Define your generation here. Generation What

تدوينة: ما حدث قبل أن نرفع الكأس عاليًا

لم نفشل قط في الوصول لكأس العالم؛ وصلنا إلى أمريكا 94 وفرنسا 98 وكوريا واليابان 2002 وألمانيا 2006 وجنوب أفريقيا 2010 والبرازيل 2014. لم نغب قط عن كأس العالم.

كنّا نصل، ولكن في الحلم، ونحن ممددون على المضاجع.

التوانسة والجزائريون وصلوا على حساب مصر، لأنهم ممثلون رديئون وبارعون في الاستفزاز، ووصل السنغاليون والإيفواريون والغانيون على حساب مصر لأن لاعبيهم ذوي عضلات مفتولة، لكن مَن يقدم كرة القدم الممتعة؟ مَن يراوغ دون سبب؟ مَن يمرر الكرة بلا مبالاة بالتوقيت أو بأهمية المباراة؟

نحن نفعل ذلك. لذا فعندما هزم السنغاليون الفرنسيين بهدف مقابل لا شيء في كأس عالم 2002، قال الجالس إلى جواري في المقهى يومها: «لو كانت مصر، كانت كسبت فرنسا اتنين». وعندما خسر الإيفواريون أمام الهولنديين في كأس عالم 2006، أي بعد أربع سنوات، قال ذات الرجل الذي بدأ الشيب في غزو رأسه: «لو كانت مصر، كانت اتعادلت. كوت ديفوار ما عندهاش شخصية»، وعندما هزمت أوروجواي غانا في الوقت الإضافي ومنعتها من الوصول إلى نصف النهائي لأول مرة في تاريخ أفريقيا، صاح نفس الرجل الذي بدأ في فقد أسنانه: «لو مصر، كانت مستحيل تضيع ماتش زي دا!»

كان رأي الرجل باختصار، وعلى مدار 14 عامًا، أن أفريقيا لم تحرز كأس العالم لأن مصر لم تصل بعد.

الآن وصلت مصر، وصلنا دون الحاجة إلى النوم.

«بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله».

أذكر أن خطبة الجمعة الموافق الخامس عشر من يونيو كانت أسرع خطبة في تاريخ الإسلام، كانت المباراة ضد الأورغواي ستُلعب في تمام الثانية ظهرًا، وبعد الخطبة التي لم تُلقََ، ونسي الشيخ إقامة الصلاة، لم يعلق المصلون لأنهم أرادوا أن ينسى، وبدلًا من الصلاة بسورتي «النبأ» و«الفجر» حلت سورتا «الإخلاص» فـ«الكوثر». المباراة كانت أول أيام عيد الفطر، لذا نسي الأباء منح العيدية للأطفال الذين نسوا أن يسألوا عنها.

نسي الجميع كل شيء، ولم يبق في الذهن إلا المباراة الأولى لمصر في كأس العالم.

انتهت المباراة المنتظرة بتعادل المنتخب أمام الأوروجواي بلا أهداف.

كانت مباراة أوروجواي رتيبة وكأن لاعبي الفريقين مجبرون على اللعب. فشل سواريز وكافاني في التسجيل كما فشل صلاح الذي دفع به كوبر فى الشوط الثاني بعد أن تعافي لتوه من الإصابة. كوبر مدرب غريب يعادي المتعة، والناس في مصر أصبحت بسببه تحب المنتخب، ولكنها أمست تلعن كرة القدم.

مباراة روسيا، التي انتهت بعدها بالنتيجة ذاتها، كانت أشبه بعقوبة لمدة تسعين دقيقة في سجن سوفييتي؛ الروس مشغولون بتنظيم البطولة ولهذا فلم يجدوا وقتًا للعب كرة القدم، والمصريون لا يهاجمون لأن الأرجنتين أرسلت إلى مصرمدربًا ذا مزاج عسكري  شديد الولع بالدفاع.

لم يسجل أحد هدفًا، ولو وُضع المرمى في منتصف الملعب لما سجل أحد هدفًا. كوبر مستمر في إدمان الملل، وصلاح الحقيقي، كما يعرفه الناس، لم يحضر بعد.

لم يكن هناك خيار أمام كوبر سوى الفوز على السعودية للوصول إلى الدور التالي؛ فريقان عربيان يتنافسان على بطاقة التأهل بعد فوز أوروغواي على روسيا برباعية.

الشعبان المصري والسعودي هما الشعبان الوحيدان في العالم اللذان يتغنيان دومًا بوجود قرابة بينهما، والذان يتصرفان وكأن لا قرابة بينهما؛ عدد المصريين العاملين بالسعودية يفوق عدد سكان أوروغواي، والمصري هناك يُعامَل بدونية لأنه لا يستطيع ارتداء العقال.

كانت تلك المباراة هي الفرصة الوحيدة أمام المصريين كي يشعروا بأنهم مساوون للسعوديين، في حال ارتداء الجميع الملابس نفسها.

في الدقيقة الأخيرة من المباراة يسجل أبو مكة هدفًا تاريخيًا يغضب أهل مكة كثيًرا. تويتر يشتعل بعد فيديو صفع فيه تركي آل شيخ نادلًا مصريًا، بسبب احتفال النادل أمامه بالهدف. وقح! النادل طبعًا.

