Define your generation here. Generation What
هُنا غزة.. الصحفيون هدف القناصة
 
 
استهداف الصحفيين أثناء تغطيتهم لمسيرات العودة - المصدر: المركز الإعلامي- الخارجية الفلسطينية
 

حين انتهيتُ من تغطية اليوم الأول من مسيرات «العودة الكبرى» في قطاع غزة، 30 مارس الماضي، عدتُ حاملًا اعتقادين؛ الأول أن غاز الأعصاب الذي استنشقته بعد ما ألقته طائرة القنابل لم يفعل بي شيئًا، فيما كان الاعتقاد الثاني أن استهدافنا كطاقم صحفي بالقنابل والرصاص الحيّ جرى بمحض الصدفة، أو نتيجة العشوائية التي استخدمتها القناصة الإسرائيلية في قمع المتظاهرين السلميين الذين جاؤوا مطالبين بحق «العودة».

في الصباح التالي، تبيّن أنني كنتُ على خطأ في الاعتقاد الأول، إذ ظهرت بقع سوداء على كتفي الأيمن، وشعرت بضيق التنفّس، ولحسن الحظ والد زوجتي، والذي يعمل كطبيب «جلدية وتناسلية»، أسعفني بعدة أدوية على الفور. أما الاعتقاد الثاني فحتى أتأكّد من عدم صحته انتظرتُ لمسيرة يوم الجمعة 6 أبريل الماضي، حين قتلت القناصة الإسرائيلية الزميل الذي يبتسم لكل شيء؛ ياسر مرتجى.كان ذلك خلال تغطية المصور (30 عامًا) للمسيرة في شرق خانيونس. وقتها، وجدتُ أن استهداف الصحفيين لم يكن صدفة، أو عشوائية بقدر ما كان سياسة إسرائيلية مقصودة، وذلك لتعطيل النقل الميداني لما يحدث، ومن أجل إرهاب بقية الصحفيين.

زرع الخوف

قال رشدي الصوراني، والذي كان قد أسس مع ياسر مرتجى شركة «عين ميديا»، لـ «مدى مصر»: «القناص الإسرائيلي اختار المكان الفارغ من الدرع الذي كان يرتديه ياسر، كان من الواضح (أن المقصود) اغتياله». كان الصوراني شاهدًا على مقتل شريكه، حيث كان واقفًا على بعد مترين منه.

لم يكن مرتجى أول صحفي استهدفه الاحتلال من العائلة ذاتها، حيث سبق أن قُتل اثنان من عائلته وهما؛ المذيع في إذاعة «ألوان» المحلية علاء مرتجى في عدوان عام 2008، ومراسل قناة «الأقصى» عبد الله مرتجى، في عدوان عام 2014.

فيما شهد يوم الجمعة الثالث من «مسيرات العودة»، 13 أبريل الماضي، استهداف الصحفي أحمد أبو حسين (26 عامًا)، وذلك أثناء تواجده شرق أبو صفية شمال غزة. وهو ما تمّ توثيقه في فيديو قصير، فكان يقف خلف المتظاهرين مرتديًا الدرع الأزرق المميز للصحفيين، فضلًا عن تواجده بجانب الطواقم الطبية، وبين امرأة عجوز ورجل، إلا أنه سقط على الفور، بعدما تبيّن لاحقًا أن قناص إسرائيلي فجّر معدته.

بالطريقة نفسها التي قُتل بها مرتجى جاءت إصابة أبو حسين، فالرصاصة اخترقت المكان المكشوف من الدرع الأزرق، ثم مزقت أحشاء الاثنين. لكن الفرق الوحيد بين حادثي الاستهداف، أن ياسر ارتقى في اليوم نفسه، أما أحمد فمات بعد أسبوعين تقريبًا.

كما اُفتتح يوم الجمعة الثالث من «مسيرات العودة»، بسقوط عشرات من قنابل الغاز على خيمة الصحفيين ونقطة طبية كذلك. بينما كان عدد إصابات الصحفيين حوالي 43 صحفيًا، قُتل اثنين منهم، فضلًا عن 16 حالة أُصيبت بالرصاص الحيّ، فيما الباقي استنشق غاز الأعصاب، وشظايا متطايرة من الرصاص المتفجّر الذي يستخدمه الاحتلال لأول مرة في غزة.

في حين دفعت الوحشية الملحوظة من الجانب الإسرائيلي اللجنة القانونية التابعة للجنة الوطنية لـ «مسيرات العودة الكبرى»  للمُطالبة بضرورة أن تُسارع المؤسسات الصحفية الإقليمية والدولية للتحرّك الفوري لضمان إلزام دولة الاحتلال الحربي الإسرائيلي باحترام نصوص الاتفاقية الرابعة، وبشكل خاص القواعد القانونية التي تحمي الصحفيين والإعلاميين. وأكدت اللجنة، في بيان، اطلع «مدى مصر» على نسخة منه، أن قواعد القانون الدولي الإنساني، وبالتحديد بالبرتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، قد منح حماية خاصة للصحفيين كونهم من الفئات الأكثر تعرّضًا لمخاطر النزاع المسلح. وقد أُدرجت المادة 79 من هذا البروتوكول الصحفيين الّذين يباشرون مهمات مهنية خطيرة في مناطق النزاعات المسلحة في إطار فئة الأشخاص المدنيين، وذلك وفق المادة 50 من البروتوكول الأول، الذي أضفى عليهم صفة المدنيين، وهذا الحكم ينطبق أيضًا على كل الصحفيين الوطنيين في الأقاليم المحتلة، بحسب البيان.

