Define your generation here. Generation What

الحرية للسلع، لا للأفراد! عن الرأسمالية والتمييز والعولمة

في كتابه «الرأسمالية والحرية»، يجادل الاقتصادي الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل ميلتون فريدمان، أن تطور الرأسمالية صاحبه تخفيف في حدة التمييز بين الناس بناءً على النوع أو الجنس أو اللون. ويعطي مثلًا بأن مَن يذهب لشراء الخبز لا يعلم، أو لا يبالي، إذا كان مَن زرع القمح مواطن أسود أم أبيض، يهودي أم مسيحي.

قد يكون هذا الطرح صحيحًا، فالرأسمالية بالفعل تجعل المستهلك العالمي لا يبالي بهوية مَن صنع المنتج الذي بين يديه، وكما لا يبالي بلون البشرة، فهو أيضًا حين يذهب لشراء حذاء ماركة «أديداس» مصنوع في الصين لا يبالي بظروف العمل التي صُنع فيها هذا الحذاء.

وكذلك الحال بالنسبة لمَن يذهب لشراء منتجات شركة «آبل»، حيث لا يبالي بالأخبار المتواترة عن ظروف العمل القاسية وحوادث الانتحار التي وقعت في أحد مصانع الشركة في الصين، وشبكات الانتحار التي جرى تركيبها لمنع العمالة من الانتحار، كما لا يبالي برسائل الاستغاثة التي تُحاك أو تُوضع في جيوب منتجات الملابس من بعض الماركات العالمية المُصنَّعة في بلدان مختلفة من دول العالم الثالث.

قد يرد البعض: حسنًا، ظروف العمل تلك التي تخضع لها العمالة في بعض البلدان ليست إنسانية بالفعل، ولكن ما البديل؟ هذه أفضل فرصة عمل يمكن توفيرها لهؤلاء الأشخاص، فهل نغلق المصانع ونقول لهؤلاء العمال اذهبوا فأنتم الطلقاء؟

يذكرني هذا الرد بما يُقال دائمًا حينما يطالب أحدهم بتغيير الوضع في مصر وغيرها من الدول العربية التي تسود بها نظم حكم ديكتاتورية: وما البديل؟ هل نترك الأمن والاستقرار لصالح مستقبل غامض لا نعلم ماذا يحمل لنا؟

لنتخيل مجموعة من العبيد يعملون في ظروف قاسية، تنتج عنها وفاة العديد منهم، ولذلك يقرر بعضهم الثورة على ذلك الوضع، فيخرج البعض الآخر قائلًا إن النتيجة غير مضمونة، فقد لا تنجح ثورتنا ويموت الكثير منا.

ولكننا نموت بالفعل، يقول الجانب الداعم للثورة.

فلنتخيل كذلك فتاة تتعرض للإساءة من قِبل عائلتها، وتقرر ترك المنزل لتجد المجتمع حولها يخبرها بأن تركها المنزل يعني مستقبلًا غامضًا لها، يعني انعدام الحماية والأمان. حقًا؟ انعدام الحماية والأمان؟ وماذا عن أوضاع الحماية والأمان في البيت؟ قد ترد الفتاة.

لابد من مواجهة هذا، فكما لا تُقبل بعض المنتجات المصنعة من قِبل عمالة أطفال، يمكن أيضًا الإعلان عن عدم قبول منتجات أُنتجت تحت ظروف عمل قاسية وغير إنسانية، من خلال توظيف عمالة تعمل بشكل غير ثابت وبدون تأمين صحي أو تأمين ضد العجز أو المرض على سبيل المثال.

الاقتصاد ليس ظاهرة طبيعية نُساق إليها دون تدخل من جانبنا، فكل أُطر الحوكمة التي تؤطر للنموذج الاقتصادي المعولم الذي نشهده حاليًا هي من صنع بشر، ومن وضع مؤسسات يرأسها هؤلاء البشر.

على الجميع معرفة أن ذلك الصراع نحو الهاوية، سواء من خلال تخفيف القواعد والقوانين المنظِّمة لسوق العمل وخفض الإنفاق الاجتماعي وتقليل الضرائب هي أمور مدمرة للجميع في حقيقة الأمر، ولا تخدم، إلا قلة قليلة من أصحاب الثروات حول العالم.

قد يرد البعض أيضًا: ومَن يبالي؟ المهم أن المنتجات تُنتج بأسعار منخفضة، وذلك يسعد المستهلكين وهم الجزء الأكبر من اقتصاد السوق، وبالتالي فالضرر الواقع على بعض العاملين في بعض الصناعات لا يُقارَن بالنفع الذي سيجنيه المستهلكون.

