Define your generation here. Generation What

تأملات رمضانية: ثنائية التدين والفساد

كما هي العادة في شهر رمضان من كل عام، تتوالى الكتابات الناعية على المصريين ازدواجية المعايير الفكرية وتناقض الأنماط السلوكية، حيث الحماس لأداء الصلوات الجماعية، والتبرعات النقدية والعينية بوازع «ديني»، وغيرها من مظاهر التقى والورع، في ذات الوقت الذي يواصل فيه معظم هؤلاء المتحمسين سلوكياتهم الفاسدة دينيًا واجتماعيًا، بل ويبرر بعضهم ذلك بوعي كامل، أو لنقل بمنطق محدد يؤمنون بوجاهته.

تتساءل هذه الكتابات مستنكرة: ما دام جميعنا، أو معظمنا على الأقل، بهذه التقوى وحب الخير، فمَن يرتشي إذن؟ ومن يغش في عمله اليدوي والذهني؟ ومن يخلف العهود والمواعيد؟ ومن يظلم مرؤوسيه أو العاملين لديه؟ ومن يرتكب الجرائم والمخالفات الجسيمة في الطرق، من التحرش بالإناث، والاعتداء اللفظي والبدني لأتفه الأسباب، واغتصاب المساحات العامة، وترويع المواطنين بالمخالفات المرورية الصارخة؟ وأين المتواطؤون مع أصحاب النفوذ وأبنائهم من العقوبة على انتهاكاتهم، وربما جرائمهم؟ ولماذا أصلًا يحرص أصحاب النفوذ هؤلاء على أن يبقوا فوق الجزاء والمسؤولية؟ ومن يعطي الفرص أو الوظائف للأقارب غير المستحقين، ويحرم منها المستحقين غير الأقارب؟ ومن يتهرب من الضرائب؟ إلخ.

وكما هي العادة أيضًا في كل عام، لا نجد إجابات يُعتد بها على هذه التساؤلات وغيرها، والأهم أننا لا نجد أبحاثًا منهجية محكمة تحدد، أو ترجح، نسبة مزدوجي المعايير بين الملتزمين دينيًا، وتفسر أسباب هذا التناقض، وتوضح ما الذي يدركونه عن أنفسهم في هذا الجانب، فضلًا عن أن تكشف لنا عن خصائصهم الاجتماعية والثقافية والمهنية، ومع ذلك فلا جدال، من وجهة نظري، في أن فرضية ازدواج المعايير الفكرية والسلوكية لدينا كمصريين صحيحة في مجملها، ولو من باب شيوع الاعتقاد في ذلك، وترسخه لدى جميع الأوساط الشعبية والرسمية في مجتمعنا، فما من أحد، إلا نادرًا، تحدثه أو يحدثك في الأحوال العامة المتدهورة، إلا ويسارع بالقول إن العيب فينا، إن كان متواضعًا بعض الشيء، أما إن كان حريصًا على التميز، فإنه يبادر قائلًا إن العيب في هذا الشعب الفوضوي، الكسول، المنافق، الجاهل، الكذوب.. إلخ.

لكن ما لا ينتبه إليه أغلب الناعين على المصريين نقائصهم هذه وغيرها، هو أن هذه النظرية تصادر أية إمكانية مستقبلية للخروج من الدائرة الخبيثة التي نعيش فيها، لأنك إن سألت أحدهم، متواضعًا كان أو غير متواضع: ما الحل؟ لا تجد إلا إجابة واحدة على لسان الجميع، وهي: على الشعب أن يتغير. فإذا تساءلت: كيف يتغير الشعب؟ لا تسمع جوابًا، وقد يجيب بعض المجتهدين المتحذلقين منهم: كل واحد يغير نفسه، ويراقب ضميره، ويتقي الله.

هذه كلها بالطبع إجابات غير علمية، لأن التحليل كله ليس علميًا، وإنما هي، كما سبق القول، اجتهادات فردية في فهم الأسباب وتصور الحلول، وقد تحولت كلها إلى عبارات ببغاوية على غالبية الألسن.

