Define your generation here. Generation What

إلغاء الاتفاق النووي الإيراني: الهدف تغيير النظام، وليس الحد من السلاح

بقضائه على الاتفاق النووي، قضى الرئيس اﻷمريكي دونالد ترامب كذلك على أحلام وآمال الشعب الإيراني الذي عاش لسنوات طويلة تحت حصار اقتصادي طويل.

في عام 2015، نجحت الدبلوماسية الإيرانية في تحقيق أهم إنجاز لها في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بإبرام الاتفاق النووي مع الدول الست الكبرى؛ الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وروسيا، والصين.

وقتها خرج مئات الإيرانيين للاحتفال في الشوارع، قبل أن يزول الأمل بغتة، دون أن يحظى الإيرانيون ولو بجزء صغير من ثمار هذا الاتفاق

وعود روحاني أضحت سرابًا

منذ تولي حسن روحاني الرئاسة في عام 2013، وهو يسعى لأن يكون الاتفاق النووي أهم إنجاز في فترة رئاسته، ومع تحقيقه له، ارتفعت أحلام وطموحات الإيرانيين.

ومنذ لحظة التوصل الى الاتفاق وحتى أشهر قليلة مضت، ظل الإيرانيون متمسكين بالأمل، رغم عدم لمسهم لأي تحسن اقتصادي، بل ووصول الأمر بهم في نهاية عام 2017 للاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية السيئة.

ثم جاء ترامب ليقضي على كل شيء، بإعلانه انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الذي وصفه بأنه «أسوأ اتفاق في التاريخ»، ليضع روحاني في موقف لا يحسد عليه، فالرجل عانى من خروج مظاهرات ضده، ومن صراعات داخلية علنية مع التيار المحافظ من جانب، يقابله صراع آخر، أكثر خفاء، مع رأس النظام، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي.

صراع قابل للاشتعال

صحيح أن روحاني حاول احتواء الأمر، حين خرج فور انسحاب ترامب من الاتفاقية، في خطاب متلفز محاولًا تهدئة الإيرانيين، وبنبرته الناعمة قال إن «إيران لن تخرج من الاتفاق النووي، وستكمله مع الأطراف الأوروبية الأخرى»، لكن كان هناك من رأى أنها فرصته للإطاحة بروحاني والتيار الإصلاحي معه.

يبدو أن اللهجة الهادئة لروحاني لم تعجب المرشد، والذي صرح بنبرة عدائية بعد انسحاب ترامب أنه إذا نقض الاتفاق تمامًا ستعود بلاده لتخصيب اليورانيوم بمعدلات أعلى مما سبق. وأضاف صراحة إن الخبراء في بلاده جاهزون للبدء في تصنيع سلاح نووي على الفور.

التيار المحافظ من جانبه تبع المرشد بالإجماع، رافضًا الاستمرار في الاتفاق مهما حدث، حتى وصل به الأمر إلى اعتبار كل من يريد الاستمرار فيه خائنًا لبلده، كما صرح عدد كبير من المسؤولين المحسوبين على التيار المحافظ أن من حق إيران امتلاك سلاح نووي، وأن أحدًا لا يمكنه منعها من ذلك.

يتجاوز الأمر كونه مجرد تصريحات نارية وحماسية، فهناك اقتتال منذ فترة بين التيارين الإصلاحي والمحافظ في إيران.

كثيرًا ما عارض التيار المحافظ فكرة الاتفاق من الأساس، بل رأى المحافظون أن روحاني يريد تشويه مبادئ الثورة الإيرانية بتواصله مع الغرب. والآن، وبعد انسحاب ترامب، بدأت تعلو نبرات الشماتة، ويبدو أن الساحة السياسية الإيرانية ستشهد تأزمًا سينعكس على الشعب الإيراني، خاصة بعد المظاهرات الأخيرة التى انتشرت فى أكثر من ثمانين مدينة إيرانية احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة بعد الاتفاق النووي، وألقى فيها التيار المحافظ اللوم على روحاني وحكومته.

يفسر السياسي الإصلاحى باباك بور لـ «مدى مصر» كراهية التيار المحافظ للاتفاق النووي بأن المحافظين «لا يحبون طريقة روحاني فى إدارة البلاد، ويعتقدون أن الاتفاق النووي سيسهل انفتاح إيران على المجتمع الدولي، ما سيترتب عليه التدخل في شؤون البلاد، وهذا من وجهة نظرهم انصياع لأوامر الغرب المعادي».

