Define your generation here. Generation What

ما الذي يعنيه أن تعود، ثم تعود، ثم تعود؟ عن المسيرات والإضرابات عن الطعام ومضارب التنس

رغم استمرار القناصة الإسرائيليين في إطلاق النار على الفلسطينيين العُزَّل، ما أدى إلى استشهاد ما يُقدَّر بحوالي 62 شخصًا وإصابة ما لا يقل عن 2700 آخرين يوم الثلاثاء الماضي وحده، إلا أن المحتجين مستمرون في العودة إلى الحدود. يعودون أفواجًا وراء أفواج وراء أفواج.

كانت النية أن تستمر المسيرات الأسبوعية، التي بدأت يوم 30 مارس كجزء من مسيرة العودة الكبرى، حتى يوم النكبة (15 مايو)، الموافق للذكرى السبعين لتأسيس دولة إسرائيل في ظل التطهير العرقي للفلسطينيين. طوال الأسابيع القليلة الماضية، رأينا عشرات الصور لفلسطينيين يندفعون بأجسادهم ليقاوموا محاصرتهم، لتنضم إلى صور أكثر بكثير جرى تداولها عبر السنين.

عندما صادفت لأول مرة صورًا من يوم الثلاثاء الماضي، جاشت مشاعري، بالطريقة التي يمكن للصور بها أن تتعملق بداخلنا: كراس متحركة ومضارب تنس، وسط كتلة محتشدة من المحتجين يسيرون بتحدٍ في اتجاه حدود تنشب أسلاكها في أجسادهم كل يوم، أسلاك شائكة لا نهائية تمثل أحد عشر عامًا من الحصار، بترت خلالها إسرائيل من غزة شواطئ صيدها ومواردها الزراعية، عاملة على الحد من وصول الإمدادات الطبية ومواد البناء من أجل إعادة البناء.

أما الظلام الدائم في غياب الكهرباء والمياه النظيفة فتعززه نسبة بطالة بلغت 58%، وتفاقم انعدام الأمن السكني، والأحوال الصحية المتردية.

«الرصاص يُطلق على سيقان الناس»، هذا ما ذكره الصحفي شريف عبد القدوس يوم 14 مايو، خلال الأسبوع السادس من المسيرة. «أخبرني أحد الأطباء أنهم يخلقون بذلك جيلًا جديدًا من المُقعدين. لقد حدثت حوالي 30 حالة بتر»، وأصيب طبيب آخر في ساقيه الاثنتين أثناء علاجه للمصابين.

وبينما كنت أستمع إلى الأخبار، كان بمقدوري تقريبًا سماع صوت العكاكيز وهي تضرب الأرض في مخيم الدهيشة للاجئين في الضفة الغربية، حيث قمت بعملي الميداني منذ صيفين. «تكسير الرُكَب» هو التعبير الذي بدأ مركز بديل الفلسطيني لمصادر حق المواطنة واللاجئين الإشارة به إلى شكل العنف المستخدم من قِبل الجيش الإسرائيلي ضد أجساد الشباب غالبًا في المخيم وقتها، ومرة أخرى في وقت قريب.

«رح أخلي نصكو معاقين والنص الثاني بيدفع كراسي المعاقين»، كان هذا هو التهديد المشين في ذاك الصيف على لسان القائد الإسرائيلي لشؤون المخيمات في منطقة بيت لحم، المعروف لدى سكان الدهيشة بـ«كابتن نضال».

هناك على الأقل 17 شابًا من المخيم (بين سن 14 و27) أُطلق الرصاص على سيقانهم خلال شهري يوليو وأغسطس ذلك الصيف، ثمانية منهم في الركبة مباشرة، وبعضهم في الساقين.

كم طريقة هناك لإطلاق الرصاص؟ تتباهى إسرائيل بتفوقها في استخدام تشكيلة من الطرق في الإيذاء، سواء في الضفة الغربية، أو على نطاق أوسع بكثير في احتلالها لغزة.

ومن خلال التدريب الأمني، تُصدِّر إسرائيل التكتيكات التي تجرّبها على أجساد الفلسطينيين حول العالم.

أتخيل كابتن نضال وهو يُعد القناصة المتوجهين إلى محتجي مسيرة العودة السلمية بغزة عن طريق برنامج باور بوينت، مُقلِّبا الشرائح المعنونة بـ«اضرب لتُعجِّز» و«اضرب لتقتل»، شارحًا إياها بنفس الشعور الهادئ بالحصانة الذي يمتلكه جاريد كوشنر، والذي كان يبتسم طوال الوقت في احتفال نقل السفارة، بينما القناصة يطلقون النار بدقة، كما تعلَّموا، على سيقان وصدور ورؤوس الأطفال والأطباء والصحفيين.

