Define your generation here. Generation What
ملاحظات حول قانون «التجارب السريرية»
 
 

أقر مجلس النواب، اﻹثنين الماضي، قانون تنظيم البحوث الطبية الإكلينيكية، بعد خلافات شهدتها النقاشات حول القانون داخل البرلمان وخارجه.

ويمثل القانون أول محاولة لتشريع الضوابط المتعلقة بإجراء تجارب سريرية على المرضى، والتي تُجرى بشكل كبير في مصر دون ضمان لحقوق المرضى وإطار ﻷخلاقياته. وعلى الرغم من أن القانون يمثل خطوة مهمة لسد هذا الفراغ التشريعي، إلا أن عددًا من المختصين أبدى انتقادات حول عدد من نقاط الضعف فيه.

ويُقصد بالبحوث الطبية الإكلينيكية تلك المتعلقة باكتشاف وتطوير أي دواء جديد أو أساليب علاجية أخرى. وتبدأ عملية اعتماد دواء جديد باكتشاف مادة فعالة قد تصلح لعلاج مرض. يتم اختبار تلك المادة معمليًا على أنسجة مُصابة بالمرض المستهدف، ثم تجربته على الحيوانات، وإذا نجحت تجارب الدواء خلال الخطوات السابقة في معدلات الشفاء ومعايير اﻷمان، يُسمح باختبار ذلك الدواء على البشر. وفي حالة نجاح التجربة على البشر، يمكن طرح الدواء الجديد في اﻷسواق وتسويقه.

وتسبب غياب تشريع واضح ينظم عملية تجربة الدواء على البشر -التجارب السريرية- في تحويل مصر إلى مسرح عالمي لإجراء تلك التجارب واستغلال المرضى للمشاركة فيها دون أي ضمان لحقوقهم. بحسب تقرير «أسئلة أخلاقية حول التجارب السريرية على الدواء في مصر»، والذي أعدته عدة منظمات حقوقية محلية ودولية، تحتل مصر المركز الثاني أفريقيًا في قائمة الدول اﻷكثر استضافة للتجارب السريرية للعقاقير تحت رعاية الشركات الدولية متعددة الجنسيات. وأرجع التقرير أسباب ارتفاع النسبة إلى انتشار الجهل بالأدوية والعلاجات، والتكلفة المنخفضة ﻹجراء تلك التجارب في مصر.

كيف يعمل القانون الجديد؟

تعود أول محاولة لإصدار قانون لتنظيم التجارب السريرية إلى عام 2002 حين اقترح حسام بدراوي، أمين عام الحزب الوطني المنحل ورئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بالبرلمان آنذاك، مشروع قانون لتنظيم إجراء الدراسات الدوائية في مصر، بحسب تقرير نُشر في صحيفة الأهرام في ديسمبر 2002. كما حاولت وزيرة البحث العلمي الأسبق، نادية الزخاري، في عام 2012 اقتراح إصدار قانون، إلا أن أيًا من هذه القوانين لم تصدر في النهاية.

كما تقدمت مجموعة من أعضاء مجلس النواب بمشروعي قانونين في نوفمبر 2016، ومرة أخرى في نوفمبر 2017، لتنظيم إجراءات الدراسات الدوائية والتجارب السريرية والبحوث الطبية.

لكن مشروع القانون اﻷخير جاء من الحكومة والذي أرسلته إلى مجلس النواب، والذي أحاله بدوره في 4 مارس 2018 إلى لجنة برلمانية مشتركة من الصحة، والتعليم والبحث العلمي، والشؤون الدستورية والتشريعية، لدراسته وإعداد تقرير عنه تمهيدًا لعرضه على المجلس. واعتبر البرلمان مشروع قانون الحكومة أساسًا للتشريع واستخدم مشروعات القوانين السابقة بمثابة مقترحات للتعديل عليه، بحسب تقرير اللجنة المشتركة.

أثار قانون الحكومة عند مناقشته جدلًا واسعًا بين عدة أوساط، وأشعل خلافات داخل البرلمان بين لجنتي الصحة والتعليم والبحث العلمي. كما وجهت نقابتي الصيادلة والأطباء، باﻹضافة إلى القطاع الطبي بالمجلس الأعلى للجامعات، عددًا من الانتقادات، إلى جانب ملاحظات بعض المراكز الحقوقية.

ويقع القانون الجديد في 12 فصلًا، يتناول أول أربعة منها تعريفات وأحكام عامة، وتحديد الهيئات المسؤولة عن تنظيم ومراقبة تلك التجارب، وهي:

– المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية، ويتولى مسؤولية وضع السياسات العامة للبحوث الطبية، ويتضمن في تشكيله ممثلين من بعض الجهات السيادية: وزارتا الدفاع والداخلية ومجلس الدولة والمخابرات العامة.