حياة الإيرانيين تنهار

أنهى ترامب خطابه الذي أعلن فيه انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران بجملة «أنا أفعل هذا من أجل الشعب الإيراني»، وقبلها بدقائق كان قد أعلن عن عودة العمل بالعقوبات التي كانت مفروضة على طهران قبل الاتفاق النووي، بل هدد بعقوبات جديدة أشد من السابقة، فهل يعلم ترامب ما الذي فعله بالشعب الإيراني؟

«ذهبت أمس لشراء بعض الأغراض من السوق، فوجدت كل الأسعار مضاعفة، وعندما استنكرت الأمر قال لي البائع إن هذا كله بسبب ترامب»، هكذا تحكي سيما، الطالبة التي تعيش في طهران، لـ «مدى مصر» عن يومها التالي لانسحاب ترامب من الاتفاق النووي، وتضيف: «ستصبح الأمور جنونية هنا، كل شئ سيرتفع ثمنه، لا أحد يشعر بمعاناتنا».

في سبتمبر الماضي بدأ الريال الإيراني ينهار أمام الدولار الأمريكي، نتيجة لتهديدات ترامب بالانسحاب وزيادة الطلب على الدولار من قبل الإيرانيين الخائفين من عودة العقوبات مجددًا.

وفي محاولة بائسة من الحكومة الإيرانية للسيطرة على الأمر، وحّدت سعر صرف الدولار وأغلقت مكاتب الصرافة وطاردت تجار العملة، فارضة عليهم عقوبات كبيرة، ورغم كل تلك الإجراءات الصارمة فشلت الحكومة، ليصل سعر صرف الدولار إلى خمسين ألف ريال إيراني.

لكن الكارثة الكبرى وقعت بعد إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق، حيث وصل سعر صرف الدولار إلى ثمانين ألف ريال، في أسوأ معدل وصل إليه في تاريخ إيران، ما ترتب عليه انهيار القدرة الشرائية للإيرانيين وارتفاع كبير في الأسعار بدءًا من اليوم التالي للانسحاب مباشرة.

إمامى، الذي يملك متجرًا لبيع الأجهزة الإلكترونية والتليفونات المحمولة بمدينة أصفهان، يشرح الأمر لـ «مدى مصر»: «بعد الاتفاق تمكنت من استيراد الأجهزة والتليفونات من الخارج دون اللجوء إلى المهربين، وزادت مبيعات متجري بشكل ملحوظ. الآن بكلمة واحدة من معتوه [ترامب]، سنرجع إلى العقوبات وحظر الدولار الأمريكى.. مصيبة لا يمكنني تحملها».

الأوروبيون على الخط

ليس الإيرانيون فقط هم المعنيين بإلغاء الاتفاق مع إيران، وإنما الأوروبيون أيضًا. حيث قال ترامب إن وزارة الخزانة الأميركية ستفرض عقوبات ثانوية على الشركات الأوروبية التي لديها تعاملات تجارية مع إيران، ومن المفترض أن تعود العقوبات على مرحلتين، الأولى بعد تسعين يومًا والثانية بعد 180 يوم.

وتشمل العقوبات قطاع النفط الإيراني وقطاع السيارات، ومنع الحكومة الإيرانية من الحصول على الدولار الأمريكي، وعقوبات على قطاع السجاد والمعادن.

جراء تلك القرارات أصيبت الشركات الأوروبية بالذعر، حيث ستنال فرنسا نصيب الأسد من العقوبات الأمريكية، ففي عام 2016 عقدت إيران أكبر صفقة تجارية لها، مع شركة النفط الفرنسية الكبرى، «توتال»، لتطوير حقل غاز «جنوب فارس»، وهو أكبر حقل غاز في المنطقة، وقُدّرت الصفقة بحوالي خمسة مليارات دولار.

كما أن هناك أيضًا صفقة كبرى في قطاع السيارات مع شركتي بيجو ورينو الفرنسيتين، واللتين ستنالهما العقوبات أيضًا.

كل تلك الشركات الأوروبية، الكبيرة منها والصغيرة، لا تعرف ماذا ستفعل الآن في إيران، فلا أحد منها يريد دفع ملايين الدولارات كغرامة، كما أنها لا تريد خسارة السوق الإيرانية، وبالتالي فليس أمامها إلا الاتحاد الأوروبي لحل الأزمة.

لكن هل يستطيع الاتحاد الأوروبي خلق فرصة ثانية للاتفاق النووي بعد انسحاب ترامب؟

في بداية الأمر، أعلنت طهران نيتها البقاء في الاتفاق النووي، لكن بشرط تقديم الاتحاد الأوروبي ضمانات لاستفادة إيران من مزايا الاتفاق النووي كاملة.