في دور الـ 16 أمام إسبانيا، يتوقع الجميع فوزًا سهلًا للإسبان الذين رغبوا في توفير طاقتهم للمباراة المقبلة. الجميع في مدريد والقاهرة ينتظرون هدفًا إسبانيا لم يأت، وقبل أن ينفخ الحكم رياح النهاية في صافرته معلنًا الاستعانة بوقت إضافي لحسم اللقاء، ينزل مشجع مصري إلى أرض الملعب محاولًا الاعتداء على سرجيو راموس، لسبب يعرفه كل مَن يقرأون هذه السطور.

بعد تلك الحادثة يعطي الحَكَم دقيقتين إضافيتين للمباراة، ليفاجأ العالم برأسية لحجازي في شباك دي خيا تصل بمصر إلى دور الثمانية!

لو لم يُصب راموس صلاح في نهائي دوري الأبطال، ما نزل ذلك المصري المخبول إلى الملعب، ولو لم ينزل المخبول لم يكن الحَكَم ليمد المباراة بالوقت الذي أحرز فيه حجازي هدف التأهل. القدر!

في دور الثمانية يستمر القدر في مكافأة المصريين بمواجهة أيسلندا.

ليلة المباراة ترددت شائعات عن نيّة الحكومة رفع الدعم عن رغيف الخبز، ولم يعلق أحد. كان الجميع يعرفون أن وصول مصر للدور نصف النهائي سيُستغل على أتم وجه، والفرحة التي ستنتج عن براعة المنتخب في الملعب ستتكفل الحكومة بإيجاد المقدار المساوي لها من البؤس خارج الملعب، ولكن العيش؟ مستحيل! ليس هناك مستحيل.

لم ينف أحد الخبر ولم يقطع به أحد. اختار الجميع التجاهل والانشغال بالمباراة التي انتهت بفوز مصر بهدفين نظيفين أحرزهما النني، ومروان محسن. أفريقيا تصل إلى نصف النهائي لأول مرة في تاريخها.

مباراة نصف النهائي

– «تفتكر يا فندم بعد المترو والبنزين، المواطن هيستحمل قرار رفع الدعم عن العيش؟»

– «مؤكد إن القرار صعب، ولكن المرحلة دي محتاجة تضحيات مننا كلنا»

الشائعة الجريئة، التي انتشرت قبل مباراة آيسلندا، أصبحت حقيقة وديعة يناقشها المذيع الأصلع الشهير مع ضيفه قبل مباراة نصف النهائي بساعات.

حالة من انعدام رد الفعل سادت عقب الحلقة، وبدت القاهرة وكأنها اعتادت القهر. تعطل الوعي لدى الأمهات في البيوت، أما الآباء على المقاهي فلا يضرمون النار سوى في الفحم. والشباب على الفيسبوك؟ الشباب لا يضع على صفحاته سوى فيديوهات لهدف النني الذي أحرزه في شباك أيسلندا، صاروخ أرض- أرض، أذاب جبال الثلج الأيسلندية، ومنح المسؤولين في القاهرة فرصة لن تتكرر أبدًا. إنها كرة قدم للسياسة، والقرار الذي كان الجميع يخشى تبعاته أصبح الآن مقبولًا في ظل النجاح غير المسبوق للمنتخب. نحن على وشك الوصول للنهائي. تريدون أكل الخبز والحصول على في كأس العالم في آن واحد؟ ما هذا الجشع؟

في مباراة قبل النهائي، التي لعبناها أمام الأرجنتين، أضاع ميسي ورفاقه أكثر من 12 فرصة محققة، وبعد إحدى تلك الفرص ينطلق محمد صلاح بالكرة كأشعة فوتونية، وخط التماس ممدد بمحاذاة حذاءه، وقبل انتهاء الخط يبتعد عنه صلاح متوغلًا إلى داخل الملعب، وراكلًا الكرة المسكينة في غضب ليصل بمصر إلى النهائي، نهائي كأس العالم.

«Don’t cry for me Argentina»، أغنية شهيرة تطلب من الأرجنتين عدم البكاء، لكن الأرجنتين كلها، باستثناء هيكتور كوبر طبعًا، تبكي الآن.

النهائي

كانت الفرحة الجنونية ممزوجة بحالة من الغضب المستتر في الشارعِ. الجميع غاضبون، ولكن لا أحد يقول إنه غاضب. ارتفاع الأسعار؟ رفع الدعم عن كل شيء؟ لا، كان الشارع غاضبًا لأن مصر وصلت إلى النهائي.

قبل هذا اليوم، كان المصريون يؤمنون أنهم حفنة من الساقطين المحكوم عليهم بالمهانة الأبدية؛ خضوع للا طموح، خضوع للجام الذي يقتل أي حلم، حلم الحياة حتى، خضوع للشارع القبيح المترع بالبلاعات والمطبات، خضوع للمستشفى الحكومي الزاخر بالقطط الراكضة خوفًا من الأطباء الجائعين، خضوع لهواء القاهرة الطافح بمونو أكسيد الكربون، خضوع الرجل المصري لترس الفلوس والعيال، خضوع المرأة المصرية لإله العادات والتقاليد الرثة.