فيما قالت المدعية العامة لدى المحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء الماضي، إن «طاقمنا يتابع عن كثب التطورات على الأرض، ويسجل أي جريمة محتملة قد يشملها». وكانت الدبلوماسية الفلسطينية قد طالبت ببذل المزيد من الجهود، لإبلاغ المدعية العامة بالوقائع حول الجرائم الإسرائيلية المرتكبة بحق الصحفيين.

يبدو أن ما يشغل القناصة الإسرائيلية، استهداف الصحفيين الفلسطينيين الذين يتميزون عن المشاركين بدرع أزرق موسوم بكلمة:« PREES». ورغم  مقتل ياسر، ثم أحمد، إلا أن هذا لم يدفع جنود الاحتلال لأن يغيروا من تعاملهم مع الصحفيين.

بحسب الصحفي نضال عليان، فقد طلب أحد المسعفين منه ألا يقف بجانبه، وأوضح عليان أن الطلب كان من أجل أن يضمن المُسعِف سلامته، وألا يكون مستهدفًا. هذا الموقف المختصر، يدّل على أن كل مَن في الميدان «ضحية»؛ فلا يعيفك «درع أزرق»، ولا «رداء أبيض»، (وذلك في إشارة إلى ملابس المسعفين).

ربما أرادت إسرائيل أن تزرع الخوف في قلوب الصحفيين، رغم ذلك لا يزال المصورون يلتقطون الصور لتفسّر للعالم حقيقة ما يحدث. ويدل على ذلك الشموع التي اُشعلت حدادًا على مقتل مرتجى في العواصم الغربية. كانت هذه الشموع كفيلة بأن تجعل العالم يسأل: لماذا قُتل؟ وفي أي سياق؟ وماذا كان يفعل ياسر على حدود غزة؟ أو على الأقل؛ ما الذي يجري في القطاع الفلسطيني المحاصر الآن؟ وهذا كان محرجًا بالنسبة للاحتلال.

كما يحاول وزير الجيش الإسرائيلي، أفيجدور ليبرمان، تبرير عملية قنص الصحفيين الفلسطينيين، فقال في تصريحاته لإذاعة الجيش الاحتلال إن عناصر حركة حماس الفلسطينية يتخفون في ملابس الصحفيين، ويستخدمون سيارات الإسعاف ويرتدون ملابس تشبه زي عناصر الهلال الأحمر، وذلك بهدف الاقتراب من السياج الأمني، على حد زعم الوزير الإسرائيلي، الذي أضاف: «نحن لن نتحمل أي مخاطر أمنية، وكل مَن يقترب من السياج الأمني يعرّض نفسه للخطر». كما اتهم «حماس» بإرسال مَن وصفهم بـ «الإرهابيين» تحت «ستار المدنيين للإضرار بالسيادة الإسرائيلية»، بحسب تصريحات ليبرمان.

لا تقف بجانب الصحفيين

«إذ كنت أحد المشاركين في مسيرة العودة الكبرى على شريط حدود شرق قطاع غزة فلا تقف بجانب أحد الصحفيين»، هذه ليست يافطة إرشادات، بل هي النصيحة الأولى التي كانت يرددها المشاركون في مسيرة يوم الإثنين الماضي، الذي عُرف بـ «مليونية العودة»،  الذي ارتكبت فيه إسرائيل مذبحة بحق المواطنين العزل في غزة. ما أدى لمقتل 62 شخصًا، وإصابة أكثر من 3 آلاف آخرين، بحسب الناطق باسم وزارة الصحة الفلسطينية بقطاع غزة.

في ذلك اليوم الدامي، أُصيب بالرصاص الحيّ المصور الصحفي ياسر قديح (32 عامًا) الذي يعمل بصحيفة «فلسطين»، فيما أُصيب أكثر من 50 صحفيًا بغاز الأعصاب، واستهدفت أغلب النقاط الطبية والصحفية بالغاز نفسه.

قديح أُصيب بمستوى البطن، وهو الموضع الذي استهدفته القناصة من جسدي ياسر مرتجى، وأحمد أبو حسين. منذ لحظة الإصابة، دخل قديح في غيبوبة، ثم نُقل إلى مجمع الشفاء الطبي، ودخل غرفة العناية المكثفة ولسوء حالته جرى تحويله إلى مستشفى المقاصد في القدس المحتلة، وذلك مع حلول منتصف ليلة الإثنين الماضي.

يعيش ياسر مع زوجته الصحفية رنا الشرافي في إحدى الشقق بغزة بصحبة ثلاثة أطفال؛ سلام، وسما، وأمير. ويُعد الزوجان ثنائي صحفي متكامل، خاصة أنهما يعملان في عدة منصات إعلامية دولية، وفي الصحيفة المحلية نفسها، وخاصة بزاوية «القصة الإنسانية». هو يلتقط الصور، ورنا تعد نصًا مكتوبًا، هكذا تكتمل المادة الصحفية التي ينتجها الزوجان معًا.

بعد ما اُجرى لزوجها/ زميلها عملية جراحية ثالثة، تقول رنا (30 عامًا) : «هناك تعمد واضح من الجنود لقمع الكلمة والصورة. ياسر هو صحفي مستقل لا يتبع لأي تنظيم عسكري أو سياسي، الحقيقة التي اثبتتها إسرائيل أن الفلسطينيين أينما كانوا، وماذا كانوا هم تحت دائرة القتل والإعاقة» .

تسحب شهيقًا، ثم تخرج زفيرًا ببطء، وتكمل رنا لـ «مدى مصر»: « بفضل الله، استيقط ياسر من غيبوبته، ابتسم لي. لكنه لم يتكلم حتى اللحظة، وننتظر استقرار حالته الصحية للعودة لقطاع غزة لمتابعة حالته الصحية، ومتابعة عملي الصحفي حتى نستمر في نقل الحقيقة» .

اعلان
 
 
حمزة أبو الطرابيش