– اللجنة المؤسسية لأخلاقيات البحوث الطبية، وتتولى مراجعة المخططات البحثية التي تتقدم بها جهات البحث قبل إجازتها أو رفضها.

– الهيئات القومية الرقابية، وهي: الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية، والهيئة القومية للرقابة والبحوث على المستحضرات الحيوية.

ويحدد الفصل الخامس من القانون مراحل الأبحاث الطبية الإكلينيكية. لم يركز القانون على مراحل ما قبل التجارب على البشر، بينما تناول تفصيليًا مراحل التجارب على البشر والتي قُسمت إلى أربعة مراحل:

– المرحلة اﻷولى: يتراوح عدد المبحوثين في هذه المرحلة من 20 إلى 80 مبحوثًا يجري تقسيمهم إلى مجموعات صغيرة يتكون كل منها من خمسة أفراد، وشرط الانتقال من مجموعة إلى أخرى التأكد من أمان نتائج التدخل الطبي على المجموعة التي تسبقها وتهدف تلك المرحلة التأكد من أمان التدخل الطبي.

– المرحلة الثانية: يجري فيها البحث الإكلينيكي على مجموعة أكبر من المبحوثين يتراوح عددهم بين 200-300 مبحوث ممن يعانون من المرض المستهدف من البحث الطبي الإكلينيكي وتهدف هذه المرحلة إلى المساعدة في معرفة كيفية عمل التدخل الطبي، واستكمال ما تم بحثه في المرحلة الأولى من أمان التدخل الطبي في مجموعات أكبر من المرضى.

– المرحلة الثالثة: يجري فيها البحث الطبي الإكلينيكي على مجموعة من المبحوثين يتراوح عددهم ما بين المئات والآلاف. وتهدف تلك المرحلة إلى معرفة مدى فعالية التدخل الطبي مقارنة بأفضل العلاجات المتاحة.

– المرحلة الرابعة: تعرف بمرحلة ما بعد التسويق، وتتضمن المراقبة الآمنة المستمرة للدواء بعد حصوله على ترخيص التداول.

وخصص القانون فصلين لتحديد حقوق المبحوثين (الذين تُجرى عليهم التجارب)، والشروط والإجراءات التي يجب توافرها في الباحثين، فالنقطة الثانية من المادة 19 في الفصل السابع، تنص على الحصول على الموافقة المستنيرة من المبحوث المشارك أو الممثل القانوني وتوثيقها عن طريق الاستمارة المعدة لذلك والموقعة والمؤرخة من المبحوث والتي تمت مراجعتها والموافقة عليها من اللجنة المؤسسية.

ويكفل القانون أيضًا للمبحوث في المادة 1 من الفصل السادس حق الانسحاب من البحث وقتما يشاء ودون إلزامه بتقديم أسباب لذلك، على أن يقوم الباحث الرئيسي بتبصرته بالأضرار الطبية الناجمة عن انسحابه.

ثم تتناول الفصول من الثامن إلى العاشر التزامات الباحث، والجهة الممولة للبحث، واستخدام العينات البشرية الخاصة بالبحوث الطبية. ويحظر القانون خروج أي عينات بشرية من التي يجري عليها التجارب خارج مصر، ولكنه يستثنى في ذلك حالة الضرورة بعد أخذ موافقة جهاز المخابرات العامة والمجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية.

ويتناول آخر فصلين اشتراطات ومعايير الجهة القائمة بالبحث والفصل الأخير خاص بالعقوبات، وأبرز ما فيه العقاب بالسجن والغرامة للباحث وراعي البحث في حال مخالفتهم لإجراءات البحث الطبي التي حددها القانون.

انتقادات موجهة للقانون

تنتقد ماجدة نصر، عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بالبرلمان، في تصريحات لـ «مدى مصر»، وضع القانون تفصيلات تتعلق بأعداد الحالات التي يقع عليها التجربة. على سبيل المثال، يحدد القانون عدد المبحوثين في المرحلة الثانية يجب أن يتراوح بين 200-300 شخص، لأنها ترى أن كل بحث له ظروفه الخاصة، وبالتالي تتغير خطته وعدد الأفراد تبعًا لها.

كما قدمت نقابة الأطباء 12 ملاحظة حول القانون أهمها وجوب النص على نشر كل البروتوكولات التفصيلية للتجارب التى يوافق عليها المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية على موقعه الرسمى لضمان شفافية الإجراءات، والحماية الكافية للمبحوثين، وهي الملاحظات التي لم يستجب لها مجلس النواب، بعد مقارنة قام بها «مدى مصر» لملاحظات النقابة والمسودة النهائية للقانون.

وأبدت نقابة الصيادلة سبع ملاحظات على مشروع القانون، أهمها أنه كان يجب أن يسبق ظهور التشريع صدور قانون الهيئة المصرية للدواء لأن جزءًا منه ينظم البحوث اﻹكلينيكية والعمل على تطوير قطاع الدواء، بحسب تصريحات صحفية لوكيل النقابة مصطفى الوكيل في أبريل الماضي.

لكن أيمن سبع، الباحث في ملف الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يرى أن القانون تكمن أهميته في سد فجوة تشريعية هامة، حيث لم يكن هناك تشريع لتنظيم الأبحاث السريرية من قبل، والذي كانت تنظمه بعض القرارات الوزارية مثل القرار الوزاري رقم 95 لعام 2005 بحظر إجراء التجارب السريرية قبل موافقة لجنة أخلاقيات البحث بوزارة الصحة.

ويوضح سبع أن غياب إطار تشريعي تسبب في عدد من المشاكل مثل استغلال الشركات للمرضى والفئات الضعيفة لإجراء التجارب عليها دون حماية أو حقوق. ويضيف أن تلك الشركات لم تكن ملزمة بأي بروتوكول معين قبل البدء في التجربة، فلا يوجد إطار يلزمها من الأساس، بحسب رأيه.

ويقول سبع إن «بعض الشركات كانت تأتي بأدوية من الخارج أخذت موافقة من منظمة الغذاء والدواء الأمريكية لعلاج أمراض محددة لتجربها في علاج أمراض أخرى، أو إجراء بعض التجارب الدوائية على المرضى بينما ما زالت في مراحل ما قبل التجربة على البشر خارج مصر».

ولذا كان من الهام إصدار تشريع لسد تلك الثغرة، حسب سبع، الذي يقول إن نحو 75% من الملاحظات التي قدمتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية –إحدى الجهات المشاركة في جلسات الحوار التي خصصها البرلمان لمناقشة القانون- تم الأخذ بها وكانت تتعلق في أغلبها حول حقوق المرضى والمبحوثين التي تجري عليهم التجارب حتى لا يتم استغلالهم.

وعلى رغم من استجابة البرلمان لعدد من ملاحظات «المبادرة»، إلا أن سبع يرى أن هناك أربع نقاط هامة كان يجب الأخذ بها وتتعلق في معظمها بأمور قد تعطل مهمة البحث العلمي.

يوضح سبع أن تشكيل المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية المنوط به إدارة وتنظيم البحوث الطبية أغفل تواجد ممثلين للمجتمع المدني، بينما في الجهة المقابلة ركز التشكيل على تواجد ممثلين لعدة جهات سيادية وحكومية.

يضيف سبع أن هناك إجراء بيروقراطي آخر قد يعطل الباحثين، وهو نص القانون على موافقة جهاز المخابرات العامة قبل إصدار الدواء، مشككًا في جدوى ذلك طالما ممثل الجهاز موجود بتشكيل المجلس الأعلى.

أما النقطة الثالثة الهامة، فيقول سبع إنها خاصة بمنع إرسال أي تحاليل خاصة بالمبحوث لتحليلها خارج مصر لبيان علاجه من الدواء أم لا، موضحًا أن هناك عدة معامل في العالم تحاليلها معتمدة دوليًا وتؤخذ كمرجع، لكن تلك المعامل غير موجودة بمصر. ولهذا يضطر الباحثون والشركات التي تجري أبحاثها في مصر لإرسال تحاليل المبحوثين خارج مصر كي يكتسب الدواء ثقة عالمية، لكن بعض الجهات السيادية رفضت ذلك. ويرى سبع أن هذا سيجعل بعض الشركات العالمية تتخوف من إجراء التجارب بمصر، كما سُيعطل أيضًا الكثير من الباحثين.

كما استنكر سبع نص القانون على وجود عقوبة الحبس للباحثين ضمن عقوباتهم في حالة الأخطاء أثناء التجربة. بحسب رأيه، فإنه من غير المعقول النص على حبس باحث لخطأ طبيعي قد يقع أثناء التجربة.

وفيما يتعلق بالشفافية، لم يُلزم القانون نشر أو إتاحة بيانات التجربة، مكتفيًا بإلزام الباحث بالاحتفاظ بجميع الوثائق الرئيسية والبيانات الخاصة المتعلقة بالبحث الطبي لدى قاعدة البيانات الخاصة بالمجلس الأعلى داخل جمهورية مصر العربية. وعلى الرغم من إغفال القانون لهذه النقطة، إلا أن أيمن سبع يرى أنه يمكن تجاوز ذلك عبر النص عليه في اللائحة التنفيذية.

اعلان
 
 
محمد أبو عميرة