Define your generation here. Generation What
العمل الجماعي في غيبوبة: واقع نقابة الأطباء من 2016 إلى 2018
كيف فقدت النقابة قدرتها على الحشد؟
 
 
 

بعد استقالة عضوين بارزين من أعضاء مجلس نقابة الأطباء يوم الثلاثاء الماضي، تزامنًا مع تزايد عدد الهجمات على الأطباء ومظاهر جمود الإصلاح في القطاع الصحي، نتتبع التحول الذي حدث في «دار الحكمة» منذ الحشود الغفيرة في 2016.

وبعد مرور عامين من العمل الجماعي، واحتشاد عشرة آلاف طبيب للمطالبة باستقالة وزير الصحة، أخفقت النقابة في الوصول إلى النصاب القانوني يوم 11 مايو الماضي. ووسط موجة من الاعتداءات على الأطباء وتراجع الحريات النقابية، ترصد «مدى مصر» كيف فقدت واحدة من أكبر النقابات في مصر رصيدها السياسي.

حتى بعد أن اعتدت عليه أسرة إحدى المريضات، وأُصيب بكسور في أنفه في أربعة مواضع، يُصرّ الطبيب محمد عوض على إدانة المشاكل الهيكلية التي أصابت نظام الرعاية الصحية المصري، نتيجة السياسات التقشفية التي تنتهجها الحكومة.

ويقول: «يأتي الناس وهم في حالة من الفزع، خشية موت قريبهم، ولكن هذه ليست غلطتنا. هناك عجز شديد في الإمدادات الطبية. أتفهم حالة الخوف، ولكنني لا يمكن أن أتسامح مع الاعتداء على الأطباء».

حضرت المريضة الذي اعتدى أقاربها على عوض إلى مستشفى الساحل التعليمي يوم 18 مايو، مُصابة بنزيف في المخ وتحتاج إلى سرير في وحدة العناية المركزة. لم يتمكن عوض من توفير سرير للمريضة، وكان عليه إخبار عائلتها بأن العناية المركزة مشغولة بالكامل، وأنه اتصل بوزارة الصحة لتوفير سرير لها في مكان آخر. هاجم أفراد العائلة عوض وثلاثة من العاملين بالمستشفى، بعد أن أثار الخبر غضبهم.

قصة عوض هي مجرد جزء من صورة كبيرة، تُجسد الاعتداء على الممارسين الطبيين. وإلى جانب تدابير الإصلاح الضعيفة، التي تهدف إلى تحسين ظروف عمل الأطباء ورعاية المرضى، أدى العنف إلى نفاذ صبر العديد من الأطباء وأحدث صدعًا في نقابة الأطباء.

ويُعد الموقف الراهن تحولًا كبيرًا بالنسبة لنقابة عرفت قيمة العمل الجماعي منذ فترة قصيرة، تعود إلى عام 2016 فقط، حين احتشد عشرة آلاف طبيب في اجتماع جمعية عمومية غير عادية، من أجل المطالبة بإقالة وزير الصحة والتحقيق معه، تزامنًا مع احتجاجات في المستشفيات في ربوع البلاد، في رد فعل على الاعتداء على طبيبين في مستشفى المطرية على يد اثنين من أمناء الشرطة، نتيجة رفض الطبيبين تزوير تقارير طبية.

إذا كانت قوة مجموعات الضغط أو العمل الجماعي قابل للقياس، فإن التجربة الأخيرة أثبتت أن قوة النقابة في اضمحلال، لأنه بعد إقالة طبيب من عمله والحكم عليه بالحبس لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ، بسبب خلاف مع وكيل نيابة، لبى 500 طبيب فقط دعوة النقابة لحضور اجتماع جمعية عمومية من أجل مناقشة طريقة التعامل مع هذا الانتهاك. ومع عدم اكتمال النصاب القانوني، لم تتمكن النقابة من إصدار قرارات مُلزمة. ثم قدمت الأمين العام المساعد للنقابة منى مينا والأمين العام إيهاب طاهر استقالتهما مساء الثلاثاء. وأرجعا قراراهما إلى مجموعة من العقبات التي تعرقل إصلاح القطاع الصحي، و«انخفاض سقف» الحريات النقابية عمومًا.