ومن باب تأكيد عدم علمية التحليل الذي ينسب تدهور أحوالنا في كل المجالات تقريبًا إلى طبيعة الشعب المصري، سأضرب هنا ثلاثة أمثلة لثلاثة شعوب، كان كل منها في الأصل شعبًا واحدًا، في دولة واحدة، ثم انقسم إلى شعبين في دولتين، لكل دولة منهما نظام حكمها المختلف عن الدولة الأخرى.

هذه الشعوب، أو الدول، هي الشعب الكوري، الذي انقسم إلى دولتي كوريا الشمالية والجنوبية، والشعب الألماني الذي كان منقسمًا حتى عام 1990 إلى ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، ثم الشعب الهندي الذي انقسم إلى الهند وباكستان، قبل أن تنقسم باكستان نفسها إلى باكستان الحالية وبنجلاديش.

في المثال الكوري، بينما أصبحت كوريا الجنوبية في عداد الاقتصاديات الكبرى في العالم، وسجلت تقدمًا هائلًا في مؤشرات مستوى المعيشة والتعليم والصحة، وسائر مؤشرات التنمية البشرية، فضلًا عن مؤشرات المشاركة السياسية، فإن كوريا الشمالية لا تخرج من مجاعة إلا لتدخل في أخرى، ولم تسجل أي تقدم، بل سجلت تدهورًا في المؤشرات سابقة الذكر، مكتفية، مثلها مثل الاتحاد السوفييتي سابقًا، بالتركيز على الصناعات الحربية.

ما الفرق بين الحالتين سوى الاختلاف بين نظام الحكم في كل منهما؟

وفي المثال الألماني، وكما نعلم، فقد تأسست دولتا ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية على أنقاض ألمانيا الأم المهزومة هزيمة مروعة، والمدمرة تمامًا في الحرب العالمية الثانية، وكانت الولايات التي تكونت منها ألمانيا الشرقية من أكثر المناطق الألمانية تقدمًا، بل إن من بينها بروسيا التي قادت عملية توحيد الأمة في القرن التاسع عشر، فما الذي آل إليه مصير ألمانيا الشرقية؟ وكيف كانت أحوال الألمان الشرقيين، تحت نظام الحكم الشيوعي القائم على القمع والاحتكار السلطوي؟ وما آل إليه مستقبل ألمانيا الغربية، وكيف كانت أحوال الألمان الغربيين، تحت نظام حكم يؤمن بالمشاركة والمساءلة، وحقوق الانسان؟

بالطبع يعلم الجميع الإجابة، ولم يكن الفارق هنا أيضا بين شعبين كانا حتى أمس شعبًا واحدًا، ولكن الاختلاف كان بين نظامي حكم.

أما المثال الهندي الباكستاني «البنجلاديشي»، فيقول إنه بينما تقدمت الهند بخطوات مطردة، وإن كانت بطيئة في البداية، حتى غدت الآن من القوى البازغة اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا، فضلًا عن ترسخ الحكم المدني الديمقراطي ومفهوم دولة القانون، فإن باكستان، ومن بعدها بنجلاديش، التي انفصلت عنها، ظلتا تترنحان ما بين انقلاب عسكري وآخر، يتخللهما حكم مدني إما فاسد، أو غير مستقر، بسبب الاستقطاب الذي نعهده عندنا في مصر بين المؤسسة العسكرية في جانب أو تنظيمات الإسلام السياسي المتطرفة في الجانب الآخر، وبسبب شيوع الفساد في النخبة السياسية المدنية، وبين رجال الأعمال، وهو فساد ناجم في أغلبه من انعدام يقين السياسيين والاقتصاديين باستقرار قواعد المساءلة والشفافية، واستمرارها، توقعًا لتدخل عسكري وارد في كل لحظة، ما يخلق لدى هذه النخب نمطًا دائمًا من الانتهازية السياسية، جنبًا إلى جنب مع الفساد.