مصر في نهائي كأس العالم؟ كيف؟ لقد وصلنا بالكاد إلى كأس العالم فكيف نحرزه؟

الآن إذا أحرز المنتخب الكأس، وعندما يرى الشعب حقًا أنه إنسان كامل مثل باقي العالم، سيتجرأ ويصيبه فيروس الطموح!

صباح النهائي: قلق في الشارع، بلبلة، تشوش، دقات قلب تتسارع، تركيز، أدرينالين، المزيد من الأدرينالين، لاسلكي، شوارع تغص بعساكر، سيقان مشدودة، عسكري، عسكري، عسكري، عسكري، ضابط يرتدي نظارة شمسية، عسكري تلفحه الشمس، عسكري آخر ، عسكري، عسكري، ضابط يشعل سيجارة من السيجارة الموشكة على الانطفاء.

مع مَن النهائي؟ مع فرنسا.

فرنسا لطيفة جدًا. قتل الفرنسيون نصف القارة الأفريقية، ثم أخذوا النصف الآخر كي يلعب كرة القدم بالقميص الفرنسي.

تشكيل منتخب فرنسا: ستيف مندادا حارس المرمى من زائير، بليز ماتويدي من أنجولا، أنطوان مارسيال، وكينجسلي كومان من مستعمرة جوادلوب في البحر الكاريبي، كورينتين توليسو من توجو، رفائيل فاران من جزيرة مارتينيك، باتريس ايفرا من السنغال، يونس كعبول من المغرب، بول بوغبا من غينيا، نبيل فكري من الجزائر، نجولو كانتيه من مالي، وأنطوان جريزمان من فرنسا.

هاللويا! هناك فرنسي يلعب في منتخب فرنسا.

بدأت المباراة. شوارع القاهرة فارغة لأن ميادينها بلعت كل الناس.

منذ الدقيقة الأولى ظهر صلاح أكثر حكمة حتى من اللاعب الذي أحرز لقب «الأفضل» في إنجلترا. كان شديد الحرص على عدم استنفاد طاقته أمام منتخب جسده أفريقي ورأسه فرنسي. كان يقف على الكرة وعندما يقف ينهار كل ما حوله، لا يفقد الكرة، يمرر إلى رمضان أو تريزيجيه بسهولة ثم ينطلق، ثم يقف لاستقبال الكرة ثم يمرر فينطلق.. كل قطرة عرق محسوبة.

في الدقيقة الرابعة يراوغ تريزجيه «المصري» باتريس ايفرا، ثم يمرر إلى رمضان صبحي الذي سينفرد بحارس فرنسا لو استطاع اللحاق بالكرة، يتبختر كالعادة، لا يستطيع، يرمي عجوز مصري عكازه غضبًا فيكسر مرآة قديمة بجانب التلفاز الذي يذيع المباراة: «ما تجري بسرعة يا مرة!» يصيح العجوز الذي ارتدت زوجته فستانًا أسود بعد أن رفض تناول حباية النيتروجلسرين الخاصة بالذبحة .

في الدقيقة العشرين يسدد جريزمان كرة أسرع من الرصاصة في مرمى الحضري الفسيح.

كانت الكرة بعيدة عن متناول الحضري، الذي قفز وبقي طائرًا في الهواء لثوانٍ، وكأن الملعب قد تحوّل لغرفة منعدمة الجاذبية. ظل الحضري في الهواء أكثر مما ينبغي مانعًا الفرنسيين من تسجيل أول أهداف اللقاء. بعد الكرة الضائعة ترتفع أسعار النبيذ الأحمر في باريس لأن الجميع يريدون النسيان.

في الشوط الثاني، وصلت الكرة إلى صلاح 32 مرة، ولم يخطئ في التمرير ولا مرة، ولكن في المرة الـ33 أخطأ. تصل الكرة الخاطئة إلى كانتيه لاعب الوسط الفرنسي، ثم ينزلق طارق حامد على الكرة التي كانت بين أقدام الفرنسي فيصيح الجميع: «أين الكرة؟»

الكرة بين أقدام طارق الذي ينطلق كالمسعور، كانتيه لا يستطيع اللحاق به، سيارات الشرطة في موسكو لا تستطيع اللحاق به. طارق يجري بسرعة غير مفهومة وفجأة يسدد كرة غير مفهومة فيصيح الجميع مجددًا: «أين الكرة؟»

الكرة في شباك الفرنسيين!

لا نزال هنا، مع ملايين آخرين من البارحة، في ميدان التحرير. لقد فزنا بكأس العالم، ورفعت الحكومة الدعم عن العيش في اليوم نفسه، والجميع هنا مصابون بحالة من الخبل الكامل؛ شيوخ سلفيون يترنحون من الخمر، وملحدون يصلون في جامع مجاور لبار في وسط البلد.

ولا يبدو لي أن هؤلاء سيرجعون إلى بيوتهم أبدًا.

اعلان
 
 
أحمد ممدوح حجازي