ويكشف انتقاد منى وطاهر للنقابة التي استقالا منها عن انقسام سياسي: «[ما تبقى من أعضاء مجلس النقابة] لديهم أسلوب مختلف، ربما لا نتفق معه ولا نعتقد في مدى فعاليته، ولكن يرى البعض أنه مناسب بالنسبة للمرحلة الراهنة»، وهو ما تحدث عنه أطباء آخرون لـ«مدى مصر»، موضحين أن اضمحلال نفوذ النقابة وفقدان حالة الزخم التي ظهرت في 2016، جاء نتيجة استمرار الاعتماد على وزارة الصحة –التقى نقيب الأطباء بوزير الصحة قبل يوم واحد فقط من اجتماع الجمعية العمومية في الـ 11 من مايو الجاري-، وهو ما يتفق مع ما يراه أطباء آخرون من أن الوضع السياسي الراهن لا يسمح بالعودة إلى العمل الجماعي.

هل يكفي الدعم وحده؟

في نفس اليوم الذي تعرض فيه عوض لاعتداء في مستشفى الساحل، اعتدى عدد من مرافقي مريض على الطبيب محمد عبدالفتاح في مستشفى ناصر العام في شبرا. وطبقًا للموقع الإلكتروني لنقابة الأطباء، أُصيب عبدالفتاح بجرح قطعي في فروة الرأس، وأبلغت إدارة المستشفى عن حدوث تلفيات عديدة.

خضع عوض لعملية جراحية عقب الاعتداء عليه، ويقول إنه يتماثل للشفاء، فيما صدر قرار بحبس المهاجمين الأربعة لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق يوم السبت الماضي، بعد أن تقدم هو والمستشفى ببلاغ.

وفرت النقابة دعمًا عامًا وقانونيًا للأطباء الذين تعرضوا لاعتداءات أثناء أداء عملهم. ومنذ أن تولى منصبه كمحامٍ للنقابة في 2014، باشر محمد شوقي عددًا من قضايا الاعتداء على أطباء. ومع ذلك، لا تتوافر إحصائيات رسمية عن الأطباء الذين تعرضوا لاعتداءات، بحسب تصريحه لـ«مدى مصر».

وكأحد مظاهر الدعم، دخلت النقابة بصفتها مُدعيًا مدنيًا في قضية مستشفى ناصر العام، التي صدر فيها قرار باحتجاز المعتدين الأربعة على الطبيب لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيق. وستدخل النقابة بصفتها مُدعيًا كذلك في قضية عوض وغيره من الأطباء المصابين في مستشفى الساحل التعليمي. وتدخلت النقابة كذلك في قضية محمد حسن، طبيب مستشفى التأمين الصحي بالعاشر من رمضان، الذي أصدرت ضده محكمة الشرقية  حُكمًا بالحبس لمدة سنة والفصل من عمله في التاسع من مايو. وتم إيقاف تنفيذ حكم الحبس في 14مايو، بعد دفع كفالة قدرها خمسة آلاف جنيه، كما تقدمت النقابة باستئناف ضد الحكم في وقت سابق، وستُعقد الجلسة المُقبلة في 5 يوليو، وفقًا لتصريحات شوقي لـ«مدى مصر».

وعلى الرغم من حرص النقابة على اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المتهمين بالاعتداء على المُشتغلين بالطب، يبدو أنها لم تبذل جهدًا لوقف انتشار تلك الاعتداءات. وأخبرت الأمين العام المساعد للنقابة منى مينا «مدى مصر» بأن الاعتداءات ليست بالأمر الجديد. ومع ذلك، ارتفعت وتيرتها نتيجة ضعف النظام الصحي في مصر، والذي أرجعته مينا إلى انخفاض مخصصات القطاع الصحي في الموازنة العامة. وأشارت مينا كذلك إلى ما أسمته «الحملة الإعلامية المستمرة ضد الأطباء والممرضات» باعتبارها سببًا آخر لزيادة عدد الاعتداءات على الأطباء.

ويعتقد أحمد فاروق، عضو مجلس النقابة سابقًا وأخصائي جراحة الفم والوجه والفكين، أن الاعتداءات ستستمر، طالما استمر انخفاض مرتبات الأطباء وضعف الخدمة الصحية المُقدمة نتيجة نقص الإمدادات، مضيفًا: «لا يصل المرضى إلى المسؤولين الحقيقيين عن المشاكل الصحية في مصر، ولكنهم يستطيعون الإمساك بالأطباء».