«اقتل واقتل واقتل» هكذا يدور شريط الصوت المصاحب للعرض، مكررًا وصفةَ الديمجرافي الإسرائيلي آرنون سوفير التي قدمها لحكومة آريئيل شارون عام 2004 حول طريقة عزل غزة.

الاحتلال على الطريقة الغزَّاوية

سوفير، الذي يدرِّس لمسؤولي الأمن في جامعة حيفا، لعب دورًا بارزًا في تطوير خطة فك الارتباط بغزة، التي قدمها شارون عام 2003، ووُضعت موضع التطبيق منذ عام 2005. في إطار اهتمامه بالإبقاء على دولة ذات أغلبية يهودية بأي ثمن، نصح سوفير بأن تسحب إسرائيل قواتها ومستوطناتها من غزة وتغلق المنطقة، وبداخلها الفلسطينيون.

توقع سوفير أن خلق مثل هذا السجن المفتوح للهواء الطلق سيؤدي إلى الضغط على الحدود، ولذلك نصح إسرائيل بالتعامل البوليسي العنيف مع الأمر، وإطلاق الرصاص على أي من يحاول اقتحام الحدود.

تضمنت الخطة تخويل السلطة الفلسطينية مسؤولية حكم الضفة الغربية وقطاع غزة بأكمله، وتسليم مسؤولية الحدود بين غزة ومصر إلى السلطات المصرية.

خطة فك الارتباط هي مفتاح أساسي لفهم أساليب إسرائيل للحوكمة فيما بعد أوسلو. كما يقول هاني سيد، فبتوقيع الاتفاقيات، رسمت إسرائيل فك ارتباطها المستقبلي، ليس فقط بغزة، ولكن أيضا بالضفة الغربية.

لا ينفصل فك الارتباط إذن عن استراتيجية إسرائيل الأوسع من أجل التحكم في الأراضي المحتلة، أو ما يسميه سيد «الاحتلال على الطريقة الغزَّاوية».

هذا الأسلوب في الحكم، الذي تمثل فيه السلطة الفلسطينية لاعبًا رئيسيًا، يُعفي إسرائيل من مسؤولياتها القانونية كقوة احتلال عليها إدارة الشؤون المدنية في الأراضي المحتلة (كما نصت عليها المادة 43 من اتفاقيتي لاهاي).

بدلًا من ذلك، تحيل أوسلو الشؤون المدنية إلى السلطة الفلسطينية، في الوقت الذي تضع فيه قيودًا مستحيلة على قدرة هذه السلطة على مراكمة سمات السيادة الرسمية على غزة والضفة الغربية، عن طريق سماحها لإسرائيل بالاحتفاظ بقدرتها على ممارسة السيطرة العسكرية.

ملخص وسيلة الحكم هذه، كما ذكرت الصحفية بدور حسن، هو الاعتقاد بأن أجساد جميع الفلسطينيين قابلة للتخلص منها، بمن فيهم الموجودون في القدس وهؤلاء من ذوي المواطنة الإسرائيلية. لكن، وكما تواصل بدور: «هناك تراتبية في قابلية التخلص [منهم]. أهل غزة يعامَلون باعتبارهم الأكثر قابلية للتخلص منهم.»

أثبتت إسرائيل هذا عبر تقسيم غزة والضفة الغربية في أعقاب انتخابات 2006 التشريعية، واحتوائها لغزة مع فك الارتباط بها. هناك تقييد شديد على الوصول لأكثر الاحتياجات أساسية، مثل الكهرباء والمعدات الطبية، يعاني منه ما يزيد على 1.9 مليون فلسطيني (1.2 مليون منهم طُردوا من بيوتهم خلال النكبة) فيما تنبأت الأمم المتحدة عام 2015 أن تكون أرضًا غير صالحة للسكنى تمامًا قبل عام 2020.

يكتب سيد أن عملية «الاحتلال على الطريقة الغزَّاوية» في الضفة الغربية، بعد ضم كل الأراضي الممكنة من خلال مستوطنات كثيفة، عزّزت قدرة إسرائيل على عزل المدن إلى مناطق ذات كثافة سكانية تنقطع إحداها عن الأخرى. أحاطت اتفاقيات أوسلو هذه التدخلات بهالة من القدسية عبر إفراط في القانون أكثر من كونه غيابًا له، بما يرسخ موت حل الدولتين بمساعدة من السلطة الفلسطينية.

