Define your generation here. Generation What
حوار | «فرنسا 1968» بعيدًا عن باريس
 
 
متظاهرون فرنسيون عام 1968 يحملون لافتة «السلطة في الشارع»
 

عندما تخفت الحراكات الاجتماعية الواسعة، مثل الثورات والانتفاضات، ماذا يتبقى منها؟ كيف تؤثر المشاركة في تلك الأحداث النادرة في التاريخ على حيوات مَن يشارك/ن فيها؟ هل تنبع موجات الاحتجاج الضخمة من «طيش شباب» سرعان ما ينسون الشعارات الرنانة ويبحثون عن التربح والاستقرار والدخول في المجتمع الرأسمالي بتقاليده؟

منذ 1968، تُطرح تلك الأسئلة كل عقد في ذكرى أحداث مايو – يونيو 1968، التي تعتبر قطعًا أحد أهم الأحداث السياسية في تاريخ فرنسا المعاصر. ومنذ بداية عام 2018، أصبح من الصعب على أي متجول في شوارع باريس عدم معرفة أن العيد الخمسين لتلك الأحداث قد حل، هذا الشهر الذي انتفض فيه الطلبة والعمال ومعهم السياسيين في إضراب عام شلَّ البلاد، مناديًا بمناهضة الرأسمالية والإمبريالية والتقاليد المهيمنة وغيرها. فيبدو أن كل المؤسسات الفرنسية تحتفل، أو على الأقل تتذكر تلك الأحداث. ولعل بعد نصف قرن، أصبح ممكنًا الشروع في دراسة هذا الحدث بعيدًا عن الحساسيات وبمنهجية علمية، إن لم تكن موضوعية أو محايدة تمامًا، تقوم على بيانات وأساليب بحث متعارف عليها وخاضعة للنقد والنقاش.

لا شك أن أحداث مايو 1968 تعد نقطة فاصلة في تاريخ فرنسا المعاصر سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا. ورغم الاحتفال والاحتفاء الظاهر بالعيد الخمسين، حازت تلك الأحداث على صعيد آخر على حيز لا بأس به من الاتهامات في العقود الماضية، من بعض المثقفين والسياسيين، لعل أشهرهم كان الرئيس السابق نيكولا ساركوزي عندما نادى في 2007 بتصفية ميراث مايو 1968.

التقينا إيزابيل سومييه، أستاذة علم الاجتماع السياسي ومديرة مركز البحوث السياسية في جامعة السوربون بباريس، تبحث «مايو 1968» لكن من رؤية نظر أُخرى، بعيدًا عن مركز الأحداث في العاصمة باريس، هناك في الأقاليم الفرنسية، حيث خاض مناضلو تلك الفترة نضالات متنوعة. ولعل من سخرية القدر أننا اضطررنا إلى تغيير مكان المقابلة من مبنى السوربون الشهير، والذي كان معقلًا للحراك الطلابي في 68، إلى الحي الخامس عشر، بسبب قيام قوات الأمن بإغلاق الجامعة وطرد الطلاب المعتصمين في سياق الحراك الطلابي الحالي.

درست سومييه خلال مسيرتها العلمية حركات أقصى اليسار في إيطاليا وفرنسا في سبعينيات القرن الماضي، ولاسيما الحركات التي انتهجت طريق الكفاح المسلح كوسيلة للتعجيل بالثورة. وفي محاولة تحليلها لديناميكيات الاتجاه للعنف السياسي، انتقلت سومييه لدراسة تحولات أنماط المشاركة السياسية والانخراط في الحركات الاحتجاجية في أوروبا والآثار البيوغرافية للمشاركة السياسية، أي كيف تؤثر المشاركة السياسية على حياة الشخص على المدى الطويل. وقامت بالأخص بدراسة بعض التجارب الفريدة مثل الحراكات الواسعة، الثورات، والنضال المسلح. في هذا الصدد، قامت سومييه مع عدد من الباحثين والباحثات، يرأسهم أوليفييه فيليول، أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية بجامعة لوزان، بالخوض في عمل بحثي جماعي يهدف لتقييم تجربة مايو 68 عن طريق دراسة تركز على المشاركين والمشاركات العاديين فيها والابتعاد عن الشخصيات الأشهر اللاتي استحوذت على سردية هذا الحدث.

