Define your generation here. Generation What
آخر أيام «اليرموك»
 
 
المصدر: Action Group for Palestinians of Syria
 

مخيم اليرموك: تدوي أصداء قصص المنازل المنهارة والجيران المقتولين بين أعضاء الشتات الفلسطيني في أنحاء العالم، عبر رسائل الهاتف الصوتية والصور، التي تُرسل تقريبًا في نفس الدقيقة التي يفرّ فيها السكان المخيم. في إحدى تلك الرسائل، يصيح رجل فلسطيني عجوز في الهاتف: «تحول الشارع إلى كومة من التراب.. لم يعد لمنزلي أثر، اختفى من فوق سطح الأرض»، ويضيع صوته وسط دوي القذائف. آخرون يتحدثون عن المدنيين الذين يختبئون في الأقبية منذ أيام ولم ترد أنباء عنهم، وعن كبار السن الذين يموتون في منازلهم لأنهم لم يجدوا من يُنقذهم.

تعرّض مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين والمناطق المجاورة له جنوبي العاصمة السورية دمشق لهجوم عنيف منذ 19 أبريل الماضي، عندما تحركت الحكومة السورية من أجل استعادة السيطرة على المنطقة من قبضة التنظيمات الجهادية ومجموعات المتمردين. وبحلول يوم الإثنين الماضي، انسحب آخر مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية من مخيم اليرموك وحي الحجر الأسود في اتجاه الصحراء شرق سوريا، لتعلن الحكومة السورية سيطرتها الكاملة على دمشق لأول مرة منذ اندلاع الانتفاضة السورية والمواجهات اللاحقة.

كانت الحكومة السورية قد استبقت العمليات العسكرية التي جرت على مدى الشهر الماضي بإحكام سيطرتها على تلك المناطق، عن طريق عمليات شاملة لـ «إخلاء المدنيين». وفي تكرار للنوع نفسه من الاتفاقيات الإجبارية التي فرضتها الحكومة وحلفاؤها على معاقل المتمردين والمناطق المُحاصرة، مثل مدينة درعا، منذ 2016، استسلمت القرى الثلاثة المُحاصرة جزئيًا -يلدا وببيلا وبيت سحم، والتي تُعد معاقل للمتمردين- لشروط التسوية في نهاية أبريل، وقبل سكانها نهائيًا بالترحيل الإجباري شمالًا، وبحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا. نُقلت قوات تحرير الشام بالحافلات من شمال اليرموك، قبل أن يستقل المقاتلون السوريون واللاجئون الفلسطينيون الحافلات من آخر جيوب المتمردين جنوبي دمشق، في طريقهم إلى مجموعة من المخيمات الريفية في معاقل المتمردين شمالي سوريا.

وفيما كانت القرى في هدنة جزئية مع الحكومة السورية منذ 2014، أخفق اتفاق سابق لوقف التصعيد، بضمان روسيا ووساطة مصرية في أكتوبر 2017، في وضع حد للعنف.

وتمنح اتفاقيات إجلاء المدنيين خيار مغادرة مناطق الصراع والسماح لهم بدخول مواد إغاثة إنسانية إلى المناطق المتضررة من الحرب، ولكن سكان تلك المناطق يعتبرونها إجبارية، نظرًا إلى الأعمال الانتقامية التي ربما يتعرضون لها في حالة البقاء.

الناشط والمصور الفلسطيني حماده حامد شعر أن خياره الوحيد هو الفرار من جنوبي دمشق، نظرًا لأن المناطق التي كان يعتبرها وطنه، وكانت معاقلًا للمتمردين، عادت مرة أخرى إلى قبضة القوات السورية والروسية.

«أكبر خطأ يقترفه شخص هو البقاء، بغض النظر عن ما تقوله الحكومة السورية بشأن السماح لمن يريد بالبقاء. أي شخص يحمل كاميرا، أو كان ناشطًا سياسيًا في وقت ما.. أو هرب من الجيش السوري أو يواجه حكمًا عسكريًا، فعليه ألا يبقى»، يقول حامد، ويضيف: «على الرغم من أن الذين يرحلون يتجهون إلى مصير مجهول».

وعلى خلفية العمليات العسكرية وعمليات الإخلاء، كانت هناك مشاهد أقل انتشارًا عبر الصور والرسائل الصوتية، حصل «مدى مصر» على بعضها، من مدنيين واصلوا الإقامة في ضواحي دمشق الجنوبية ومخيم اليرموك، ويعيشون تقريبًا تحت القصف اليومي. حيث تتحول المباني إلى أطلال، ويناضل الفلسطينيون في المخيم والمناطق المجاورة للبقاء على قيد الحياة، في حين تُعد مشاركة عدة قوات فلسطينية موالية للحكومة السورية مؤشرًا مُبكرًا على مستقبل المخيم، وتدل على أن إعادة تشييده بعد انتهاء الصراع ستؤدي إلى القضاء على التنوع السياسي والاجتماعي الذي شهده اليرموك سابقًا.