وليس خارجًا عن الموضوع هنا أن نسجل أن الجيش الهندي الذي لم يتدخل في الحياة السياسية لبلاده قط، هو من انتصر على طول الخط في جميع المواجهات مع الجيش الباكستاني، الذي انشغل بالسلطة أكثر من انشغاله بالقتال، ولم يكتف بالهزيمة عدة مرات أمام الجيش الهندي، بل كان هو الفاعل الأصلي في الأزمة التي أدت إلى انفصال باكستان الشرقية، وتحولها إلى بنجلاديش.

هل ابتعدنا كثيرًا عن البداية «الرمضانية» لهذه السطور حول «نقائص الشعب المصري»، التي تتواتر حولها الكتابات كلما حل شهر رمضان، ناعية عليه تلك الازدواجية المتناقضة بين الحماس الديني «الطقوسي»، وبين السلوك الدنيوي والاجتماعي السيء والضار بالمجتمع ككل؟

وهل هذه المقارنات السابق ذكرها مباشرة بين كوريا الشمالية، وكوريا الجنوبية، وألمانيا الشرقية والغربية، والهند وباكستان – وبنجلاديش، بما تثبته من أن نظم الحكم هي المسؤولة عن الإصلاح والتقدم، وليس الشعوب، تعني أن الكاتب يقصد تحميل نظام الحكم المصري مسؤولية ضمان التطابق بين الحماس الديني للمصريين، وبين سلوكهم في كافة المجالات؟

بالقطع لم يخطر شيء من ذلك على البال، إذ يظل الإخلاص للمعتقدات، والالتزام بالضوابط والطقوس الدينية من عدمها، مسؤولية فردية تمامًا، ولكن القصد هو أن السلوك والأداء في المجال العام ليسا اختصاصًا شخصيًا، يُترك للاختيار الذاتي، ولرقابة الضمير الفردي أو لحسٍ أخلاقي أو ديني يوجب اتساق الشخصية، وإنما هما موضوع لحكم القانون واللوائح والقواعد الإدارية، فإذا جنح السلوك، أو اختل الأداء، فإن القصور هنا يُعزى إلى النظام العام، أو نظام الحكم على اختلاف مستوياته، وليس إلى الفرد وحده، وإلا ما كانت هناك من الأصل حاجة إلى القانون أو السلطة.

إعمالًا لهذه القاعدة، فإن التراخي في تطبيق القانون، مهما تكن الأسباب، يراكم عادة مخالفته، لتصبح عرفًا أو تقليدًا. وبالطبع فمن أهم أسباب عدم فعالية القوانين عندنا منهج الانتقاء في تطبيقها، حسب النفوذ، السياسي والاقتصادي، وترسخ الامتيازات الفئوية المنبثقة من السلطة والثروة.

وبالطبع أيضًا، ومثل كل الظواهر الاجتماعية، فإن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، ومع الإصرار على التطبيق الانتقائي للقوانين، يجد الكثيرون أنفسهم مرغمين على اتباع القواعد نفسها للحصول على حقوقهم، أو على بعضها.

ولحماية أنفسهم ومصالحهم، وطبقًا لمبدأ الضرورة هذا، يُنتهك القانون، ثم يُخالَف الدين، أو تخالَف الأخلاق، ومع تكرار الممارسة، تتسع ذريعة الضرورة، لتشمل كل شيء، فتنشأ تلك الازدواجية، التي تضاعف من شيوعها ندرةُ الفرص، وعدم العدالة في توزيعها بين الموطنين.

إذن، ليس الشعب المصري استثناء جديرًا بالخيبة بين شعوب العالم، بل الأغلب أن نظام الحكم عندنا هو ما يعد استثناء غير حميد بين نظم الحكم الرشيدة، منذ عقود طويلة.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد