Define your generation here. Generation What
«الوعد»: أو كيف أعاد دورنمات الاعتبار للرواية البوليسية؟
أدب جريمة خارج القواعد الدرامية
 
 
 

تعيدنا رواية «الوعد» للروائي السويسري فريدريش دورنمات ( ترجمة سمير جريس- دار الكرمة 2018) إلى أسئلة؛ نادرًا ما ينتج عند طرحها إجابات بعيدة عن الابتذال، أو عن ثنائية «أبيض – أسود». فبينما يمكن تصنيف «الوعد» على أنها رواية بوليسية، إلا أنه لا يمكن اعتبارها رواية «تجارية»، أو زجها بقائمة «الأدب الخفيف»، وتكاد هذه الرواية التي ضمّنها الكاتب عنوانًا فرعيًا «في رثاء الرواية البوليسية» قادرة على انتزاع هذا الصنف من الروايات من النمطية والابتذال، وإعادة الاعتبار الأدبي والفني له.

تبدأ الرواية بزيارة كاتب لمدينة «كور» السويسرية، ليلقي محاضرة عن فن كتابة الروايات البوليسية. لن يحضر المحاضرة سوى عدد ضئيل، لتزامنها مع قراءة أحد النقاد لأعمال جوته الأخيرة في قاعة أخرى.

لكن في بار الفندق الذي يقيم فيه الكاتب سيتعرف على «السيد. هـ» الرئيس السابق لشرطة مقاطعة «زيورخ»، والذي سيقله إليها بسيارته، وسيحكي له بعد مصادفتهم لعجوز بائس وسكير أمام محطة وقود، قصة هذا الرجل التي أوصلته لهذه الحالة، والتي هي قصة بوليسية مثيرة بدورها، وستكون تكئة لدورنمات لإلقاء الضوء على التقاطعات التي تربط بين الأدب البوليسي المبتذل، وبين نمطية وضيق تفكير أجهزة الشرطة في العالم، وارتباط كل هذا بمنهج تفكير تتبعه سياسات الدول، كي ترسخ حضورها البوليسي داخل المجتمع.

العجوز البائس أو «السكير الحزين» كما يصفه «السيد. هـ» اسمه «متَّى»، كان يعمل مفتشًا برتبة ملازم أول، وتحت إمرة «السيد. هـ» عندما كان سابقًا رئيس شرطة مقاطعة زيورخ.

بدأت الحكاية قبل تسع سنوات، وقبل ثلاثة أيام من تقاعد «متَّى» عن العمل، حين تُقتل فتاة صغيرة في قرية «ميجندورف». والذي يخبر «متَّى» بجريمة القتل، للمفارقة، هو «جون فونتن» البائع الجوال الذي له سابقة في: «هتك عرض فتاة في الرابعة عشر».

هنا كان على «متَّى» أن يذهب إلى والديّ الطفلة، ويخبرهم بالحادثة. تطلب منه أم الطفلة، بأن يقطع «وعدًا» بمعرفة هوية قاتل ابنتها. يراكم جهاز الشرطة، شكوكه تجاه «جون فونتن» وسط عدم اقتناع «متَّى»، ومن خلال تعذيب المتهم يعترف بجريمة لم يرتكبها، قبل أن يشنق نفسه في الزنزانة، وتغلق الشرطة ملف القضية.

تنتهي مهام «متَّى» كمفتش في جهاز الشرطة، لكن لأن شعورًا يراوده حول أن القاتل ما زال حرًا طليقًا، وأن هناك احتمال وقوع جريمة قتل بحق طفلة أخرى، يقرر تكريس حياته للإيقاع بهذا المجرم، ونصب فخ له، وتتوالى أحداث الرواية التي تقوده للجنون في نفس الوقت الذي تتلاعب بالقارىء المعتاد على نمط معين من القصص البوليسية ذات الحبكة والبداية والنهاية المعروفين.

