Define your generation here. Generation What
من صفاء عامر لآل دياب: الصعيد الذي لا تعرفه الدراما
 
 
مشهد من مسلسل نسر الصعيد
 

لم أشعر يومًا بالشغف لمشاهدة عمل درامي عن الصعيد، وذلك لكون الثيمات التي يبني عليها صناع الدراما معروفة سلفًا، بل ومحفوظة، لم تتغير منذ التسعينيات من القرن الماضي؛ لذلك لم أتعجب من الدراما التي كتبها آل دياب «خالد، محمد، وشيرين» لمسلسل «طايع» هذا العام، والذي اعتمد على تجارة الآثار والثأر، والصعايدة أصحاب العمائم الكبيرة والقلوب المتحجرة.

ولم أتعجب أيضًا لمسلسل محمد رمضان (نسر الصعيد)، ولا داعي لذكر مؤلفه لأن رمضان أو الأسطورة، كما يحب أن يصف نفسه، يعتمد على المؤلف الترزي الذي يفصِّل له ما يريده من شكل شخصية معيّنة تزيد من أسطورته، التي بدأت هنا بالأب «صالح القناوي» ويؤدي دوره «محمد رمضان» كبير بلدته، الذي يسكن في قصر فخيم، ويُقتل على يد «هتلر» (سيد رجب)، بسبب الصراع على السلطة والنفوذ ما بين عائلتين إحداهما تدعي «الأصل» أو يمكننا أن نقول من وجهة  نظرهم «أصحاب البلد» وعائلة أخرى يُظهرها دائمًا مؤلفو دراما الصعيد بأنها الأقل، وهي محور الشر، والملعونة دائمًا.

يموت الأب ويخرج الابن (محمد رمضان أيضًا) لينتقم من قاتل والده وتستمر القصة، في صراعات مكررة كالثأر، وربما الإرهاب أو تجارة المخدرات، الخطان اللذان بدأ في التكشف خلال الحلقات الماضية، هكذا هي الثيمات التي لا يخرج عنها أي عمل درامي عن الصعيد.

بداية الخيط: محمد صفاء عامر وتأسيسه لدراما الصعيد

وكما لكل شيء بداية، فبداية الخيط هنا، التي أراها مناسبة، هي المؤلف الدرامي محمد صفاء عامر الصعيدي، والكاتب الأساسي لدراما الجنوب في التسعينيات وبداية الألفية الثانية، والذي اعتبره النقاد «الأفضل» في الكتابة عن جنوب مصر، حيث كان صاحب مدرسة ورصيد كبير من الأعمال الدرامية التي كانت نقطة الوصل ما بين الجنوب ومشاهدي الدراما في العالم العربي كله. ومن هنا يُطرح السؤال الجاد: هل ما كتبه عامر عَبّر عن الصعيد الذي نعيشه أم الذي يعيش في مخيلته هو؟

هذا المقال ليس عن أعمال محمد صفاء عامر، وليس للحكم على ما قدمه، ولكنه مثال لابد منه؛ عن قضية تخص سكان الجنوب وهي صورتهم في الدراما المصرية، ولماذا لم تتغير؟ ولماذا الصعايدة «أهل الصعيد»، من وجهة نظر صّناع الدراما، إما تجار مخدرات أو آثار؟ ولماذا تتمحور كل مشاكلهم في الثأر، رغم أن هناك العديد من المشاكل الأخرى مثل كل بقعة من بقاع مصر؟ كل هذه الأسئلة تعيدنا لمحمد صفاء عامر، والذي سأتكلم عن بعض أنجح شخصياته دراميًا، في ثلاثة من أكثر أعماله التليفزيونية شعبية: «ذئاب الجبل»، «الضوء الشارد»، «حدائق الشيطان» ، والتي يمكن أن تلقي الضوء على الطريقة التي أسسها في معالجة القضايا الصعيدية.    

والبداية مع شخصية «البدري بّدار» ابن الشيخ بدّار كبير «هوارة»، والذي رغم تعليمه الجامعي رفض زواج شقيقته من رجل خارج العائلة، رغم قبول والده حتى أُشيع في البلدة أنه قتلها، وهرب من بلدته ووصل للعاصمة فتغيرت كل مفاهيمه عن الحياة، واختلفت، رغم أنه من الطبيعي أن تختلف تلك المفاهيم عن والده الشيخ بدّار بحكم اختلاف الأجيال، ولكن هوس العاصمة والهرب من «تخلف» الصعيد ربما كان يسيطر على فكر الكاتب الكبير.

لم يكتب صفاء عامر إلا عن أغنياء الصعيد والعائلات الكبيرة حتى أنه في مسلسل «الضوء الشارد» زيّن وجمَّل سلطة عائلة العزايزة، وكان من الطبيعي في المسلسل أن نجد الحديث عن ضرب إنسان بالكرباج، شيئًا منطقيًا طالما هو للعزايزة العائلة المسيطرة على القرية.

فيصبح «رفيع بيه» هو الحكيم والطيب والمضحي، وتصبح معه الديكتاتورية حلال، وأمر جيد، حتى أنه لم يذكَر أبدًا أحد أبناء القرية بعيدًا عن عائلتي العزايزة وعائلة السوالم التي أصبح لديها من المال هي الأخرى ما تنافس به العائلة الأكبر، رغم أنهم كانوا من «الخدم».

ولم يتوقف عامر حتى تلك النقطة، بل زاد في خيالاته وتصوره لصورة البطل الأسطوري من وجهة نظره في مسلسل «حدائق الشيطان» ومع شخصية «مندور أبو الدهب» تاجر المخدرات وصاحب الغولة التي كان يرمي الناس فيها أحياء، لكنه ومع كل هذا؛ بداخله طفل رقيق، جعل المشاهد يتعاطف مع هذا السفاح، وخلَق أيضًا وسط كل هذا الفساد قصة حب جعلت من هذا المجرم بطلًا أسطوريًا خارقًا.

هذه ثلاثة أمثلة لشخصيات في دراما عامر عن الصعيد، التي لم يتطرّق فيها للشعب الفقير، بل انصب مجال اهتمامه على الأثرياء فقط، وهي السُنَّة التي سنَّها في الحديث عن الصعيد، فأصبحت الدراما من بعده، لا تصور إلا سكان القصور في القرى، ولا تبتعد القضايا المطروحة عن الثأر وتجارة المخدرات والآثار، والبطل الخارق المحبوب رغم قسوته وفساده، ولكن أين الصعيد الواقعي في دراما عامر وما جاء بعدها من أعمال؟

الصعيد جمهورية الأقباط في مصر

احترت كثيرًا عندما بحثت في دراما الصعيد ولم أجد قبطيًا واحدًا، أو عائلة قبطية في دور رئيسي في عمل درامي، كما لو كان صعيد مصر فقط للمسلمين، وهذا غير صحيح، فمدينة مثل ملوي التي أنتمي إليها معظم تجارها أقباط، وهناك شراكات كثيرة تحدث بين أقباط ومسلمين، وبشكل شخصي، فشريكي في عملي قبطي، وشريك إخوتي في تجارتهم قبطي، كما أن شارعنا معظم سكانه أقباط، ولهم قصصهم التي لم نرَها حتى الآن في عمل درامي، حتى ولو عائلة واحدة تمثل تلك الفئة الكبيرة من سكان الصعيد.

هذا غير أن الصعيد به قرى كاملة وشوارع وأحياء للمسيحيين فقط، بل إننا نجد أن معظم القرى تقسّم لثلاث مناطق؛ واحدة للمسلمين وواحدة للمسيحيين والثالثة مشتركة، وهي بدورها تنقسم أحيائها ما بين المسلمين والأقباط.  تلك الصورة الغريبة والمرتبكة للانفصال التام ما بين مسلمي وأقباط الصعيد، رغم خطورتها، لم نجد قبطيًا واحدًا في دراما الصعيد، ولم نجد مشكلة واحدة من الكوارث الطائفية موجودة في عمل درامي.

وفي كل تاريخ دراما الصعيد، لم نجد إلا الراهب «جرجس» في مسلسل «خالتي صفية والدير»، المأخوذ عن رواية بنفس العنوان كتبها بهاء طاهر، والذي احتمى به حربي من بطش صفية. لذلك من حقنا التساؤل أين أقباط الصعيد من الدراما؟

المرأة العاملة في دراما الصعيد

من ناحية أخرى هناك قصور في الدراما الصعيدية في طرح نموذج المرأة الصعيدية، فلم يهملها صّناع الدراما، ولكنها تظهر في حالتين فقط؛ إما الأم ذكورية الطلة التي تكون ظل الرجل وكلمته في البيت، أو الابنة المقهورة والمظلومة والتي تعاني حتى تتعلم، وتعاني حتى تتزوج، والقبيحة التي تحاول التجمل ولا تعرف، (هناك مشهد في مسلسل نسر الصعيد تسأل فيه ابنة عمة البطل، أختها أن تعلمها «كلمتين إنجليزي» لتقولهم أمام زين [محمد رمضان] ليعجب بها مثل زوجته القاهرية المتعلمة)، ولكن أين النساء العاملات في دراما الجنوب؟

ومعظم بيوت الصعيد تجد لديها امرأة أو أكثر تعمل، وكثير من بنات الصعيد مغتربات في جامعات القاهرة والإسكندرية وجامعات مصر المختلفة، وبعضهن استقل وعمل بعيدًا عن العائلة والبيت في الصعيد، هذا غير نساء السوق اللاتي يخرجن يوميًا من الثالثة فجرًا حتى الخامسة مساءً للتجارة، وتُعامل هناك مثلها مثل الرجل تمامًا، فأين كل هؤلاء من دراما الصعيد؟

الصعيد ليس مجموعة من القصور والعشش

أذكر أن صديقة كاتبة علقت خلال زيارتها  لمقهى في مدينتي «ملوي»، أثناء مشاركتها بمعرض للكتاب والتي كنت أحد منظميه، قائلة: «مستوى الكافيه لا يقل أبدًا عن كافيهات مصر الجديدة»،. ربما تعليق صديقتي يفضح الشكل المترسخ في أذهان الجميع عن صعيد مصر، والذي كرسته الدراما بشكل ما، والذي يتبخر حال زيارتهم الفعلية له.

في الواقع، فإن معظم عواصم محافظات الصعيد ، ومدنها لا تختلف كثيرًا عن عواصم باقي المحافظات، سواء من حيث المعمار أو توفر المحطات الخدمية والترفيهية (كالمقاهي، والفنادق، والنوادي، والمدارس الأجنبية، والمراكز الثقافية)، كذلك القرى، في وقتنا الحالي، تغيرت عن شكلها الراسخ في عقول الجميع عن دراما الجنوب، لذا فالسؤال الهام الذي تبادر لذهني عند كتابة تلك الفقرة: هل هناك مجتمع لا يحتوي إلا على قصور كبيرة عملاقة تشبه قصور الخليج وفي المقابل بيوت فقيرة لدرجة البؤس؟

أين الوسط من كل هذا؟ أين الأبراج والشقق المكيفة؟ أين البنايات العادية التي تحتوي على شقق عادية يسكنها مواطنون عاديون يلبسون البنطلون والتيشيرت والشورت، أين جامعات الصعيد وعلاقات الشباب بعضهم البعض فيها؟ أين الطبقة المتوسطة التي تعيش مثل كل الطبقات المتوسطة في بر مصر كله؟ أين المحامين والمهندسين والصنايعية الذين يعيشون في الصعيد ولم «تندهم» نداهة العاصمة؟ أين مدننا، وشوارعنا، ومشاكلنا بعيدًا عن تجارة المخدرات والآثار والثأر؟ أين نحن من دراما الجنوب؟

في النهاية، لا يكفي مقال واحد لسرد مشاكل الصعيد التي لم يذكرها صّناع الدراما في مصر، ولكن أذكّرهم بأننا مصريون لدينا هويات مختلفة في الصعيد، تختلف لهجات وعادات وتقاليد كل مدينة عن الأخرى، وكل قرية عن الأخرى، وكل محافظة لها مشاكلها، وتلك الأشياء جميعها تسكن مصر والمشاكل جميعها متقاربة؛ الغلاء، والكارثة الطائفية، والعنف ضد المرأة، وغيرها من المشاكل التي تغطي مصر من شمالها لجنوبها، ومن غربها لشرقها، مشاكل واحدة تتفاوت من مجتمع لآخر، فلماذا الصورة عن الصعيد واحدة؟ ولماذا يتم تصوير الصعايدة ككائنات خرافية؟

هل كان نجاح محمد صفاء عامر جماهيريًا سببًا في ذلك؟ أم أن صناع الدراما يستسهلون وينقلون عما سبقهم دون النظر في تطور الزمان ودورته الطبيعية؟ في النهاية، لم نرَ أبدًا ما يمثلنا، نحن الصعايدة، وربما لن نرَ، وستظل تلك الكائنات التي تخرج علينا سنويًا تحكي بشكل أسطوري عن الصعايدة، مستمرة في تقديم عروضها الهزلية التي تضلل صورة الصعيد أمام المشاهدين، وتضلل الصعايدة أنفسهم.

اعلان
 
 
حمادة زيدان