Define your generation here. Generation What

المترو وأشياء أخرى: سياسة «إلى كلٍ حسب قدرته» عن الندرة والسعر والاحتياج

في المحاضرة الأولى لأي طالب بقسم الاقتصاد بالجامعة، يخبره الأستاذ أن الاقتصاد هو العلم الذي يساعدنا على التوفيق بين أمرين: ندرة الموارد وتعدد الحاجات والرغبات. وأن الندرة يجري التعبير عنها عبر آلية التسعير.

وفق التعبير النيوكلاسيكي للاقتصاد إذن، الندرةُ تسبق السعرَ.

في هذه المقالة، ومن خلال استخدام مثال رفع تسعيرة تذكرة المترو مع أمثلة أخرى، أحاول الجدال بأنه في كثير من الأحيان تأتي الندرة كنتيجة لاحقة لوجود السعر، كما أجادل بأنه لتحقيق ما يعرف بـ«تقليل اعتماد الأفراد على السوق.. de-commodification» فلابد من حدوث ما يمكن أن نطلق عليه تفكيك منطق السعر الذي يقوم عليه اقتصاد السوق «de-pricification».

***

«من كلٍ حسب قدرته إلى كلٍ حسب حاجته»، هي المقولة الشهيرة للمفكر الألماني الشهير كارل ماركس. ولكن يمكن القول إن اقتصاد السوق، باعتماده على آلية التسعير، يقوم بصورة أساسية على الصورة المعكوسة لتلك المقولة «من كل حسب حاجته إلى كل حسب قدرته»، أي أن يدفع الأكثر احتياجًا للأقدر ماديًا.

مثلًا، من أين تأتي معظم الإيرادات الضريبية في الحالة المصرية؟

ليس من أصحاب رؤوس الأموال أو أصحاب الأعمال، وإنما تأتي في معظمها من الطبقات الأقل مقدرة مادية، في صورة ما يعرف بـ«ضريبة القيمة المضافة».

ولكن انعكاس مقولة ماركس «لكل حسب قدرته» ينطبق أكثر وأكثر على الطريقة التي تتعامل بها الحكومة المصرية مع خدمة مترو الأنفاق.

المحاسبة وفقًا لعدد المحطات منطق يتنافى تمامًا مع منطق الحاجة، ولا يراعي البعد الاجتماعي على الإطلاق، حيث استخدام المرء للمترو لعدد محطات أكبر لا يعني على الإطلاق قدرته على دفع مبلغ أكبر.

مثلًا، إذا كنت في حالة مرضية شديدة استدعت مكوثي في المستشفى لفترة طويلة، فإن استخدامي لمرافق المستشفى تلك الفترة لا يرتبط على الإطلاق بمقدرتي على الدفع، ولكن بوجود احتياج ضروري إذا لم يُلبَّ فسيعني هذا وفاتي.

لا يُستخدم المترو، غالبًا، للترفيه، وإنما لتلبية احتياج ما مثل الذهاب للعمل، كما أن مكوثي في المستشفى لا يأتي بالطبع لرغبة في الاستمتاع بالجو العام في المستشفى.

فلوس تأتي بالفلوس

مثال آخر على منهج «إلى كلٍ حسب قدرته»، هو حالة التحويلات النقدية المشروطة، حيث نجد الحكومة تطلب من بعض الأشخاص تنفيذ بعض الاشتراطات السلوكية، مثل إرسال الأطفال للمدارس ومتابعة وضعهم الصحي، كشرط أساسي لضمان استمرار حصولهم على الدعم النقدي.

لنقارن هذا بالدعم الممنوح لأصحاب الأعمال، مثل منحهم أراضي بالمجان، أو دعم طاقة، أو إعفاءات ضريبية، أو دعم للصادرات. هل ثمة احتياج فعلي في حالة هؤلاء؟

قد يكون لديهم احتياج للوصول لأسواق جديدة ولزيادة حصصهم السوقية، ولكن في حقيقة الأمر فهم يملكون المقدرة على تلبية هذا الاحتياج.

المفارقة هنا هي وضع شروط على بضع مئات من الجنيهات تأتي على هيئة دعم نقدي مشروط، في حين لا تُفرض أية شروط على من يحصلون على دعم في صورة ملايين الجنيهات، رغم أن الاحتياجات لدى من يتلقون دعمًا نقديًا مشروطًا ضرورية لبقائهم على قيد الحياة.

تنطبق مقولة «إلى كل حسب قدرته» على حالة الدعم الممنوح لأصحاب الأعمال.