هذا العمل الروائي ليس مشغولًا بطرح أسلوب ما مختلف، أو الاستعانة بتقنيات سردية مغايرة لما يطرح في الروايات البوليسية السائدة، ولكنه يستخدمها هي نفسها، وهنا تكمن اللعبة. يقول «السيد. هـ» للروائي: «حتى أكون صريحًا، أنا لم أحسن الظن يومًا بالروايات البوليسية، وأشعر بالأسف لأنك أنت أيضًا تقوم بتأليفها. تضييع وقت».

الروائي والمسرحي السويسري فريدريش دورنمات

 يعقِّب كلامه هذا بخطاب ينتقد فيه بحدة القصص البوليسية، ووظيفة رجال الشرطة في آن واحد، فيقول: «الناس يأملون في أن تنجح الشرطة على الأقل بنشر النظام في العالم، وأنا لا أتصور أملًا أكثر بؤسًا من ذلك. غير أن هناك للأسف، احتيالًا من نوع آخر تمامًا يمارس في القصص البوليسية (…) إنها من الأكاذيب التي تقوم عليها دعائم الدولة، مثل القول الورع الشائع «الجريمة لا تفيد» – على الرغم من أن نظرة واحدة إلى المجتمعات البشرية تكفي لمعرفة حقيقة هذا القول».

شخصية «متَّى» في رواية الوعد لا يمكن اختصارها بذاك المفتش الذي يريد تحقيق العدالة، وكشف الجاني الحقيقي، أو الوفاء بوعده لعائلة الطفلة، ولكن دورنمات حمّلها أفكارًا ورموزًا تتجاوز صاحبها. أفكارًا تنقد من داخلها كلا من القواعد النمطية لكتابة الرواية البوليسية، وأيضًا منهجية الشرطة في كشف الجرائم.

تكمن متعة الرواية، بأسلوبها السردي، إذ أن الروائي لم يحكِ القصة على لسانه، ولا وظفه بوصفه الراوي العليم، بل يظهر صوته فقط ببداية الرواية، ويخفت عندما يبدأ « السيد.هـ» بسرد  ما حدث – بصوته – شاهدًا ومعايشًا لما جرى مع «متّى». هذا ما أكسب الرواية نوعًا من المصداقية. طوال قراءة الرواية يشعر القارئ أنه بصحبة الروائي في رحلته، وهما الاثنان ينصتان لصوت «السيد. هـ» وهو يروي الحكاية.

المعالجات السينمائية للرواية

يحاول دورنمات الاشتباك مع تاريخ كامل من الأدب البوليسي ونوع سينما الجريمة، التي رسختها بالتحديد أفلام هوليوود، لتكون الرواية بمثابة سخرية مبطنة من هذا النوع، وهذا ليس مجرّد أحد التأويلات أو القراءات للرواية، بل هي نفسها، أي الرواية، إعادة كتابة لسيناريو فيلم «It Happened in Broad Daylight» أو «حدث في ضوء النهار» (1958)، للمخرج لاديسلو فاجدا، والذي كتبه دورنمات بنفسه، ولكن بسبب أنه لم يكن راضٍ عن نهاية الفيلم لأنها تتبع القواعد الكلاسيكية التي تحبها الدراما، قام بتأليف هذه الرواية، التي كان عنوانها الفرعي كما ذكرنا سابقًا: في رثاء الرواية البوليسية.

مشهد من فيلم “It Happened in broad daylight”

قدّمت السينما معالجات مختلفة، سواء للفيلم الأصلي أو للرواية. ففي عام 1979 حوِّلت لفيلم إيطالي بنفس اسم الرواية، وفي عام 1996 تم تقديم نسخة هولندية من الفيلم، من إخراج دين بيرج، حمل عنوان «The cold light of day» أو «الضوء البارد للنهار». وفي عام 1997، قدّمت معالجة ألمانية جديدة للفيلم، وبنفس عنوانه الأصلي من إخراج، نيكو هوفمان.

أما عام  2000، فقد حوَّل المخرج شون بين الرواية لفيلم بنفس الاسم، من بطولة جاك نيكلسون، وقد رشّح لجائزة السعفة الذهبية للدورة الرابعة والخمسين لمهرجان «كان» السينمائي الدولي.

عن التقاطعات بين الرواية وبين فيلم Match Point

ولكن بعيدًا عن المعالجات السينمائية المختلفة للفيلم وللرواية، فقد أحالتني، بطريقة ما، وبسبب سخريتها المبطنة من منهجية التحليل البوليسي المعتادة؛  لفيلم «Match point» أو «نقطة الالتقاء» (2005) لوودي آلن، والذي لم أستطع إلا أن أقف على التقاطعات بينهما، رغم أن حبكة الفيلم ليست بوليسية، بل تدور فكرته بالأساس حول الإيمان بالحظ، والمصادفة وكيف تلعبان دورًا مهمًا في حياتنا ومصيرنا.

مشهد من فيلم “Match point”

تدور أحداث الفيلم حول شخص يرتكب جريمة قتل بحق الفتاة التي كانت سابقًا حبيبة أخ زوجته، بعد أن ارتبط بعلاقة عاطفية معها. وعندما تخبره بحملها، وبأن عليه الاختيار بين زوجته التي تنتمي لعائلة ارستقراطية وذات نفوذ في بريطانيا وبينها، يخطط لقتلها هي والسيدة العجوز التي تسكن بالشقة المقابل لشقتها لكي يغطي على دوافع الجريمة الأساسية.

 ينجو القاتل الأساسي من الجريمة بسبب عثور الشرطة، على الخاتم الخاص بالعجوز، مع رجل آخر له سوابق، وكان القاتل قد انتزعه من يد العجوز، وحاول رميه في النهر، لكنه ارتطم بالسياج الحديدي، واستقر على الحافة، ليعثر عليه – مصادفة – الرجل الذي لديه سوابق في الجريمة والسرقة.

قرار جهاز الشرطة في رواية  دورنمات كان مشابهًا لقرار جهاز الشرطة في فيلم آلن. الفارق أن المفتش في الفيلم، رغم اقتناعه الكامل، بعد تحقيقه مع الجاني بأنه هو من يجب القبض عليه، لا يفعل ذلك، بسبب وجود الدليل/ الخاتم.

 أما في الرواية فالمفتش «متّى» ضحى بالقواعد الراسخة والقديمة بجهاز الشرطة – وبحياته- أيضًا، لأنه آمن أنه لن يستطيع الإمساك بـ «فريسته» بنفس الأدوات والأسلوب القديم، لذلك جاءته فكرة شراء محطة الوقود القديمة، والعمل فيها لاجتذاب الجاني، الذي لا بدَّ وأن تحصل صدفة، ويأتي ليملأ سيارته بالوقود، والتي عرف شكلها من خلال رسمة رسمتها الفتاة قبل مقتلها بيوم، توضح فيها لقاءها أكثر من مرة بقاتلها.

أما لعبة «الحظ» الموجودة في فيلم وودي آلن، تأتي بشكل معكوس في رواية الوعد لدورنمات، والتنظير لها يأتي على لسان راوي الحكاية «السيد. هـ» في حديثه مع الروائي عندما يقول: «نحن رجال الشرطة – أعترف- مجبرون أيضًا على التحليل المنطقي العلمي، غير أن العوامل المعيقة التي تفسد علينا هذه اللعبة كثيرة جدًا، ولذلك يحدث مرارًا أن يحسم الحظ المهني أو الصدفة الأمر لصالحنا، أو ضدنا. ولكن الصدفة لا تلعب في رواياتكم أي دور، وإذا بدا شيء كأنه صدفة، فإنكم تطلقون عليه القضاء والقدر؛ منذ قديم الأزل وأنتم – أيها الكُتَّاب- تضحون بالحقيقة من أجل القواعد الدرامية».

اعلان
 
 
سامر مختار