غلاف البحث الذي شاركت فيه إيزبيل سومييه «تغيير العالم – تغيير حياتنا».

ما الجديد في بحثك حول مايو 1968؟

انطلقنا من حقيقة أنه لم يتمّ عمل أي دراسة عن المناضلين العاديين الذين شاركوا في مايو 1968. على العكس، ترسخت لدينا مع مرور الاحتفاليات الأربعة الأخيرة لذكرى الحدث، صورة عن المشاركين في حراك 68، وهي صورة في معظمها خلقها عدد من الذين نصبوا أنفسهم قادة لهذه الحركة من الماوويين القدامى الذين نجحوا في حياتهم وهم من ذوي الأصول البرجوازية. من هذه الصورة، المبتورة نوعًا ما، عن مناضلي 1968 تتكون نظرة إليهم على أنهم من الطلبة فقط؛ بل حتى من خريجي السوربون فقط، من الحي اللاتيني*. وبالتالي أنهم من باريس، طلبة برجوازيين أخذوا فيما بعد المكانة التي كانت مخصصة لهم بعد أن أفرغوا شحنة الشباب لديهم.

كان لدينا إذا هذه الصورة النمطية، صورة المناضل الوريث، النابع من البورجوازية والذي عاد إلى مكانه في هذه الطبقة، والذي نجح في حياته مثل «اليوبيز» (المترفون)** في الولايات المتحدة الأمريكية. استحوذ هؤلاء على ساحات النفوذ السياسي – في الحزب الاشتراكي مثلًا بصفة خاصة – وعلى دوائر الإعلام والاتصالات. أي أنهم كانوا، بطريقة أو بأُخرى من المرتدين. وهو ما يقودنا إلى الدرس السياسي المستوحى من هذه النظرة عن هؤلاء المناضلين السابقين، والذي يعني في مجمله أنه يمكنكم أن تثوروا كما تشاؤوا، ثم تعودوا لتستعيدوا مكانكم، وأنه لا جدوى من الاحتجاج ومن الثورات.

بالتالي قررنا أن نحوّل بؤرة تركيز البحث حتى نستعيد أو نجد من جديد مناضلنا العادي. وحققنا ذلك بأننا قررنا ألا نعمل في باريس، ولكن على خمس مدن من الأقاليم: مارسيليا، وليون، وليل، ورين، ونانت، واللاتي تتميز بخصائص اقتصادية وسياسية مختلفة.

النقطة الثانية، كانت أن نوسع دائرة البحث ليس فقط لتضم اليساريين عامةً وليس فقط مناضلي أقصى اليسار، بل والنقابيين أيضًا، بما أن مايو 68 كان أكبر إضراب عمالي، وصل عدد المشاركين فيه إلى 10 ملايين مُضْرِب عن العمل. وبالطبع قررنا أن نوسع الدائرة لتشمل الحركة النسوية التي ظهرت بعد ذلك بقليل حوالي عام 1970.

أنتج هذا التحوّل في بؤرة البحث رسم صورة تختلف كثيرًا عن الكتابات التقليدية عن هذا الحدث. فالأسلوب المتبع في الدراسات السابقة كان سببه أولًا صعوبة العثور على مناضلين عاديين شاركوا في حركات اجتماعية من غير أعضاء الأحزاب، وهؤلاء في أغلبيتهم من مجموعات أقصى اليسار، حيث أنها كانت مجموعات محظورة، وبالتالي لم يكن لديهم بطاقات عضوية تسهل على الباحث أو الباحثة إيجادهم. ولم يكن هذا سهلاً بالمرة. قمنا بإجراء لقاءات تعارف مع وجوه محلية فتحوا لنا دليل العناوين الخاص بهم، كما عملنا أيضًا على المحفوظات، سواء كان أرشيف شخصي أو أرشيف مؤسسات. وفي بعض الأحيان قمنا بالبحث أيضًا من خلال أرشيف المخابرات العامة (البوليس السياسي) عندما كنّا ننجح في رفع السرية عنه. هذا الأسلوب أتاح لنا أن نرسم خارطة لمساحات المناضلين المحليين، وبالتالي أن نحدد قوى النضال المتواجدة.