وهكذا، فإن «محادثات السلام» التي يتحدثون عنها كثيرًا، هي غاية وليست وسيلة. ويستند فك الارتباط على فرض إسرائيل لحالة زمنية معينة تسعى لتفريغ مفهوم العودة من معناه، وإحلال محله الانتظار والانتظار والانتظار، مع انتظار الانتظار.

انتظار الانتظار

فرض هذه الحالة الزمنية، والتي تهدف لضبط الخاضعين لها على الانتظار اللانهائي، يتضح أيضًا في أشكال أخرى من الحكم تمارسها إسرائيل.

تجسد هذا في بناء إسرائيل لحائط الفصل على طول الضفة الغربية خلال الانتفاضة الثانية في يونيو 2002، بشبكته من نقاط التفتيش وما يصاحبها من انعدام للتوقع، الذي وصفته إيرين كاليس (2017:66) بوصفه يقع «ما بين الروتين والتمزق»، استنادًا إلى مفهوم عالم الأنثروبولوجيا مايكل تاوسيج عن «ازدواجية الوجود الاجتماعي»، حيث «يتحرك المرء في شكل انفجارات بين قبول الموقف بشكل ما كأمر عادي ثم الاندفاع إلى حالة من الذعر أو الصدمة حتى التشوش في أي لحظة.’ (تاوسيج، 1992)… بالعيش تحت التهديد الدائم بالتشويش الثابت وإن كان غير متوقع».

غياب اليقين هذا متعمد بالطبع، وتُقصد منه إثارة شعور بالاستسلام للانتظار في الإجراءات البيروقراطية والإدارية، من أجل إنتاج رعايا منتظرين متطبعين على التمزق الروتيني.

ممارسة أخرى تؤدي هذا الغرض هي الاعتقال الإداري. خلافًا لأحكام السجن محددة الوقت، تسمح هذه السياسة لإسرائيل باعتقال الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة لمدة ستة أشهر في كل مرة، ويمكن تجديدها دون مسوّغ قانوني، تاركة المعتقلين وعائلاتهم في حالة دائمة من المجهول.

«انتظرنا ستة أشهر، وتم التجديد. انتظرنا مرة أخرى، وتم التجديد مرة أخرى.. إلى متى سنستمر في الانتظار؟» هكذا قالت زوجة معتقل في مقابلة مع مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان عام 2016.

وليس من قبيل المصادفة أنه في حوار معي عن الاعتقال الإداري في أغسطس 2016، وصف المعتقل محمد زمنيةَ انتظار الانتظار بطريقة بدت ملخصة لمفهوم فك الارتباط:

«إذن، [الاعتقال الإداري] أشبه بدخول مطبخ واكتشاف أنه في حالة من الفوضى مع وجود مشاكل كثيرة للغاية، وعندئذ ماذا تفعل؟ تغلق باب المطبخ وترجع إلى البيت… وهكذا، حتى لو لم يكن [ضابط المخابرات] يتحرى عن شخص ما بشدة، لو أراد، يمكنه ببساطة أن يقبض عليه ويلقيه في المعتقل. لماذا؟ حتى لا يضطر الضابط إلى التفكير أو إرهاق نفسه. [إسرائيل] تقول: أنا لا أريد إرهاق نفسي بوضعه في السجن [بالعثور على تهمة]. دعوني فقط أقبض عليه. هذا هو الاعتقال الإداري. إنه طبع كسول وغبي [من إسرائيل] ولكنه مع ذلك يضغط بشدة على المنطقة.»

«إغلاق باب المطبخ» هو مجاز ملائم للواقع اليومي لحالة فك الارتباط على الطريقة الغزَّاوية، والتي أعفت بها السلطة نفسها من مسؤوليتها عن الحكم المدني، في الوقت الذي احتفظت فيه بالسيطرة العسكرية الفعالة.

تُكرِّر تأملات محمد وتؤكد كيف أن الاحتواء والاعتقال والضبط وفك الارتباط هي سياسات متشابكة في أسلوب إسرائيل في ممارسة الحكم بعد أوسلو، وكيف تحاول إسرائيل وضع الأراضي المحتلة نفسها تحت الاعتقال الإداري.

رفض الانتظار

عندما يعلن مُضرب عن الطعام، ردًا على اعتقاله الإداري: «أنا لا أريد الانتظار»، مثلما حدث لمحمد ومئات آخرين من المعتقلين الفلسطينيين منذ عام 2011، فإن هذا الرفض يتحدى السياسات الزمنية الأكبر لفك الارتباط في أسلوب الحكم الإسرائيلي ما بعد أوسلو.