هذا صحيح، فالمستهلكون بالتأكيد سيكونون سعداء بالمنتجات الرخيصة، ولكن من هم هؤلاء المستهلكون؟ أليسوا العمال وأُسرهم الذين تضرروا بفعل العولمة وإمكانية نقل مواقع الإنتاج من مكان إلى آخر؟ إذا كان الأمر يتعلق بالتكلفة وفقط، فلنحل الروبوتات محل العمالة . ولكن مَن سيملك المال الكافي لشراء المنتجات التي ستنتجها تلك الروبوتات، إذا كان العمال كلهم تحولوا إلى روبوتات؟

يجادل الأمريكيون بأن السبب الرئيسي وراء ارتفاع نسبة البطالة في أوروبا، مقارنة بنظيرتها في حالة الولايات المتحدة هو القدر الكبير من الحماية الذي تتمتع به علاقات العمل في أوروبا، وتكون النتيجة أنه لابد من تحرير علاقات العمل تلك، أو أسواق العمل كما يحلو للبعض تسميتها، لتشغيل المزيد من الناس.

هنا، وبدلًا من البحث عن حل واقعي للتعامل مع مشكلة البطالة والتغيّر الطارئ على علاقات العمل بفعل العديد من العوامل، ومن بينها العولمة الرأسمالية والتطورات التكنولوجية، يقترح هؤلاء ببساطة ضمّ القلة الباقية المتمتعة بظروف عمل مستقرة نسبيًا إلى غيرهم ممَن يعملون في ظروف لا تتسم بالاستقرار أو الثبات. والحجة وراء ذلك هو أن ذلك القدر من الحمائية في أسواق العمل يخلق سياجًا لا يسمح للعديدين بالدخول إلى أسواق العمل المحمية.

السؤال هنا: هل المنطقي هو توفير الحماية لمَن يحتاجونها أم رفعها عمن يتمتعون بها بالفعل، عملًا بمبدأ «المساواة في الظلم عدل»؟

الفلسفة الرئيسية وراء تحرير أسواق العمل هي أن ذلك يعني أمرين؛ أولهما انخفاض نصيب العمل في الدخل القومي لصالح نصيب رأس المال، وثانيهما، وهو المترتب عليه، أن يضخ الرأسماليون المزيد من الاستثمارات، ما يعني بالتبعية توفير المزيد من فرص العمل.

ما يغيب عن ذهن هؤلاء هو أن رأسماليي اليوم ليسوا رأسماليي القرن التاسع عشر أو العشرين. ففي عالم اليوم المعولم يمكن للشخص تحقيق ملايين، بل مليارات الدولارات، دون أي إنتاج يتولد عنه توفير فرص عمل، عن طريق نشاط مثل المضاربة في البورصة،  لتصبح النتيجة ببساطة تأكل في نصيب العمل لصالح تضخم نصيب رأس المال دون زيادة ملحوظة في فرص العمل.

الغريب في الأمر هو ذلك التناقض غير المفهوم على الإطلاق في طرح المنظّرين النيوليبراليين، وعلى رأسهم فردريك هايك في كتابه الشهير «الطريق للعبودية»، وبالأخص في فصله التاسع والمعنون بـ«الاستقرار والحرية».

يرى هايك أن الحمائية و«الاستقرار.. security»، التي تتمتع علاقات العمل بهما، تزيدان من «عدم الاستقرار.. insecurity » في حياة مَن لا يتمتعون بنفس الحماية في علاقات العمل لديهم، أو من لا يعملون في نفس المهن التي تتمتع بالحماية، وبالتالي يكون الاقتراح كما سبق القول هو تحرير كل علاقات العمل وإخضاعها بالكامل لمنطق السوق، كما هو الحال في عالمنا اليوم، ليعيش الجميع في حالة عدم الاستقرار نفسها التي انتقدها هايك في كتابه.

ثمة تناقض آخر في طرح هايك يتعلق بحثِّه للعاملين، ممَن يتمتعون بدخول جيدة ومزايا ومنافع نتيجة للحماية التي يتمتعون بها، على التخلي عن تلك الحماية ليشاركوا غيرهم من العاملين غير المتمتعين بتلك المنافع جزءًا من مزاياهم. بنفس منطق هايك، لماذا لا يشارك الرأسماليون والطبقة المالكة غيرهم من فئات المجتمع جزءًا من الثروات التي يمتلكونها؟

كما لفت حديث فريدمان عن الرأسمالية والتمييز انتباهي لتفرقة أود طرحها، وتخص الفرق بين السلعة والخدمة فيما يتعلق بالتمييز من عدمه.

كما أوضحت سابقًا، قد يكون فريدمان محقًا فيما يتعلق بصعوبة التمييز، خاصة إذا تعلق الأمر بسلعة أو بمنتج وليس بخدمة. فإذا تعرض شخص ما للتمييز من قبل صاحب متجر بإمكانه تغيير وجهته لمتجر آخر. ولكن الأمر يختلف في حالة الخدمة، وبالأخص إذا اتسمت تلك الخدمة بقدر مرتفع من الاحتكار.