حصلنا على ما يقرب من أربعة آلاف اسم في الإجمالي، انتقينا منهم نحو 400 مناضل أجرينا معهم لقاءات مع اتباع وسيلة جديدة تسمى تقويم سير الحياة (life history calendar) وهي تعطي إمكانية التحليل الكمي للمضمون النوعي.

بما أنك تقودين الجزء الخاص من هذا البحث عن مارسيليا، كيف وجدتِ الاختلاف في صورة 68 في الأقاليم بالمقارنة بالصورة المعروفة والصادرة دائمًا عن باريس؟

الصورة التي ظهرت لنا مناقضة تمامًا لتلك التي كانت قد فرضت نفسها، والتي يستمر المناضلون السابقون (الباريسيون) في الترويج لها. أتمنى أن يقرأوا يومًا ما هذا البحث حتى يغيروا وجهة نظرهم.

أهمية البحث في الأقاليم تنبع، من ناحية، أنه ليس هناك جيل واحد من مناضلي 68، بل عدة أجيال. فهناك، على الأقل، ثلاثة أجيال: الجيل الأكبر سنًا، ونجدهم من النقابيين الذين بدأوا نضالهم في بداية الستينيات والمحرك الرئيسي لنضالهم كان بالطبع حرب الجزائر. الجيل الثاني، وهو حيث نجد، بوجه خاص، اليساريين الذين بدأوا نشاطهم السياسي في عام 66، ما بين 66 و68، والمحرّك هنا هي حرب فيتنام. ثم هناك المناضلون الأصغر سنًا، الذين نجدهم في الأغلب بين أعضاء الحركة النسوية والذين بدأوا نشاطهم بين عامي 68 و74.

من جهة أخرى، الأغلبية بالفعل، فيما عدا أعضاء النقابات، من حملة الشهادات، لأن هذه فترة تضخم هائل في عدد طلاب الجامعات. وعلى العكس، فإن من بين هؤلاء الطلبة، وهو ما يوضح خاصية موضوع الأجيال في هذا التمرد – في فرنسا كما في بلدان أُخرى – نجد أنه لا يوجد غير 20% ينطبق عليهم وصف الورثة، أي الشباب المنتمي للبرجوازية، كما أصبح من الساري في الأدبيات عن مايو 68.

على العكس نجد أن الآخرين، أفراد كانوا أول مَن وصلوا من بين أعضاء عائلاتهم إلى التعليم الجامعي. وهنا سيكون نضالهم، نوعًا ما، وسيلة لإدارة هذا التناقض الشخصي. بمعنى كيف تظل وفيًا للطبقة التي تنتمي إليها، وأن تكون في نفس الوقت في مرحلة صعود اجتماعي. ثم يصطدمون بعد ذلك بعالم مجهول لهم تمامًا. هم ليسوا ورثة إذًا.

الملاحظة الثانية، أن الأغلبية الساحقة ممَن قابلناهم ليسوا من المرتدين، حيث أن عدد حالات الانسحاب الكامل من النضال لا يشكل الأغلبية. نجد مسارات نضال مستمرة، ولكن ليس بالضرورة في إطار نفس الأُسرة السياسية. المنظمات السياسية هي التي عانت عادة، انسحب المناضلون من المنظمات اليسارية منذ النصف الثاني من السبعينيات، ليستمروا في النضال من خلال العمل النقابي على سبيل المثال.

الشيء ذاته ينطبق على الحركة النسوية. الكثير منهن بدأن في الحركات اليسارية ليخرجن منها إلى النضال النسوي البحت، وذلك لعدة أسباب متعلقة بالنزعة الذكورية السائدة في عدد من الحركات اليسارية، وأيضًا الاتجاه العام في تلك الحركات للتقليل من أهمية النضالات النسوية على حساب قضايا الطبقة العاملة.

نجد أيضًا عددًا من المناضلين يعاودون الحشد منذ نهاية التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، من خلال تيارات حديثة ناشطة مثل ما يسمى بالـ ZAD أو «الفضاءات التي يجب الدفاع عنها»، وهي تنبع من تيار شبابي يهدف إلى بناء بدائل للنظام الاستهلاكي ومقاومة تدمير المكاسب الاجتماعية على يد الحكومات المتتالية وخلق نوع من التضامن الاجتماعي.