وأفادت تقارير بمقتل 21 مدنيًا على الأقل، إضافة إلى ترحيل سبعة آلاف شخص من منازلهم، من بينهم 6200 لاجئ فلسطيني في سوريا.

القافلة 5

لم يكن الترحيل سهلًا قبل مغادرة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية.

في مطلع مايو الجاري، احتُجزت القافلة رقم خمسة التي تغادر معاقل المتمردين في جنوبي دمشق لمدة أسبوع تقريبًا عند آخر نقطة تفتيش حكومية على الطريق إلى شمالي سوريا، نتيجة سوء التنسيق بين المفاوضين الروس الذين توسطوا في اتفاق الترحيل وبين القوات التركية المتمركزة في الشمال. مع ذلك، أرجع آخرون التأخير إلى مصادمات بين فصائل المتمردين كانت تدور في منطقة قريبة في ذلك الحين. نام المسافرون في الحافلات ليلًا، واحتموا من حرارة الشمس على جانبي الطريق نهارًا.

أقام الواصلون الجُدد في منازل داخل مخيمات للنازحين داخليًا في ريف إدلب وعفرين، وأكّد كثيرون داخل تلك المخيمات أنها سيئة الخدمات وتختلف عن ما ورد في اتفاق «التسوية» في أبريل. وانضم البعض إلى هذه الرحلة المُهلكة لكي يجد طريقة لتهريبه عبر الحدود التركية، بدلًا من الإقامة في المخيمات.

«هناك القليل من الطعام في المخيم.. ولا توجد كهرباء. المخيم بعيد للغاية عن أي سوق في المنطقة. أقرب سوق تبعد نحو 20 كيلومترًا»، هكذا أوضح الناشط السياسي الفلسطيني عبد الله الخطيب، الذي استقل الحافلة الأولى من جنوبي دمشق إلى شمال سوريا، «خلال المفاوضات، قال الروس إنهم اتصلوا بالحكومة التركية وأنه سيُسمح لمن يتم إجلائهم بالدخول إلى جرابلس. دخلت القافلتان الأولى والثانية بالفعل، ولكن لم يُسمح للخامسة بالدخول».

وطبقًا لمنسقي استجابة شمال سوريا، فقط تم تهجير نحو 9250 شخصًا إلى الشمال. ولكن مصادر في معاقل قرى يلدا وببيلا وبيت سحم أخبرت «مدى مصر» بأن عدد الأسماء المُسجلة في عمليات التهجير ربما يصل إلى 17 ألف شخص، حتى وصلت أخبار إلى المدنيين في جنوبي دمشق حول القافلة رقم خمسة، وقلة الخدمات المُتاحة في المخيمات في الشمال، فقرروا عدم الرحيل. وانقسمت العائلات نتيجة لذلك.

«واستحال الشارع ترابًا»

بعد أسابيع من القصف اليومي، والغارات الجوية السورية والروسية، والبراميل المتفجرة، والقصف المدفعي، إضافة إلى قتال الشوارع العنيف، تحولت معظم ضواحي دمشق الجنوبية إلى خرائب.

خلال الهجوم العسكري، أثار أنصار الحكومة شكوكًا حول وجود مدنيين في المنطقة. وحاولت صحيفة الوطن الموالية للحكومة تفنيد المزاعم بشأن وجود مدنيين -سابقًا أو حاليًا- داخل مخيم اليرموك، ونفت صفحة القناة المركزية لقاعدة حميميم العسكرية على فيسبوك ما أسمته «مزاعم بوجود جرحى من المدنيين»، وزعمت أن «المقاتلين الحكوميين لم يواجهوا سوى متطرفين ينتمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية».

ومع ذلك، وصف المدنيون الذين يعيشون داخل مخيم اليرموك أو الذين فرّوا منه مؤخرًا، كيف «تُدمر المنازل ويعلق الناس تحت الأنقاض».

وأفاد تقرير مجموعة العمل من أجل فلسطينيّ سوريا، ومقرها لندن، بأن اللاجئ الفلسطيني محمود الباش وزوجته وطفله الرضيع أنقذوا وخرجوا أحياء من تحت أنقاض منزلهم يوم 27 أبريل، بعد أيام من قصفه على يد قوات موالية للحكومة. وكانت الأسرة في عداد الأموات إلى أن عُثر عليهم.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، كان محمد الهضة وزوجته هيفا يحتميان في منزلهما عندما أصابته قذيفة، طبقًا لنشطاء اليرموك. بعد إصابة زوجته، كان على محمد أن يتخذ قرارًا صعبًا بحملها ليلًا إلى منزل أحد الأقارب. وبعد وصولهما بعدة ساعات، قُصف المنزل الآخر كذلك ومات الرجل وزوجته.

وقال نشطاء محليون وأعضاء مجموعة العمل من أجل فلسطينيّ سوريا إن أكثر من 35 فلسطينيًا قتلوا حتى الآن في هذا الهجوم، من بينهم 21 مدنيًا.

ولقد فرّ تقريبًا كل الـ 6200 فلسطيني الذين ظلوا داخل منازلهم في اليرموك مع بداية الهجوم، واتجهوا إلى مناطق مجاورة.

إحكام السيطرة على مستقبل اليرموك

كانت القوات الموالية للحكومة تتطلع إلى معركة جنوبي دمشق منذ انتهاء حملة الغوطة الشرقية. وكانت الخطوط الأمامية تتكون من الموالين للحكومة والداعمين لسياسة الميليشيات.

ولقد أرسلت مليشيات القدس الفلسطينية في حلب قوات إلى مخيم اليرموك في أبريل، بعد أن شاركت في الخطوط الأمامية في معركة الغوطة الشرقية. وكان أحد قادتها قد تعهد: «بعد تحرير الغوطة، سوف نحرر اليرموك». تبعتها في الهجوم وحدات الجيش السوري، ثم وصلت قوات سهيل الحسن المعروفة باسم قوات النمر والمدعومة بقوات روسية في منتصف أبريل. انضموا إلى مزيج من القوات السورية والفلسطينية التي تضمنت قوات الدفاع الوطني، وهي ميليشيا فلسطينية ذاتية التمويل، إضافة إلى فصائل الحرس القديم الفلسطيني، ومن بينها قوات فتح الانتفاضة ومجموعة أحمد جبريل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة.

تحول المدخل الشمالي لمخيم اليرموك إلى منصة استعراض عسكري، حيث تصطف الدبابات والمدرعات جنبًا إلى جنب، وترافق أغاني الدبكة حركة القوات الموالية للحكومة. وأقيم مخيم باسم «مخيم العودة» يستقبل فيه عدد من مقاتلي المقاومة الفلسطينية كبار السن المقاتلين حديثي الوصول، ليحددوا مستقبل المكان الذي عُرف ذات يوم بأنه «عاصمة الشتات الفلسطيني».

قال سكان سابقون ومراقبون لـ «مدى مصر» إن اليرموك صار عُرضة للمحو منذ ذلك الحين. إذا حدث هذا لما كان ذات يوم أكبر تجمع فلسطيني في سوريا، فسوف يطرح أسئلة حول مستقبل الوجود الفلسطيني في سوريا. ويعتقد آخرون أن المخيم على حاله القديم انتهى إلى الأبد، ولكن سيُعاد بنائه في نهاية المطاف على نحو ما.

لقد نزح نحو خُمس الفلسطينيين الذين عاشوا في سوريا قبل الحرب، والبالغ عددهم 560 ألف شخص، إلى خارج سوريا. ويعتمد تقريبًا كل الـ 438 ألف شخص الباقين في سوريا على المعونات. وكثيرًا ما يتحدث الفلسطينيون النازحون داخليًا في دمشق عن ارتفاع أسعار الإيجارات والسلع لدرجة غير محتملة. وفي سوريا ما بعد انتهاء الصراع، سيواجه الفلسطينيون، مثلما هي الحال بالنسبة للمواطنين السوريين، صعوبات قانونية عندما يحاولون العودة إلى منازلهم أو إقامة حياة مستقرة. ووفقًا للقانون رقم 10 لعام 2018، الذي يضع الملامح العريضة لإعادة إعمار سوريا، يمكن أن يُحرم من ملكية المنزل من يعجز عن إثبات ملكيته له. وحتى إن تمكن من إثبات الملكية، فقد دُمرت مساحات شاسعة في مخيم اليرموك وغيره من المخيمات في أنحاء البلاد دمارًا شديدًا.

وعلى الرغم من كل معاناة المدنيين من سكان مخيم اليرموك -الهجمات العسكرية، الحصار، التجويع، الاعتقال، والتهجير- ما زال كثيرون منهم يعتقدون أنهم سيعودون ذات يوم إلى المخيم. لكن وبعد سبعين عامًا من النكبة، ومع تدمير واحتمال محو مخيم اليرموك، يبدو أن احتمال إعادة بناء تاريخه السياسي والاجتماعي قد انتهى إلى الأبد.

اعلان
 
 
أسامة موسى 
توم رولينز