ووفقًا لـ مينا: «من السهل استخدام الأطباء ككبش فداء للعجز الخطير وسوء التخطيط المُستشري في القطاع الصحي، والذي يتسبب في سوء الخدمة في النهاية». ونتيجة لذلك، تقول مينا، يقع الضغط على المرضى الذين لا يستطيعون الحصول على الرعاية الطبية، ومن ثم يوجهون غضبهم وعنفهم ضد الأطباء.

توفير الحماية للطبيب أثناء أداء عمله

حماية الطبيب غائبة، هذا ما يؤكده شوقي بقوله: «ذهبت إلى مستشفى الساحل التعليمي مساء أمس، ولم يسألني أحد إلى أين أتجه أو ماذا أفعل. وبدون توفير أفراد أمن لحماية المستشفيات، يمكن أن يحدث أي شيء».

في قطاع صحي يتسم بتكرار حوادث الإهمال الطبي، وتردي جودة الخدمات في المستشفيات العامة، وارتفاع تكاليف العلاج في العيادات والمستشفيات الخاصة، أصبح التوتر بسبب طبيعة الرعاية الطبية أمرًا شائعًا.

«نحن نُحاسب في قضايا الإهمال الطبي، ولكن عندما نحتاج إلى حماية، وهي ضرورية لنتمكن من مساعدة الناس، لا أحد يهتم. نحن نذهب إلى المستشفيات ونحن نشك في عودتنا سالمين إلى منازلنا في نهاية اليوم» يقول عوض.

والحل كما يراه أخصائي الجهاز الهضمي والطبيب في إحدى المستشفيات العامة محمد حسن علي: «يجب أن تكون وزارة الصحة مسؤولة عن تأمين المستشفيات. يجب أن تتولى التنسيق مع وزارة الداخلية» ولكنه يستدرك: «ولكن موظفي وزارة الداخلية أنفسهم يعتدون على الأطباء».

ويُضيف علي لـ«مدى مصر» أن وزير الصحة أحمد عماد راضي يرى نفسه ممثلًا للحكومة وليس للأطباء، ولذلك لا يعرض مساندة الأطباء الذين يتعرضون للاعتداء.

ومن وجهة نظر علي وعوض، يكمُن الحل في زيادة العقوبات ضد من يعتدون على العاملين بالمستشفيات أو يتلفون ممتلكاتها. ووفقًا لـ مينا، تقدمت النقابة بمشروع قانون إلى البرلمان عام 2016، يتضمن مادة تفرض عقوبة ضد من يعتدي على العاملين بالمستشفيات أو يتلف ممتلكاتها. وعلى أن تجري إضافتها إلى مواد قانون العقوبات، لكن تلك المادة لم تُطرح للنقاش في البرلمان.

وينص التعديل المُقترح على فرض عقوبة بالحبس تتراوح من سنة إلى ثلاث سنوات، بالإضافة إلى غرامة تتراوح من عشرة آلاف إلى 100 ألف جنيه في قضايا الاعتداء على ممتلكات المستشفيات، والحبس من سنة إلى عشر سنوات، وغرامة تتراوح من خمسة آلاف إلى 20 ألف جنيه في قضايا الاعتداء على العاملين بالمستشفيات، استنادًا إلى عدد المصابين وحجم الإصابات.

وتؤكد مينا أنه «كان يمكن تمرير هذا التعديل بسهولة في البرلمان، للحد من الاعتداءات على الأطباء والمستشفيات»، مشيرة إلى أن «العقوبات ضد مرتكبي هذه الحوادث تصل إلى الحبس لمدة 15 سنة في بعض الدول، وهي تهدف كذلك إلى حماية حق المرضى في تلقي العلاج في مناخ هادئ ومستقر».

أين يكمُن الخطأ؟

مُفكرًا في ما حدث في فبراير 2016، يصف فاروق المشهد بقوله: «كان يشبه ميدان التحرير، عندما أغلقت الحشود الشارع. كان يوم جمعة. أحضر الأطباء الصحف ليجلسوا عليها أثناء الصلاة. وعلى الرغم من قوة تأثير المشهد، لم أكن متفائلًا، لأنني كنت أتواصل مع أعضاء مجلس النقابة، وأدركت أنهم يفتقرون إلى رؤية واضحة».