النتيجة الثالثة، هي أن هؤلاء المناضلين عانوا بسبب نضالهم، ولكنهم غير نادمين على الإطلاق. على العكس فإن رؤيتهم (لهذه الفترة) إيجابية تمامًا. يرون أنهم كانوا محظوظين أن يعيشوا هذه السنوات. ثم أن هذا النضال قد بنى شخصياتهم. لكن، على الرغم من ذلك، كان لنضالهم مردودات سلبية سواء على الصعيد المهني أو العاطفي. فمسيراتهم المهنية إما متأخرة أو مبتورة، وهو ما خلق للبعض مشاكل فيما يخص مستحقات التقاعد. سبب ذلك أنهم ركزوا على النضال وأهملوا مسيرتهم المهنية، أو أنهم كانوا في حالة رفض للوصول لمستويات اجتماعية أعلى، وهو الحال مثلًا بالنسبة لهؤلاء الماوويين الذين اتجهوا للعمل في المصانع (les établis).

على الصعيد العاطفي، نجد أن نسبة الزواج عندهم أقل، نسبة الطلاق أعلى، كما أنهم أنجبوا عددًا أقل من الأطفال، وهذا ينطبق بصفة خاصة على النساء منهم.

لدينا هنا رقم واضح يتيح لنا المقارنة بين ما آلت إليه حياتهم وحياة أشخاص من نفس جيلهم. لن نقوم بمقارنتهم بإجمالي السُكّان، ولكن بنفس أبناء جيلهم. في العموم، كانت هذه فترة ارتقاء اجتماعي، حيث كنّا في فترة «الثلاثين المجيدة»، سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية 1945-1975 والتي شهدت انتعاشًا اقتصاديًا. في هذه الفترة نجد أن نسبة الانحدار الطبقي عند العاملين بين عموم السُكّان هي 4% فقط، بينما  تصل إلى 26% عند المناضلين، وإلى ما يقرب من 30% بالنسبة للنساء المناضلات. هذا الرقم يظهر لنا أن تصوير ثوار 68 على أنهم من نوعية «الفتى الذهبي» مناقض للواقع.

غلاف كتاب «مارسيليا 68» لـ إيزابيل سومييه و أوليفييه فيليول

بالنسبة لكم، هل تكون لتلك النوعية من الأبحاث أسباب علمية فقط، أم ترتبط أيضًا بواقع أو خطاب سياسي معين، خصوصًا في السياق الحالي في فرنسا؟

هناك ثلاثة تحديات في هذا البحث، تحدي علمي بحت، وتحدي تأريخي، حيث يعتمد عليه إظهار ما تبقى من مايو 1968، ثم التحدي السياسي. بالنسبة للتحدي السياسي، فهو نابع – على الأقل من وجهة نظري فربما لا يشاركني كل مَن كتبوا البحث هذا الرأي – من منطلق أن ميراث 68 قد تمّ استغلاله منذ الثمانينيات وحتى 2007، مثلًا عندما نادى ساركوزي بتصفية ميراث 68 وألقى عليه بكل اللوم بأنه السبب في النزعة الفردية المعاصرة، وانحلال المدارس، ونهاية الأسرة، ومشكلة انعدام السلطة واحترامها ولا أدري ماذا أيضًا.

لذا آمل أن ينتشر هذا العمل إلى ما هو أبعد من الدوائر العلمية، وأن تنصف هذه الدراسة هذا الالتزام السياسي الذي نبع من روح التضامن والشعور بضرورة المساواة، والتي من أجلها – كما سبق أن قلت لكم – دفع المناضلون الثمن من حياتهم بطريقة ما وحافظوا على مبادئهم، وأن تبرهن أنه من الممكن أن تظل وفيًا لمبادئك وتساهم – بالطريقة المختلفة التي كانوا يؤمنون بها في عام 1968- في تغيير العالم.

نجد في الحي اللاتيني، وبالأخص قبل 1968، معظم المؤسسات التعليمية ولذا يعتبر حي الطلاب والطالبات.

** ظهر مصطلح اليوبيز في الثمانينات في الولايات المتحدة لانتقاد اتجاه هيبيز السبعينيات، بعد تجربة شبابهم، إلى مهن مربحة.

اعلان
 
 
يوسف الشاذلي