يحصل هؤلاء تحديدًا على ذلك الدعم السخي لأنهم يملكون الثروة والقوة، أو لأنهم قريبون ممن يملكون القوة والسلطة، لتصبح النتيجة النهائية المزيد والمزيد من تعظيم مقدراتهم، أو كما يُقال دائمًا «الفلوس بتجيب فلوس».

الندرة أم السعر؟

السؤال إذن، ما الذي يأتي أولًا: الندرة أم السعر؟

لنتأمل حالة التخلص من فائض محصول القمح في الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف الحفاظ على السعر القائم. الندرة هنا هي ندرة مصطنعة، وهي هنا ما تعبر عن السعر وليس العكس. لماذا يموت الأشخاص جوعًا وبردًا حول العالم رغم أن الإنتاج العالمي من الغذاء أو الكساء يكفي ويفيض؟

ببساطة لأن مقولة ماركس قد انقلبت رأسًا على عقب، وبالأخص الجزء الثاني منها، لتصبح «إلى كل حسب قدرته»، وليس «حسب حاجته».

هناك قوانين، مثل ما يعرف بـ«القوانين ضد التلاعب.. anti-gouging laws»، تمنع التلاعب بالأسعار في أوقات الأزمات، مثل الأعاصير والسيول. ولكن بعض الاقتصاديين النيوكلاسيكيين يجادلون بالقول إنه في حالة حدوث أزمة طبيعية، يذهب البعض للمتاجر ويفرغون الأرفف من المنتجات خوفًا من الخطر القادم، مما قد يؤدي لوضع لا يجد فيه غيرهم من المواطنين شيئًا يتبقى لهم.

من هنا يطالب هؤلاء الاقتصاديون بالسماح برفع السعر في حالة تلك الأزمات، حتى لا يميل الواقف في أول الطابور، إلى أخذ معظم المنتجات من على الرف، مع ترك القليل فقط للواقفين خلفه.

من وجهة نظري، فالمشكلة ليست في انخفاض أو ارتفاع السعر، ولكن في وجوده من الأساس.

ما الذي يجعل هؤلاء يظنون أن رفع السعر سيحسن من الوضع؟ على العكس، قد يؤدي ذلك إلى زيادة الوضع سوءًا، خاصة بالنسبة لمن لا يملكون المال الكافي الذي يتيح لهم شراء السلعة بعد التسعير الجديد، رغم وجود الاحتياج لديهم، بالضبط مثل غيرهم ممن لديهم الاحتياج وإن كانوا يملكون القدرة على تلبية ندائه بصورة قد تفيض عن اللازم.

ما الذي يخلق التزاحم والتدافع من الأساس؟

السعر. السعر هو ما يدفع الأشخاص للإسراع للمتاجر لإفراغ جيوبهم والحصول على السلع التي يحتاجونها.

النظرية النيوكلاسيكية تنظر للاقتصاد بوصفه يتعامل مع ندرة الموارد وتعدد الحاجات. أي أنه حتى النظرة النيوكلاسيكية تقر بأن الأصل هو الحاجة وليس المقدرة.

ولكن المشكلة الرئيسية أن دخول آلية التسعير على الخط، باعتبارها خير معبر عن الندرة، وعما يعرف بـ«تكلفة الفرصة البديلة»، هو ما يؤدي، ليس لتعدد الحاجات في حقيقة الأمر، وإنما لتعدد المقدرات.

لدينا احتياج أساسي للانسان، وهو الكساء. هل تلبي كل تلك الماركات العالمية من الملابس حاجات الأفراد؟

الإجابة بالنفي من وجهة نظري. تلك الماركات تخاطب مقدرات الأفراد وليس احتياجاتهم الأصلية.

ذلك التعدد المصطنع للاحتياجات هو نتاج آلية التسعير الحاكمة لمنطق السوق، والتي تنتج بدورها التعدد في المقدرات الشرائية، والناتج بدوره بالطبع عن التفاوت الضخم في مستويات الدخول والثروة.

إذا قبلنا بأن الاقتصاد يشمل أمرين رئيسيين؛ ندرة الموارد وتعدد الحاجات، فلماذا لا يمكن القول إذن إن التخطيط المركزي، وليس آلية التسعير في اقتصاد السوق، هو الأكثر الملائمة لتلك المواصفات التي يتصف بها عالمنا الاقتصادي؟

إذا كانت لديك ندرة في الموارد، فلابد من التخطيط الجيد لكيفية الاستغلال الأمثل لتلك الموارد المحدودة، حتى لا ينتهي الأمر بوجود البعض ممن لا يجدون ما يسد احتياجاتهم الأساسية مثل المأكل أو الملبس أو المسكن، وهو ما نراه بأعيننا في اقتصاد السوق القائم على آلية التسعير.

الأسعار والتضامن المجتمعي

لا تتعلق آلية التسعير بالاقتصاد فحسب، وإنما بالعلاقات بين جميع أطياف المجتمع وبعضهم البعض أيضًا.

في مثال المتجر المذكور عاليًا، ماذا لو افترضنا اتباع آلية مختلفة لتوزيع السلع المتاحة في ذلك المتجر، يُقرَّر فيها إعطاء كلٍ حسب حاجته. ماذا لو اتفق المجتمع على اتباع تلك الآلية؟ هل سُيغضب ذلك هؤلاء ممن يملكون القدرة على الشراء أكثر من حاجتهم؟

الإجابة بالإيجاب، ويتضح ذلك من التأييد الملحوظ للطبقة المتوسطة والطبقة العليا للتوجهات الحكومية المتعلقة برفع الدعم الموجه بالأساس للفقراء.

يأخذنا هذا للفكرة التي يطرحها الفيلسوف الأمريكي مايكل صاندل، حيث تنقسم المجتمعات على نفسها بحيث تصبح هناك طبقة غنية منفصلة تمامًا عن باقي المجتمع؛ تعيش في أحيائها الخاصة وترسل أبنائها لمدارس خاصة وتتنزه في أماكن بعينها.

تصبح النتيجة النهائية عدم وجود أي احتكاك أو تواصل بين تلك الطبقة وغيرها من سائر مكونات المجتمع، وهو ما ينعكس على غياب التضامن بين تلك المكونات، ذلك التضامن الذي مكّن تاريخيًا من ظهور أحد أسخى نماذج دولة الرفاهية في الدول الإسكندنافية، حيث يحصل المواطنون جميعًا على منافع وخدمات عامة ذات مستويات متشابهة أو متقاربة، وبالتالي يكون من مصلحتنا جميعًا التكاتف والتضامن دفاعًا عن تلك المكتسبات.

لكن في الحالة المصرية، حل محل ذلك التضامن التنافسُ على ما يُدعى أنها «موارد محدودة»، فيحسد الأغنياءُ الفقراءَ على ما يحصلون عليه من دعم، وتشمت الفئات الأقل حظًا فيما يحدث للطبقات الميسورة من كوارث، مثل غرق حي التجمع الخامس تحت تأثير السيول.

مرة أخرى، ما الذي يمكّن تلك الطبقة الميسورة من السكنى في أحيائها الخاصة وإرسال أبناءها لمدارس بعينها وقيادة السيارات بدلًا من استخدام وسائل المواصلات العامة، ومن بينها مترو الأنفاق؟

الإجابة مرة أخرى هي آلية التسعير والمقدرة على الدفع المرتبطة بها.

في الوقت الذي تدعم فيه تلك الطبقة توجه الدولة لرفع الدعم الموجه للفقراء، نجدهم يمتعضون حينما تقرر الدولة رفع سعر البنزين الذي يستخدمونه في عرباتهم، معللين امتعاضهم بأن الدولة تأخذ منهم الضرائب، ولا تعطيهم شيئًا في المقابل، حيث يعالَجون في مستشفيات خاصة ويرسلون أبناءهم لمدارس خاصة.

تتناسى تلك الطبقة أن الأحياء التي تسكن بها هي ما تحصل على أفضل الخدمات العامة مثل الطرق المرصوفة وشبكات الصرف الصحي ومياه الشرب وغيرها.

بشكل عام، تتعامل الدولة المصرية مع ملف المواصلات العامة بقدر كبير من التبجح والاستخفاف إن أمكن القول. نجد الحكومة تصر على أنه إذا لم تعجبك أسعار التذاكر الجديدة فبإمكانك عمل اشتراك، متناسية أن جزءًا كبيرًا من قوة العمل في مصر حاليًا يعمل في وظائف تتسم بعدم ثبات مصدر الدخل، وبالتالي فإن دفع مبلغ مالي كبير للحصول على الاشتراك هو أمر قد لا يكون مجديًا اقتصاديًا للعامل باليومية الذي لا يعلم إن كان سيجد عملًا في الأسبوع أو الشهر القادم، أم لا.

وأخيرًا، وهو الأمر الأكثر استفزازًا، تصر الحكومة دائمًا على وصف الدعم المُقدَّم لوسائل المواصلات العامة، المترو وأتوبيسات هيئة النقل العام والسكك الحديدية، بالـ«خسائر»، بينما في الحقيقة، فإن قيمة ذلك الدعم الكلي غير كبيرة للدرجة التي تجعل الدولة تلهث وراء بضع الجنيهات من جيوب المواطنين من مستخدمي أتوبيسات النقل العام أو مترو الأنفاق.

اعلان
 
 
بيشوي مجدي