لم تفصح طهران عن تلك الضمانات تحديًدا، وبدأت الدول الاوروبية محاولات بلا طائل لإقناع ترامب بالعدول عن قرار انسحابه.

ولكن ترامب ليس بيل كلينتون، الذي فرضت واشنطن في عهده، عام 1996، عقوبات ثانوية على كل الشركات الأوروبية المتعاملة مع كوبا وروسيا وايران، فلجأ الاتحاد الأوروبي لإصدار مجموعة قوانين عُرفت وقتها باسم «قوانين المنع»، وكان من شأنها فرض عقوبات على واشنطن إذا تضررت الشركات الأوروبية من عقوبات الولايات المتحدة، بل وقام الاتحاد الأوروبي بتهديد كلينتون بعزل بلاده من منظمة التجارة العالمية, فخاف كلينتون من خسارة حلفائه الأوروبيين، فألغى العقوبات المفروضة على الشركات الأوروبية.

تلك الحيلة لن تجدي مع ترامب، الذي لا يقلقه أن يخسر حلفاؤه الأوروبيين، بل لقد تعمد وضعهم في صدام معه، ومع الحلفاء الآخرين مثل إسرائيل والسعودية، ليصبح الاتحاد الأوروبي في مأزق كبير: كيف سُيرضي إيران ويحافظ على استثماراته ويحمي الشركات والبنوك الأوروبية من العقوبات الأمريكية؟

لم يترك ترامب للاتحاد الأوروبي أي فرصة لإنقاذ الاتفاق النووي، وقد أدركت طهران هذا الأمر، فصرّح المسؤولون الإيرانيون أن لديهم شكوكًا كبيرة حول استطاعة الدول الأوروبية تقديم الضمانات الكاملة لإيران وحماية الشركات من العقوبات.

في نفس الوقت، لا تريد إيران تقديم أي تسهيلات للاتحاد الأوروبي، حيث يرى النظام الإيراني أنه لم يخطئ في شيء، وأن المفتشين الدوليين والوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدوا مرارًا وتكرارًا على امتثال إيران لبنود الاتفاق النووي. بل يرى النظام في طهران أنه خسر مرتين؛ الأولى عندما قرر التخلي عن برنامجه النووي، والثانية عندما انسحب ترامب فأضحت خسارة الاستثمارات الأوروبية على الأبواب.

لكن السؤال الأهم: إذا لم يستطع الاتحاد الأوروبي تقديم الضمانات التي تطلبها إيران للبقاء في الاتفاق، وبالتالي عادت إيران لتخصيب اليورانيوم ومضت قدمًا في تصنيع قنبلة نووية، وهو ما يمكنها فعله في سنوات قليلة، وإذا كان الاتفاق هو ما منع إيران بالفعل من امتلاك سلاح نووي، فلماذا انسحب ترامب؟

يبدو أن السلاح النووي لا يهم ترامب، ولا حلفاءه، بل إن كل ما يسعون إليه هو تغيير النظام الإيراني، وإنهاء الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة منذ سنوات، بدليل ما قاله ترامب من كونه مستعدًا لعقد صفقة نووية جديدة تركز على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، الذي يزعج السعودية، وعلى إنهاء دور إيران في المنطقة، خاصة في سوريا، ما يهم إسرائيل، وهو ما رفضته طهران والاتحاد الأوروبي جملة وتفصيًلا.

فى هذا الصدد يقول الخبير الأمنى الإيرانى سعد أصفهاني لـ «مدى مصر» إنه «من المتوقع بنسبة كبيرة ألا يتمكن روحاني من التوصل إلى حل مع الدول الأوروبية، وهنا ستنفذ القيادة الإيرانية تهديداتها، فلا يوجد مانع الآن من امتلاكها سلاح نووي متطور».

عندما انتقد ترامب الاتفاق النووي، واصفًا إياه بأنه «اتفاق مخز وكارثي»، لم يفسر سبب معارضته الشديدة له، ولم يناقش بنود الاتفاق، حتى وإن كان قبيل انسحابه بدأ يشير لكون الاتفاق لم يمنع إيران من تطوير الصواريخ، ولم يحد من تدخلها فى المنطقة.

من كل هذا نستنتج أن ترامب يعرف ما يريده من كل هذا الصخب المثار حاليًا؛ تغيير النظام الإيراني، أو على الأقل تحجيم دور طهران في سوريا واليمن، ولكن أبدًا ليس الحد من امتلاكها السلاح النووي.

اعلان