل خيال الظل، أهل الظل، أما اللاعبون فهم أبناء النور، أصحاب الأعمار الأجمل في حياة الإنسان، الأعمار الأكثر نضارة وفتوة وإقدامًا، لعل فتنة مشاهدة لعبة كرة القدم تنسجم مع فتنة شباب لاعبيها، أو لعلها تنسجم أيضًا ومن جانب آخر مع فتنة ذلك الصراع المرئي الذي ينبغي أن يكون قضاته عادلين، لنا الحق كجمهور أن نحاكمهم إذا أخطأوا، لنا الحق أن نتخيلهم يصارعون ذواتهم، ويصرعونها، ينقسمون بين رغبتهم في أن يكونوا نجومًا محبوبين، وإصرارهم على أن يكونوا عادلين، أذكر أنني ذات يوم، وفي صالة أحد فنادق القاهرة، رأيتُ الممثل القديم محمد توفيق في ذل شيخوخته، يجلس وحيدًا لا يقترب منه أحد، ولا ينظر إليه أحد، كيف يجتاز الممثلون الشبان لاعبو كرة القدم الأزمات المماثلة لأزمة محمد توفيق، إنهم نجوم لامعون لفترة محدودة من أعمارهم، ثم ينتقلون ليصبحوا شهودًا دائمين على أفولهم الأبدي، بينما الجمهور في مدرجات الكرة ينشغل بنجوم جدد، بل ينشغل بصناعة ألعابه الموازية، الملابس والتقليعات والهتافات، لم يعد الجمهور سلبيًا تمامًا، إنه أيضًا يلعب ألعابه الخاصة على هامش اللعبة الأساسية، لن أستطيع أن أسأل صديقتي الفرويدية الجميلة عن هواجسي وحماقاتي، فهي قد غادرتني وتركتني أتأمّل لمرة جديدة صورة تجمع صالح سليم ونجاة الصغيرة وكلبًا فخمًا من سلالة لا أعرفها وقصيدة من شِعر أعرف صاحبه وبهجة تنزُّ من القلب كأنها العرق البارد، وتفرُّ من قلبي الظنون تلومني وتشد أذني، فلطالما باركتُ كذبك كله ولعنتُ ظني، منذ وقت مبكر فتنني صالح سليم، ومنذ وقت مبكر أدركتُ أنه كان أحد مصادر متعتي المرحة، التي ربما تنشع من الوعي، وربما تنشع من اللاوعي، متعتي المرحة القاضية على فكرة أن الشاعر كائن متجهم يحمل فوق كتفيه أعباء العالم، أو على الأقل أعباء نفسه، متعتي المرحة التي ترى الشاعر صاحب حق وواجب في أن يلعب، وأنه لكي يلعب ليس من الضروري أن يكون تعيسًا أو مهمومًا، الشاعر أيضًا يستطيع أن يتأمّل رونالدينو وألعابه، أن يتأمّل تمريرات بيكهام المتقنة، أن يتأمل فناء فيجو، فناءه الصوفي، ورَوَغان كاكا، وخفة رِجْل ميسي، يستطيع أن يرى في كل هذا ما قد يعينه على تقبل حضور الفن الراقي والفن الأقل رقيًا دون التفكير في جدواه، وعلى استعادة الطفولة ولو جزئيًا، لأن الطفولة لابد أن تلعب، أمام شاشة التليفزيون، أمام مباراة باهرة، أفقد نصف طفولتي وأستعيد نصفها الآخر، أفقد لأنني لا ألعب بنفسي، وأستعيد لأنني أشاهد وأندمج، وفي الأخير أحسد نفسي على ثروتي الباذخة، نصف طفولة مقابل مشاهدة مباراة، وبعض طفولة مقابل كتابة قصيدة، وطفولة كاملة أمام حب كامل قد لا نقابله أبدًا، وقد نقابله مصادفة، وقد يضيع، ونوم طويل كأنه استراحة ابن فرعون البِكر، لذا فإنني عندما أحاول أن أقابل الشِعر بالكرة، دون أن أعتبر الكرة أقل وجودية من الشِعر، سأفكر في أن كل أثر شِعري يحمل قطيعة مع ما سبقه، سوف يتهيأ لي على أنه عمل طليعيّ، ذلك أنه يكفي لقصيدة أن تقاطع بطريقة عنيفة كل التقاليد الشعرية السائدة في زمنها أو بعضها، وأن تمتلىء رئتها بالتحدي الحلو، لكي تصبح عملًا طليعيًا حقًا، لكنني كلاعب كرة بالفرجة، كلاعب كرة بالوكالة، لا أفكر في التماس القطيعة، حيث الطليعية هنا لا مبرر لها، فالكرة ليست فنًا سائدًا ذا طبيعة محافظة، ومجتمع الكرة يسمح لفن الكرة أن يكون حرًا تمامًا، لأن نشوء الطليعية بحسب رولان بارت له شرطان، أولًا فن سائد ذو طبيعة محافظة، وثانيًا في ظل نظام ذي بنية ليبرالية، وهكذا أظنني في كل كاسات العالم السابقة، وفي كأس العالم الراهن، وفي كل كأس عالم آتية، ستمنحني الكرة حق الشعور بأن الزمن سيّال كوحدة ودون قطيعة، وأن عرش زمن الكرة الذي سأعده زمني ساعتها سوف يملأني ويغريني بأن أوسّع دائرة اللعب، مادام اللعب سيكون متحررًا في آن واحد من الاثنين: الطليعية والأكاديمية، كأن أرسل إحدى رسائلي القديمة إلى خالدة سعيد، ما أحببتك وحدي، ولكن أحببتك وحدك، وكأن أنام على كتف فيروز، وأحدثها عن هدى بركات وحنان الشيخ، فإذا تعبتْ أنام على كتف إحدى أغنياتها شرط ألا أكون بعيدًا عن الكائنات، أو كأنْ أصحو من النوم فأرى نفسي واقفًا بقميصي وبنطلوني عند نقطة منتصف الملعب وحولي اللاعبون البرازيلي سقراط والهولندي كرويف وياشين حارس المرمى الروسي، والجزائري رابح ماجر والمغربيان عزيز بودرباله وتيمومي، وحولهم لاعبو الأهلي أيام صباي؛ الفناجيلي، وأبو غيده، وكنفاني، وسعيد أبو النور، فيما تضاء أنوار الملعب ويعلو صوت الميكروفون: هنا بطرسبرج هنا موسكو هنا نهر الفولجا، ويكون المذيع ديستوفسكي نفسه.

اعلان
 
 
عبد المنعم رمضان