وخلال آخر اجتماع  لعقد جمعية عمومية لنقابة الأطباء يوم 11 مايو، أعرب الأطباء الذين تحدثوا إلى «مدى مصر»، وكذلك من خاطبوا الحضور أثناء الاجتماع، عن إحباطهم، وقد اعتقد بعضهم أن القضية خارج نطاق سلطة النقابة، في حين انتقد آخرون أداء النقابة مباشرة. وتعرض نقيب الأطباء حسين خيري لانتقادات لاذعة لأنه التقى وزير الصحة في اليوم السابق، وتمادى البعض مطالبين باستقالة مجلس النقابة.

سيد محمود، طبيب من الشرقية، أخبر «مدى مصر» بأنه شعر بالصدمة لانخفاض مشاركة الأطباء، وأرجع الأمر إلى «خيبة أمل» الأطباء في قدرة النقابة على الدفاع عن حقوقهم.

ويشير محمود إلى أن «محكمة القضاء الإداري أصدرت حكمًا في نوفمبر 2015 يقضي بتعويض مادي يُدفع للأطباء الذين أصيبوا بأحد الأمراض نتيجة العمل، ولكن وزارة الصحة لم تنفذ الحكم. ما أفقد الناس الأمل في إمكانية حدوث تغيير»، مضيفًا: «في اجتماعات الجمعية العمومية السابقة، لم يكن هناك مكان يستوعب كل الأطباء المشاركين، سواء في القاعة الرئيسية أو الغرف الأخرى».

أحمد الشيمي، طبيب آخر من دمنهور، قال لـ«مدى مصر» إنه لا يعتقد بوجود حل لهذا المأزق.، موضحًا: «الحكومة ضد الأطباء. وفي النهاية، لا تمتلك نقابة الأطباء أو غيرها من النقابات القدرة الكافية على التأثير، ولا يمكنها فرض إرادتها على مؤسسات الدولة».  

وينضم علي إلى الأطباء الذين يلومون النقابة على رد فعلها الضعيف أمام الاعتداءات على الأطباء. لقد حضر الاجتماع في 11 مايو، ولكنه انصرف بمجرد اندلاع الخلافات.

«النقابة إصلاحية وليست صدامية» هكذا يوصف أحمد فاروق، عضو النقابة السابق قائلًا: «ليس لدى مجلس النقابة خيارات أخرى، لأن اتخاذ مواقف متطرفة يؤدي إلى السجن. كما مارست الحكومة ضغوطًا على النقابة، وهددت بالتصعيد ضد الأطباء في أكتوبر 2016. والآن، نحن نتعامل مع تبعات إخفاق عام 2016. حينها، أخفقنا في استغلال الحشد القوي والواسع على نحو فعال من أجل اتخاذ موقف حاسم. ولقد أحجم الأطباء عن المشاركة في مثل هذه التحركات، منذ ذلك الحين».

«لطالما فضّلت النقابة التفاوض على الأفعال الصدامية، وأذعنت للتيار المُحافظ بقيادة خيري، الذي ساعد في إحباط حركة 2016. في ذلك الحين، قال خيري إن الأطباء لن يضربوا عن العمل من أجل خدمة المرضى. ولقد لاقت تلك الفكرة قبولًا في أوساط الأطباء» يقول علي.

امتنعت مينا عن إلقاء اللوم على النقابة في تصريحاتها لـ«مدى مصر» قبل استقالتها. وعلى الرغم من أنها تتفهم الخوف والإحباط المتصاعد في صفوف الأطباء، إلا أنها تعتقد أن مزيدًا من الأطباء كان يجب أن يشاركوا في اجتماع 11 مايو، لمساندة زملائهم ودعم مطالبهم.

«ما حدث في 2016 يصعب أن يتكرر، لأن سقف الحريات النقابية انخفض منذ ذلك الحين. يتعلق الأمر كذلك بالمناخ العام. وعلى أي حال، هناك مساحة دائمًا للدعم والتضامن. يعكس العمل الجماعي قوة كبيرة، حتى إن اتخذ شكل ملصقات في المستشفيات، ومنشورات توزع على المرضى أو مظاهرات رمزية، احتجاجًا على الاعتداءات» تقول مينا. ويخشى بعض الأطباء من التعرض للإيقاف عن العمل، لذلك تضيف مينا: «العمل الجماعي لا يشترط بالضرورة أن يكون إضرابًا عن العمل».

اعلان
 
 
هدير المهدوي