في حالة الخدمة، يحدث احتكاك لفترة غير قصيرة بين مُقدِّم الخدمة ومتلقيها، كما بين متلقي الخدمة وغيره من المتلقين. المطاعم والفنادق والتعليم ووسائل النقل هي أمثلة ذلك النوع من الخدمات. بينما في حالة بيع السلعة أو المنتج، لا يحدث ذلك الاحتكاك المباشر لفترة طويلة من الوقت، وقد لا يحدث من الأساس.

فلنأخذ مثالًا بعض النوادي الليلية والمطاعم التي لا تسمح بدخول المحجبات أو المنقبات في الساحل الشمالي. قد يمتلك صاحب المطعم متجرًا، على سبيل المثال، ويسمح فيه بدخول المنقبات والمحجبات وغير المحجبات في نفس الوقت، ولكن لا يحدث كثير من الاحتكاك بين هؤلاء جميعًا. وهكذا الأمر بالنسبة لبعض أندية القوات المسلحة التي لا تسمح بدخول المنتقبات أو الملتحين، رغم أن متاجر القوات المسلحة تسمح بدخول هؤلاء بصورة طبيعية.

ذلك التمييز يحدث رغم أن مَن يُمنعون من دخول تلك الأماكن يمتلكون القدرة على دفع ثمن الخدمة، فالآلية التي يعمل عبرها أي سوق يُفترض أنها وجود عرض ووجود سعر يستطيع طالب الخدمة دفعه.

قطاع آخر هو التعليم، والتمييز فيه يكمن كثيرًا في منع منقبات من دخول الجامعات، وكذلك منع بعض أنواع الأزياء الأخرى. المشكلة هنا أنه لا يمكن بسهولة للطالب اتخاذ القرار بترك الجامعة والذهاب لجامعة أُخرى. ويزداد الأمر صعوبة إذا عُمّم ذلك النمط على جميع الجامعات الحكومية على سبيل المثال، وبالتالي تصبح إمكانية الفكاك من ذلك التمييز شبه مستحيلة.

فلنأخذ مثالًا أبسط لسيدة من خلفية اجتماعية ميسورة. في حالة التبضع يمكنها إرسال خادمتها أو سائقها للجزار أو لبائع الخضار أو للسوبر ماركت للتبضع، وحتى ولو اضطرت للذهاب بنفسها فلن تحتك كثيرًا أو لوقت طويل بالبائعين أو حتى بغيرها من الزبائن، وإذا لم يعجبها هذا الجزار فبإمكانها تغييره في المرة التالية مباشرة.

أما في حالة إن أرادت تلك السيدة تعليم ابنها، فلن ترسل بدلًا منه ابن الخادمة، وإنما سترسله هو شخصيًا، لأنها تحاول وضع ابنها في البيئة التي تراها ملائمة له، وللوضع الاجتماعي للأسرة كذلك.

وهنا، في حالة المدرسة، لا يكون التغيير سهلًا كما هو الحال في مثال تغيير الجزار، فنقل الطفل لمدرسة أخرى، ليس بالأمر اليسير، خاصة إذا كان العام الدراسي قد بدأ منذ وقت بالفعل.

يذهب فريدمان بعيدًا في تبريره للتمييز، حيث ينتقد القوانين التي توضع لمنع التمييز بناء على اللون فيما يتعلق بالتوظيف، حيث يرى الأمر مرتبطًا بالذوق. فإذا لم يعيّن صاحب العمل الأبيض شخصًا أسود، نظرًا لأنه أسود، فلا مشكلة في ذلك من وجهة نظر فريدمان، لأنه مرتبط بذوق الشخص الذي يفضل التعامل مع البيض، وليس السود.

يشبه هذا التبرير ما يستخدمه المحافظون في عالمنا العربي لرفضهم بعض الأنواع من الأزياء، باعتبارها مؤذية للنظر، وكذلك الحال بالنسبة للمحافظين في الغرب الذين ينظرون للحجاب أو النقاب باعتبارهما غير متناسقين مع الذوق العام ومؤذيين للنظر.

يتطابق هذا في الحقيقة مع التطور الذي واكب العولمة الاقتصادية، فرغم ملايين البضائع التي تنتقل يوميًا عبر الحدود، ولكن نفس الأمر لم يحدث في حالة البشر، وبالأخص في حالة العمالة، ففي الوقت الذي قد لا يمانع فيه البعض دخول منتجات أجنبية لحدودهم قد يمانعون دخول الأشخاص الذين صنّعوا تلك المنتجات.

أي أنه، بكلمات أخرى، فالتمييز في حالة الخدمة قائم بقوة في سوق العمل، حيث يمكننا اعتبار العمل خدمة يوفرها صاحبها للشخص الذي يوظفه، وذلك على خلاف السلع التي تتنقل بشكل أكثر حرية بكثير.

اعلان
 
 
بيشوي مجدي