أكدت لي حواراتي مع السجناء الفلسطينيين السابقين والدوريين، كجزء من بحثي الميداني، كيف يمكن لتجويع جسد المرء أن يشكّل أيضًا قربانًا، ضد فرض الانتظار في هذه الحالة. إنه يعيد تشكيل كيفية تخيل الوصول إلى التحرر من هذا الانتظار، بطريقة مشابهة للتضحية بالنفس عند أهل التبت الرافضين لفرض المواطنة الصينية عليهم. إنه يجبر شهوده على التلقي ثم على التحول بطريقة ما، كما تكتب عالمة الأنثروبولوجيا كارول ماكجراناهان.

ورغم مواجهة  الفلسطينيين، المحتجين على طول الحدود الشرقية لغزة، لوجه مختلف للاحتلال، إلا أنهم أيضًا يقدمون أجسادهم قربانًا، في محاولة لصياغة تضاريس سياسية جديدة فيما وراء حيواتهم السجينة، وفيما وراء غياب المفاوضات، التي انسحبت منها السلطة الفلسطينية.

فعل السير نفسه إلى حدود غزة، لمواجهة القناصة والقتل الجماعي، يسلط الضوء على ظروف العيش غير المحتملة التي أنتجها الحصار الإسرائيلي.

لكن الدفع بجسد المرء سيرًا نحو حدود مدججة بالعسكر والسلاح مرة بعد مرة بعد مرة، واستخدام مضارب التنس لصد وإرجاع قنابل الغاز المسيل للدموع، وإرسال طائرات ورقية مشتعلة لتحلق في السماء، كل هذا يدعو إلى ما هو أكثر من اليأس. إنه يستدعي رسالة أقوى بكثير عن إمكانية تخيل حياة غير مقيدة بالحدود.

في حديث مع جريدة واشنطن بوست، تضيف محامية حقوق الإنسان نورا عريقات:

«لا تتعلق هذه المقاومة بالعودة إلى حدود 1947، أو بمفهوم ما من الماضي، لكنها تتعلق بالمطالبة بمستقبل أفضل، يمكن فيه للفلسطينيين وأطفالهم العيش في حرية ومساواة، بدلًا من كونهم مستعبدين كمواطنين من الدرجة الثانية أو أسوأ.»

ظل الفلسطينيون يطالبون بحق العودة منذ التطهير العرقي الإسرائيلي لفلسطين في عام 1948. ومنذ هذا الوقت كان نداؤهم المتكرر أبعد ما يكون عن التكرار الببغائي. بل كان دائمًا يؤكد على الإمكانات البديلة والمختلفة التكوين للمستقبل. ما الذي يعنيه السعي للتحرر من زمنية الاعتقال الإداري، للمطالبة بالعودة في عصر تحويل كل شيء إلى النمط الغزاوي؟

يُنوّع الفلسطينيون هذه الخيالات خلال مسيراتهم المتكررة إلى الأراضي الحدودية. لكن هناك السماء أيضًا. السماء نفسها التي أشعلتها إسرائيل بالقصف والدمار في أعوام 2008 و2012 و2014 والحروب السابقة عليها. في الرابع عشر من مايو، ملأت إسرائيل هذه السماء بالغاز المسيل للدموع الذي أسقطته من طائرات بلا طيار.

مع ظهور السحب السوداء، رد الفلسطينيون قنابل الغاز بمضارب التنس، ليعمّقوا ندائهم بالعودة، باعتباره نداء يطرد العسكرة في اتجاه حدود إسرائيل، التي هي إرثه، ويتخيل الحرية والحياة غير المقيدة بالحدود فيما وراءها.

ربما لا نملك بعد مفردات لوصف هذه الحالة من الكينونة، ولما يعنيه التعبير عن مفهوم «العودة»، بما يتجاوز مفهوم الدولة-الوطن الذي يعيد إنتاج القمع الذي يعارضه السائرون إلى الحدود، لكن مسيرة العودة الكبرى تركت لنا صورًا للقرابين الجسدية التي تكشف عن مفهوم للعودة تمكن فيه صياغة بدائل جديدة للانتساب إلى الزمان والمكان، داخل عالم الممكن.

بناء على طلبهم ومن أجل أمانهم، استخدمت الكاتبة أسماء مستعارة لبعض من أجريت معهم المقابلات.

اعلان
 
 
آية عبد الحليم